ناصر‏..‏وحلم لم يتبدد
أحمد الجمال
أحمد الجمال

اثنان وأربعون عاما لم تتوقف خلالها محاولات اغتيال شخصية جمال عبد الناصر‏,‏ الذي تحل ذكري رحيله غدا الجمعة‏28‏ سبتمبر‏,‏

 وهي محاولات أسهم في التخطيط لها وتمويلها وتنفيذها جهات لو حصرناها لكانت المفاجأة أنها تضم من قد يبدون متناقضين مختلفين وربما يشتد بينهم العداء.

إننا إزاء حزمة تضم بعضا ممن يرفعون رايات الإسلام, ويرون أنهم الأجدر بتمثيله والحكم باسمه.. وتضم صهاينة من اليهود ومن أنصار وداعمي المشروع الصهيوني في المنطقة.. وتضم رأسماليين من أجناس عديدة, وتضم كذلك شيوعيين متمركسين من مذاهب وأعمار شتي! ومع ذلك وبالرغم من أن الرجل رحل وهو الآن بين يدي خالقه سبحانه وتعالي, فإن شخصيته وما اتصل به من فكر ورؤية وإنجازات استعصت علي الاغتيال.

لقد اتسعت دائرة خصومه, لأنه أسس مشروعا وطنيا وقوميا وتحرريا علي المستوي العالمي, ولذلك اصطدم مباشرة بالمشروع الصهيوني باعتباره جزءا لا يتجزأ من حركة الاستعمار قديمه وجديده, واصطدم بالذين يرفضون العدل الاجتماعي والرؤية الاشتراكية, حتي وإن لبسوا مسوح العقائد الدينية, واصطدم بالذين جهلوا دور القومية ودور الدين في أي مشروع وطني مصري نهضوي, وهنا يكمن تفسير الظاهرة التي شغلت عقول المراقبين الجادين لحركة الشارع المصري أثناء ثورة يناير وبعدها, وبالرغم من خفوت واضمحلال أداء التكوينات الحزبية والسياسية التي تحمل اسم الناصرية, فإن جمال عبد الناصر كان حاضرا وبشدة عالية في هتافات الجموع التي حمل كثير منها صوره علي صدورهم ورفعوها بين أذرعهم, وكان التفسير هو أن عبد الناصر يجسد الحلم الوطني والقومي والاجتماعي والتحرري, وأن أخطاء التطبيق التي جرت أثناء حياته وتحت قيادته ومعها الانكسارات والهزيمة أصبحت دروسا مستفادة لا تقلل إطلاقا من عظمة الحلم والمشروع, وحتمية الاستمرار من أجل تحقيقهما. وفي اعتقادي أن ملايين الأصوات التي حصل عليها المرشح الرئاسي حمدين صباحي وآلاف الأصوات التي ذهبت لمرشحين آخرين مثل هشام البسطويسي وأبو العز الحريري كانت الأصوات التي تدرك أهمية الحلم والمشروع, اللذين نتحدث عنهما, بل لا أبالغ إذا قلت إن هذه الملايين رأت في المرشح الرئاسي صباحي نموذجا من النماذج التي بشر بها ذلك الحلم وصنعها ذلك المشروع الوطني القومي التحرري.

إن السؤال الذي يفرض نفسه هو هل يمكن لأي نظام حكم في مصر ما بعد يناير2011 أن يتجاهل الحلم والمشروع الوطني القومي التحرري, وهل من الوارد أن يبدأ أي رئيس مصري حالي أو مستقبلي من نقطة الصفر علي الصعد الداخلية والإقليمية والدولية, أم أن الأوجب والأولي هو اتخاذ ما تم إنجازه في كل تلك الصعد رصيدا ذهبيا للوطن لا يجب التفريط فيه؟!

أظن, بل أعتقد أن الإجابة لا تحتاج اجتهادا كبيرا, لأن الواقع الحالي يفرض التمسك ويفرض الاعتماد علي الرصيد, فالرئيس مرسي مثلا عندما يتجه إلي آسيا أو إفريقيا أو أمريكا اللاتينية, وعندما يكون علي جدول أعماله أمور تتصل بالوحدة الإفريقية أو بمصالح مصر في عمق قارتها الأم, وأمور تتصل بعدم الانحياز وبالتعاون الاقتصادي والتنسيق السياسي مع دول تلك المنظومة بامتداد الأرض من الصين وإندونيسيا شرقا إلي فنزويلا والأرجنتين وكوبا غربا فإنه لا بد أن يعتمد علي ما لمصر من رصيد راكمته أثناء الخمسينيات والستينيات وبقي صامدا, رغم خيانة تبديده في عصور لاحقة.

تحية لأبي خالد في ذكري رحيله, وستبقي مصر الحديثة المدنية المتماسكة المتوازنة القوية المنطلقة لدورها في محيطها وفي العالم أملا في عقل كل أبنائها