Home News Locally

يُسرى ... قصة امرأة هزمت السرطان بالأمل

 


جمال الورد



ما زالت تلك اللحظة خالدة في ذاكرتها ، كانت على مقربة من ان تستسلم وتيأس، لتبقى على سرير المرض تندب حظّها وتبكي؟ لولا أنها أمسكت بيد الأمل، ورفعت رأسها لتطل من حفرةٍ كان يمكن أن تردم العمر والأحلام أيضًا.

يُسرى العواضي "وردة عائلتها" وحبيبة أولادها، أصيبت بالسرطان على حين غرة، يوم اكتشفت كتلةً في ثديها بالصدفة. وبعد ان طلب مركز الأورام بمستشفى الجمهوري في صنعاء،  عمل الفحوصات والتحاليل الطبية تأكدت شكوكها .


تروي يُسرى - 34 عام-  تجربتها مع المرض، كيف بدأت مريضة، ثم تحولت إلى داعمةٍ ومثقفة صحية لمصابات أخريات، وحافزًا للنجاة أيضًا، فتقول: "كان حجم الكتلة 3 سنتيمترات، عشت صدمةً قوية، ومرّ شريط حياتي لحظتها سريعًا أمام عيني، سألت نفسي: هل قدري أن أتوقف هنا؟ هل أستسلم وانتظر الموت جراء هذا المرض العضال؟

 ماذا عن بناتي وابني؟ كيف سيكملون حياتهن بدون أم؟".

لم يكن لديها وقت للتفكير بالأمر أصلًا، ولا الظروف كانت تسمح، طلب أحد الأطباء الكبار في مستشفى خاصة بالعاصمة صنعاء سرعة إجراء عملية جراحيةٍ ، لكنها أبت ذلك. 

تضيف: "كنتُ حاملًا بأبنتي الثالثة ، هذا دفعني للانتظار إلى ما بعد الولادة".

أنجبت يُسرى ابنتها، لتمر أيام الولادة الأولى طبيعية رغم ثقل "الخوف" الذي كان يجثم فوق قلبها كلما نظرت إلى اطفالها وتذكرت أمر المرض، هكذا حتى جاء اليوم العاشر، وحينها –تكمل- "أُصبتُ بنزيفٍ حاد في الثدي، لتظهر الفحوصات الأولية أن السرطان استشرى، وأنه من النوع الخبيث، وأنني في المرحلة الثانية".


تقول يُسرى: "لم أستطع حضور زفاف أخي، فقد تقرر إجراء عملية عاجلة لإزالة الكتلة، وهذا ما حدث بالفعل، لكن العملية  لم تنجح، فأصابها نزيف داخلي حاد، مما اضطر الأطباء لإجراء أخرى من أجل استئصال جزء من الثدي المصاب، وغدد تحت الإبط".


بدأت رحلة العلاج بعملية تلو الأخرى، بدا الأمر أشبه بطريقٍ وعرٍ، مليئ بالجرعات التي وصل عددها لـ 16 جرعة، بالإضافة إلى 29 جرعة إشعاع، و17 جرعة أخرى من "هرسبتين"، بالإضافة إلى علاج وقائي استمر لمدة 5 سنوات متواصلة، اي ما بين 2014 - 2019.

هنا تصف: لا يخفى على أحد مأساة المريض اليمني بهذا المرض، والمعاناة التي يتكبدها وهو مناوب ما بين مركز الأورام في المستشفى الجمهوري، او باحثاً عن كيفية تغطية نفقات العمليات المستعجلة في المستشفيات الخاصة، فالدولة لم تعد موجودة، والخدمات لا تقدم الا بمقابل، ورغم دعم المنظمات لهذا الجانب العلاجي، الا انك تضطر للدفع في المركز الوطني لعلاج الأورام حتى تستوفي كامل بروتكول العلاج الكيمياوي".


الألم يصنع الأمل


تقول يُسرى العواضي انها ذات يوم شعرت بأن هناك شيء ما استيقظ داخلها، واضافت: "استيقظ في داخلي شيء، بدأت أرى العالم من منظور مختلف، صرتُ أشجع وأقوى على تحمل المشقة، والأهم من هذا كله، أنني لم أشعر بالخجل من تغير شكلي أبدًا".


لم تنتظر يُسرى أن يُسقط المرض شعر رأسها، فقامت بحلاقته بنفسها، واستقبلت ضيوفها كما هي مجردةً من أي باروكة أو شال، قررت أن تقتل الحزن قبل أن يقتلها، لا سيما وأنها أحيطت بدعمٍ عائليٍ عظيم، "فتجاوزت أصعب ما يمكن أن يتجاوزه الإنسان، فكرة انتظار الموت".


وبطبعها كما تقول "وردة البيت" وفقًا للاسم الذي تطلقه عليها عائلتها، لا تكتفي بأن تؤثر نفسها بالسعادة، بل تحب أن تنثرها على من حولها، أينما كانت وحلّت، تقول: "قررتُ أن تكون قصتي إلهامًا لمن يعشن التجربة، كنتُ أؤمن بأن الدعم النفسي والتحفيز واليقين بالشفاء أهم من العلاج الدوائي بمراحل".


كانت "يُسرى العواضي تدعم النساء في المركز الوطني لعلاج الأورام بالمستشفى الجمهوري خلال فترة علاجها بخلق جو من الفرح بينهم،  قائلة: "الهم مشترك بيننا، وأعرف جيدًا مشاعر المرأة في اللحظة الأولى لاكتشاف المرض، ولهذا كنت أستقبل أي مريضة جديدة بشعار: لا نستسلم".


ثم تطور الأمر بها لتعمل متطوعةً في إحدى مؤسسات رعاية مرضى السرطان، كمُثقِّفة وداعمة نفسية، تقوم بدورها التوعوي للتغلب على فترة العلاج القاسية التي يتخللها الخوف واليأس، إلى جانب قيامها بالعديد من ورش التوعية حول مرض السرطان عموماً.


,وخلال السنوات الست الأخيرة تم تسجيل 71 ألف إصابة إضافية، وتتوزع نِسب معدلات الإصابة بالأمراض السرطانية المنتشرة في اليمن بحسب منظمة الصحة العالمية، بواقع  8.13 %. سرطانات الجهاز الهضمي، وسرطان الفم واللثة 7,10%، وبلغت نسبة سرطان الغدد اللمفاوية، 5.10 %، كما بلغت نسبة الإصابات بسرطان الثدي، 4.10 %، ويمثل سرطان الثدي 25 % من أنواع السرطانات التي تصيب نساء اليمن.


ووصلت نسبة الإصابات بسرطان الدم، 9.8 %، ومن بين محافظات الجمهورية إحتلت الحديدة المرتبة الأولى في عدد الإصابات بهذا النوع من السرطانات.

هذه الأرقام المرعبة تمثل الحالات التي تصل إلى مراكز الأورام، بينما هناك حالات كثيرة لا تستطيعُ الوصول إلى مراكز العلاج، وتموتُ خارج دائرة الرصد، بسبب تكاليف ومشقة التنقل، خصوصاً مع انقطاع المرتبات وتدمير وقطع شبكات الطرق والجسور الرابطة بين الأرياف والمدن.

كما أن الأرقام الصادمة لتزايد عدد الوفيات، نتيجة طبيعية للوضع المزري الذي يعيشه اليمن واليمنيين منذ سيطرة  الحوثي على الدولة في نهاية 2014.