Home News Reports

صنعاء بلا متاحف: هل يختفي تاريخ اليمن تحت لافتة الإفلاس؟

صنعاء بلا متاحف: هل يختفي تاريخ اليمن تحت لافتة الإفلاس؟


الإثنين الماضي، أعلنت الهيئة العامة للآثار والمتاحف، الخاضعة لسيطرة الحوثيين بصنعاء،  إغلاق المتحف الوطني ومتحف الموروث الشعبي، مبررة الخطوة بعجزها عن تغطية النفقات التشغيلية، بما في ذلك أجور الموظفين وفواتير الكهرباء. لكن هذه التبريرات لم تُقنع الوسط الثقافي، الذي رأى في الإغلاق انعكاسًا لسياسة تهميش متعمد للثقافة الوطنية وتفريغ مؤسساتها من مضمونها التاريخي.


ويرى مراقبون، أن إغلاق المتحف الوطني ومتحف الموروث الشعبي في العاصمة صنعاء لا يختصر أزمة مالية كما تدّعي الهيئة العامة للآثار والمتاحف، بل يفتح الباب أمام أسئلة مقلقة حول مصير الذاكرة التاريخية لليمن وهويته الثقافية. فالمتاحف التي شُيّدت لحفظ شواهد الحضارات اليمنية وتحويلها إلى مصدر وعي واعتزاز وطني، تجد نفسها اليوم ضحية الإفلاس والإهمال، في وقت يتصاعد فيه السعي لتغييب رموز الثورة والجمهورية، واستبدالها برموز دخيلة لا تمت بصلة للذاكرة الجمعية لليمنيين.


ويأتي هذا التطور في ظل أجواء مشحونة، حيث تعمل سلطات الحوثيبن في صنعاء على تضييق مساحات الاحتفال بذكرى ثورة 26 سبتمبر، وتكثّف من حملاتها لقمع أي مظهر من مظاهرها، الأمر الذي يثير مخاوف متصاعدة من أن قرارات كهذه لا تقتصر على أبعاد مالية بحتة، بل تحمل دلالات سياسية تسعى لطمس رموز الهوية الوطنية، واستبدالها برموز ومظاهر دخيلة على المجتمع وثقافته.


التاريخ الطويل للمتحف الوطني يضاعف من وقع هذه الخطوة؛ إذ تأسس عام 1971 في "دار الشكر"، أحد القصور الإمامية التاريخية قرب باب السباح بميدان التحرير، ليضم قسمين رئيسيين هما الآثار القديمة والتراث الشعبي، ثم توسّع لاحقًا ليشمل الآثار الإسلامية. وانتقل المتحف لاحقًا إلى "دار السعادة" الأكثر اتساعًا، وخضع مطلع الألفية الجديدة لعملية ترميم شاملة، أعقبها افتتاح رسمي في 28 مايو 2006 بعد توسعة قاعاته وإعادة هيكلة أقسامه.


أما "دار الشكر" فقد تحوّل منذ 1991 إلى متحف للموروث الشعبي، لكنه ظل ضحية الإغلاقات المتكررة بسبب غياب الدعم والتجهيزات، ليُعاد افتتاحه في مطلع عام 2000 ثم مجددًا في 2006 بعد ترميمات واسعة، غير أن مشكلاته المالية لم تتوقف، وصولًا إلى الإعلان الأخير عن توقفه مجددًا تحت مبرر الإفلاس.


إن إغلاق هذه المؤسسات الثقافية العريقة في قلب العاصمة، تحت لافتة "الإفلاس"، يُفقد صنعاء فضاءً ثقافيًا وحضاريًا، ويعكس واقعًا أكثر خطورة يتمثل في تجريف الذاكرة الوطنية وحرمان الأجيال من أهم رموزها التاريخية. وهو ما يطرح تساؤلات مشروعة حول مصير المقتنيات الأثرية نفسها، وما إذا كانت ستظل في مأمن من الإهمال أو التلاعب في ظل غياب مؤسسات حقيقية لحمايتها.