Home News Reports

قمة الدوحة.. وحدة الخطاب وغياب آليات التنفيذ

قمة الدوحة.. وحدة الخطاب وغياب آليات التنفيذ


انعقدت في العاصمة القطرية الدوحة، الاثنين، قمة عربية - إسلامية طارئة، بمشاركة نحو 57 دولة، أدان خلالها القادة في بيانهم الختامي "الاعتداء الإسرائيلي على قطر"، وأكدوا تضامنهم الكامل معها، في مشهد حمل الكثير من الرمزية السياسية، لكنه في الوقت ذاته كشف عن حدود القدرة الجماعية على تحويل الغضب إلى إجراءات عملية مؤثرة. 


البيان الختامي للقمة جاء مشبعًا بلغة الإدانة والشجب، مؤكدًا أن ما جرى يمثل انتهاكًا صارخًا للقانون الدولي وتعديًا على دولة ذات سيادة. غير أنّ الدعوات التي تضمنها البيان لمراجعة العلاقات الدبلوماسية والاقتصادية مع الكيان الإسرائيلي، ورغم ما حملته من دلالات سياسية، ظلّت في إطار الصياغة العامة غير الملزمة، تاركة للدول هامشًا واسعًا من الحركة وفق أولوياتها ومصالحها الوطنية. وقد بدا جليًا أن سقف القرارات قد خُفّض عمدًا بفعل ضغوط دولية واعتبارات داخلية متباينة. 


خطابات القادة عكست تباينًا في المقاربات وإن تقاطعت جميعها في الإدانة. أمير قطر الشيخ تميم بن حمد آل ثاني لجأ إلى لغة شديدة اللهجة، واصفًا الاعتداء بأنه "غادر" و"جبان" ويمثل "عملًا إرهابيًا"، في محاولة ممنهجة لتأطير الموقف القطري كضحية عدوان من جهة، وكوسيط لا غنى عنه في جهود السلام من جهة أخرى. 


أما الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي فقد اختار توجيه خطابه مباشرة إلى الداخل الإسرائيلي، محذرًا من أن استمرار السياسات العدوانية يهدد الاستقرار الإقليمي ويقوّض فرص السلام. وفي ذلك رسالة مزدوجة لتحميل الرأي العام الإسرائيلي مسؤولية السياسات القائمة، وتوجيه تحذير مبطن إلى القيادة الإسرائيلية بأن الكلفة السياسية والأمنية قد تتجاوز حدود غزة وقطر.


الرئيس التركي رجب طيب أردوغان بدوره أبرز الحاجة إلى تحويل المواقف إلى وثيقة مكتوبة موجهة للعالم، في إشارة واضحة إلى أن أنقرة تسعى إلى تدويل القضية وتحويل البيان إلى أداة ضغط على الساحة الدولية. ويؤشر مشاركة شخصيات أمنية في الوفد التركي إلى أن أنقرة تنظر إلى هذه الأزمة باعتبارها قضية أمن قومي لا مجرد ملف ديبلوماسي. أما إيران فقد تبنّت خطابًا تصعيديًا، مطالبة بقطع العلاقات مع إسرائيل واعتماد إجراءات عملية أحادية، ما ألقى الضوء على الفجوة القائمة بين مواقف الدول الإسلامية بين مَن يريد رفع السقف إلى أقصى حد، ومَن يوازن بين الخطاب السياسي ومصالحه الاستراتيجية.


البيان وكلمات القادة زخرت بمصطلحات من قبيل "الإدانة بأشد العبارات"، و"الإبادة الجماعية"، و"السجل الإجرامي"، و"الأمن الجماعي"، وهي مصطلحات رمزية أو دعائية أكثر منها عملية.


وراء الكواليس، كشفت مصادر دبلوماسية أن اجتماع وزراء الخارجية الذي سبق القمة لعب دورًا محوريًا في تخفيض سقف القرارات، بفعل تفاهمات غير معلنة مع قوى دولية فاعلة، في مقدمتها الولايات المتحدة.


كما أن غياب رئيس دولة الإمارات الشيخ محمد بن زايد، وملك البحرين حمد بن عيسى آل خليفة، وملك المغرب محمد السادس، عن قاعة القمة حمل دلالات سياسية واضحة بالنظر إلى أن أبوظبي والمنامة، إلى جانب الرباط، من الدول التي وقّعت اتفاقات تطبيع ضمن ما يعرف بـ" الاتفاقات الإبراهيمية". في الوقت نفسه، اختار ولي العهد السعودي الأمير محمد بن سلمان حضور القمة دون أن يُلقي كلمة.

ومن أبرز الغائبين عن القمة أيضًا الرئيس التونسي قيس سعيد، وسلطان عمان هيثم بن طارق، وأمير الكويت الشيخ مشعل الأحمد الجابر الصباح، فيما تم تكليف مسؤولين رفيعي المستوى لتمثيل بلدانهم في هذا الحدث.

وهذه الفجوات في الحضور والخطاب كشفت عن هشاشة الإجماع العربي - الإسلامي في لحظة يُفترض أنها مصيرية. 


وفي المقابل، كانت الصورة أكثر مفارقة على الضفة الأخرى. ففي اللحظة التي كان القادة العرب والمسلمون يجتمعون في الدوحة، كان وزير الخارجية الأمريكي ماركو روبيو يقف إلى جانب بنيامين نتنياهو في القدس المحتلة، يشارك في افتتاح نفق تحت المدينة القديمة، ويؤدي "طقوسا تلمودية" في مشهد يمثل استفزازا صارخا لمشاعر المسلمين وانتهاكا لقدسية المسجد الأقصى.

وهذه المشاهد التي وثّقتها وسائل الإعلام أعطت انطباعًا بأن واشنطن تريد بعث رسائل مضادة: تأييد لا لبس فيه لتل أبيب، وتبريد مدروس لأي رهانات على مخرجات قمة الدوحة، وفقاً لـ "مراقبين".


وفي خضم ذلك، جاء حضور رئيس الوزراء القطري إلى واشنطن قبل يوم من انعقاد القمة ليضيف طبقة أخرى من الدلالات. اللقاءات مع المسؤولين الأمريكيين، وما حملته من رسائل تطمين لقطر، أوحت بأن هناك خطوطًا خلفية تتقاطع مع السقف الذي وُضع للبيان الختامي. فقد حرصت واشنطن، كما يبدو، على أن لا تتحول القمة إلى منصة قرارات تصعيدية قد تضعف مصالحها الإقليمية، مكتفية ببيان "أشد العبارات" دون آليات تنفيذية.


وبينما كانت القاعة تُسجّل هذه المواقف المتباينة، لم يغب نتنياهو عن المشهد. فقد أطلق تهديدات جديدة ضد قطر بالتزامن مع انعقاد القمة، في محاولة لقطع الطريق على أي تصعيد محتمل، بل والتشكيك في جدواها. قائلاً إن قطر "تقود جهودا تبذلها عدة دول لفرض حصار" على تل أبيب.

وفي الوقت نفسه، كانت أصوات ناقدة في الصحافة الدولية، تتساءل إن كانت "قمة الدوحة" مجرد استعراض رمزي أكثر من كونها محطة سياسية فاصلة.

ردود الأفعال بعد القمة عكست هذا التباين. خبراء ومحللون أشاروا إلى أن القمة منحت قطر شرعية سياسية ورصيدًا معنويًا، لكنها لم تغيّر شيئًا في موازين القوى، فيما ذهب محللون آخرون إلى القول إن واشنطن كانت مطمئنة منذ البداية إلى أن القمة لن تتجاوز حدود الشجب.


ومن هنا فإن القمة العربية-الإسلامية الطارئة في الدوحة، كانت محطة استثنائية من حيث اللغة الحادة والاصطفاف الرمزي خلف قطر، لكنها كشفت عن حدود العمل العربي-الإسلامي المشترك أمام تعقيدات الواقع الدولي والإقليمي. المخرجات، رغم قوتها الخطابية، بقيت أقرب إلى إعلان سياسي جامع، يصلح لإبراز التضامن أكثر مما يصلح لإحداث تغيير عملي في ميزان القوى على الأرض.