ينص القانون على حماية الحقوق وصون ممتلكات الأفراد والجماعات، غير أن الواقع في كثير من الأحيان يكشف عن عجزه في إنصاف المظلومين، بل قد يتحول إلى أداة تمنح الجناة فسحة للتهرب والتلاعب. قصة المرحوم عبدالحق عبده سيف الصلوي وأسرته تقدم نموذجاً صارخاً لذلك، حيث تحولت رحلة المطالبة بالحق إلى معاناة ممتدة على مدى أكثر من عقدين من الزمن.
أحكام على الورق
رغم صدور 17 حكماً قضائياً من مختلف درجات التقاضي، من الابتدائية حتى المحكمة العليا، كلها تؤكد أحقية أسرة الصلوي بممتلكاتهم المسلوبة وتعويضهم عنها، إلا أن التنفيذ ظل حبراً على ورق.
ما يقارب 22 عاماً قضاها عبدالحق متنقلاً بين أروقة المحاكم والنيابات بحثاً عن العدالة، ليرحل في العام 2023 دون أن يرى حقوقه تعود، تاركاً أسرته تواجه ذات المعاناة.
بداية القصة: اقتحام وسرقة
تعود تفاصيل القضية إلى العام 2000، حين كانت أسرة الصلوي تقضي إجازة العيد في مسقط رأسها بمديرية الصلو - تعز، ليكتشف عند عودته أن ورشته التجارية لصناعة الحديد والألمنيوم في شارع مأرب بصنعاء تعرضت لاقتحام وسرقة شاملة.
التحقيقات أثبتت تورط ابن مالك العقار المؤجَّر في قيادة العصابة، وتم القبض على المتهمين وإيداعهم السجن. غير أن النفوذ تدخل سريعاً، فأُطلق سراحهم بطرق مخالفة للقانون، لتبدأ مرحلة أطول وأكثر قسوة من المماطلة.
المراوغة وإعاقة التنفيذ
الأحكام اللاحقة ألزمت الجاني بتعويض الأسرة بمبلغ 85 مليون ريال، غير أن الأخير لجأ إلى التلاعب بالإجراءات، حيث تم الحجز على عقاره تمهيداً للبيع، لكنه عمد إلى تضخيم قيمته بصورة مبالغ فيها لتعطيل التنفيذ، رغم نشر ثلاثة إعلانات قضائية للبيع في الصحف الرسمية.
وبدل أن تبادر المحكمة بالمزاد العلني، كما يفرض القانون، سُمح للجاني بالتحكم في مسار القضية. حتى عندما تقدمت الأسرة بطلب تملك العقار بما يعادل مستحقاتهم، جرى الالتفاف على الطلب بإحالة الموضوع إلى "الأوقاف" بحجة أن الأرض وقفية، في سابقة وصفت بأنها غير قانونية.
معاناة إنسانية تفوق الاحتمال
مع مرور السنين، فقدت الأسرة ثقتها في القضاء بعد أن استُنزفت مدخراتها وأعمارها في متابعة لا نهاية لها. ذروة المأساة تجلت حين أقدم أحد أبناء عبدالحق على إحراق نفسه في الشارع، احتجاجاً على ضياع الحقوق وتراكم الديون، في مشهد صادم يلخص حجم المأساة الإنسانية.
نداء مفتوح
اليوم، وبعد أكثر من عقدين على بدء القضية، ما تزال أسرة الصلوي تناشد السلطات القضائية وسلطة الأمر الواقع في صنعاء التدخل لإنهاء هذه المأساة، وتنفيذ الأحكام القضائية بشكل جاد يعيد الحقوق إلى أصحابها، ويضع حداً لمسلسل المعاناة.
فالعدالة التي لا تُنفذ تبقى مجرد نصوص، وتظل الأسئلة معلقة: متى يجد المظلوم طريقاً إلى حقه؟ ومتى يصبح القانون أداة إنصاف بدلاً من أن يكون عبئاً إضافياً على أصحاب القضايا؟