Home News Reports

إبراهيم الحمدي.. مشروع الدولة الذي اغتيل وما زال يُحاكمنا

إبراهيم الحمدي.. مشروع الدولة الذي اغتيل وما زال يُحاكمنا

 


"لسنا حُكّامًا عليكم، ولكننا خُدّامٌ لكم"...

بهذه الجملة الموجزة لخّص إبراهيم الحمدي جوهر رؤيته، وأعلن عن مشروع دولةٍ أراد لها أن تقوم على العدل لا الولاء، وعلى الخدمة لا السلطة. لكن في بلدٍ تماهت فيه القبيلة مع الدولة، وتحولت السلطة إلى غنيمة، كان طبيعيًا أن يُغتال الرجل الذي أراد أن يُحرّر الحُكم من تقاليده المريضة.

اليوم، وبعد عقودٍ من غيابه، تبدو سيرة الحمدي أكثر حضورًا من أيّ وقتٍ مضى. فكلّما تهاوت فكرة الدولة في وعي اليمنيين، عاد اسمه ليُذكّرهم بأن هذا الوطن كان، في لحظةٍ من تاريخه، على وشك أن يصبح مختلفًا؛ أن يكون دولةً تُدار بالعقل لا بالغنيمة، وبالواجب لا بالولاء، لولا أن رُصِدَت رصاصات الخوف في وجه الحلم.

 

وكلّما ارتفع غبار الحرب، خرجت صورته من بين الركام كأنها تستعيد حلمَ بناءِ الوطن من تحت أنقاض الخيبة والخذلان. ومع كل منعطفٍ دموي، يعود صدى صوته البسيط والعميق: "لسنا حكّامًا عليكم، ولكننا خُدّامٌ لكم" - العبارة التي ما زالت تفضح كل من جاء بعده ولم يفهم معناها.

كان الرجل يُمثّل الحُكم بمعناه الأخلاقي النادر، يتعامل مع الدولة كقيمة، لا كغلافٍ للنفوذ، ويربط بين السلطة والخدمة العامة، بين الانضباط والعدالة، بين الطموح الوطني والتواضع الإنساني. وحين ننظر اليوم إلى واقعٍ تتناسل فيه مراكز القوى وتُختزل الدولة في جماعاتٍ ومناطق وولاءات، ندرك أن غيابه كان بالفعل انكسارًا في مسيرة اليمن الحديث.

 

قصة هذا الرجل ليست حكاية زعيمٍ اغتيل في لحظةٍ غادرة، بل هي الدليل الصامت على أن بناء الدولة في اليمن كان ممكنًا، وأن الذين اغتالوه لم يقتلوا شخصًا بقدر ما قتلوا احتمالًا تاريخيًا لميلاد يمنٍ جديد. واستدعاء الشهيد الحمدي اليوم ليس حنينًا رومانسيًا إلى ماضٍ جميل، بل فعل وعيٍ سياسيٍّ يُعيد ترتيب المفاهيم. فحين يغيب منطق الدولة وتعود القبلية والفوضى بثيابٍ جديدة، يصبح استحضار الحمدي تذكيرًا بجدوى الكفاح من أجل "نظامٍ" لا يُبنى على الأشخاص بل على المبادئ.

 

وبعيدًا عن كل شركات التلميع وأبواق الإعلام وملايين الدولارات التي تُستنزف لتجميل الوجوه، تحوّل الحمدي - بشكلٍ عفويٍّ وتلقائيّ - في الذاكرة الجمعية من زعيمٍ اغتيل إلى ضميرٍ وطنيٍّ يقظ، يطلّ كلّما جفّ الأمل وتاهت البوصلة؛ كرمزٍ للعدل والانضباط، ومرآةٍ نرى فيها ما كان يمكن أن نكون عليه، لو أن الحلم لم يُخن، ولو أن الدولة لم تُختطف.

 

وهذه هي المفارقة الكبرى: أن هذا الحضور الطاغي للرجل لم يأتِ من سلطةٍ ترعاه أو من إعلامٍ يُمجّده، بل من الناس أنفسهم؛ من بسطاءٍ وجدوا في صورته ما يفتقدونه في حاضرهم، ومن جيلٍ وُلد بعد اغتياله لكنه ورث الحنين إليه كما يُورَّث الشرف. ذلك لأن الحمدي لم يكن حاكمًا فحسب، بل رواية وطنٍ مبتورة السطور، كلما حاول أحدٌ أن يُكملها، تصدّى له التاريخ بالعنف ذاته.

 

صلاحٌ بسرعة الضوء… وصدامٌ بلا حماية

 

في مسيرة التاريخ اليمني الحديث، لا نجد شخصيةً استطاعت أن تُجسّد الحلم الجمعي كما فعل الحمدي. فهو صيغة نادرة من القيادة الأخلاقية والسياسية، آمن أن بناء الدولة يبدأ من إعادة صياغة العلاقة بين المواطن والسلطة.

حكمه القصير (1974 – 1977) كان مختبرًا فكريًا لتجريب ما لم يُجرَّب من قبل؛ أن تكون الدولة أعلى من القبيلة، وأن يكون الانتماء للوطن بديلاً عن الانتماء للمركز أو الشيخ أو المنطقة. كانت فلسفته في الإدارة بسيطةً وعميقةً في آنٍ واحد؛ "أن يكون الجميع منتجين، وألّا يعتاش أحد على دماء اليمنيين". 

 

بهذا الشعار حاول أن يؤسس اقتصادًا يعتمد على العمل والإنتاج، لا على الولاءات والجبايات. لكن ما أراده مشروعًا وطنيًا شاملاً قرأه خصومه إعلان حربٍ على مصالحهم القديمة. فقد جاء الحمدي إلى الحكم في لحظة اضطراب؛ دولة ناشئة منهكة، ومؤسسة عسكرية منقسمة، ومشايخ يملكون القرار أكثر من الحكومة ذاتها. وفي هذا الفراغ، حاول أن يبني دولة مركزية حديثة تضبط التعدد بدل أن تُلغيه، فبدأ من الجيش والإدارة، وأقصى رموز الفساد القبلي من قيادة المؤسسة العسكرية، وألغى وزارة شؤون القبائل، واستبدلها بالإدارة المحلية. 

 

لكن الإصلاح السريع في بيئة متخمة بالمصالح يشبه السير على حقل ألغام؛ فقد أعاد توزيع النفوذ من دون أن يؤسس لتحالف يحمي مشروعه، وهو مسار مدني راق، لو كان في بلد خالٍ من نفوذ العصابات والمصالح الضيقة. كان أقرب إلى طبيبٍ يريد إنقاذ المريض من النزيف دون أن يُدرك أن الدواء نفسه قد يُثير حساسيةً قاتلة في الجسد. هكذا وجد نفسه وحيدًا في مواجهة شبكةٍ متجذّرة من القوة والمال والقبيلة، تتغذى من الفوضى وتخاف من النظام.

 

لذلك يظهر هذا الرجل كحلمٍ انكسر في منتصف جملته، حاول جاهدًا لتصحيح العلاقة بين الإنسان والدولة، بين القبيلة والمؤسسة، بين المصالح العابرة والغاية الكبرى في أن يكون للوطن عقلٌ واحد، لا ألفُ رأسٍ متنازعة. لكن جسد الدولة كان مرهقًا تتقاسمه الولاءات، وكان هو ابن الدولة التي لم تولد بعد، لا ابن القبيلة التي ورثت البلاد كغنيمة.

 

في نظرته إلى السلطة، كان شيءٌ من الفلسفة الإدارية التي تشبه الطهر؛ كأنه أراد أن يُطهّر السياسة من وسخها التاريخي، وأن يجعل الانضباط الأخلاقي بديلاً عن التحايل الذي رافق كل سلطةٍ تقليدية. بدا كأنه لا يحكم فقط، بل يُعيد تعريف الحُكم نفسه.

 

كان اختصارًا دراميًا لصراعين متوازيين في اليمن الحديث: صراعٌ بين دولة تسعى لأن تكون مؤسساتية وحديثة، وصراعٌ بين شبكات تقليدية - قبلية، عسكرية، واقتصادية - ترفض أن تُستبعد من قواعد اللعب. لذلك، تحوّل الحمدي في الذاكرة إلى رمز مزدوج؛ رمز الرغبة في الدولة، ورمز الضحية التي دفعت ثمن تلك الرغبة. وهذا الثنائي هو المفتاح لفهم كل مبادراته ونهايته على حد سواء.

 

وصعود الحمدي - كما أشرنا - جاء في لحظةٍ من الفوضى المؤسسية؛ الجمهورية الجديدة ما زالت تحبو، إرهاصات الانقسام بين قوى ثورية ومحافظة، وجيوب نفوذ محليّ (قبائل، تجّار، ضباط) تُحدّد مسارات القرار، وفي هذا الفضاء برز كقائدٍ عسكري-إداري ذو ميول إصلاحية؛ لم يكن ابنَ نخبَةٍ إقطاعيةٍ عميقة، بل رجل دولة يخشى الفوضى ويطمح لبناء مؤسّسات، وهذه الخلفية شكلت عنده رؤية تقوم على مبدأين متعارضين في الظاهر؛ الانضباط والدولة من جهة، والسرعة في الإصلاح من جهة أخرى.

 

وما ميّز مشروع الحمدي أنّه لم يكن شعاراتٍ متكررة بل محاولة تطبيق نموذج دولةٍ نزيهة من خلال مكافحة الفساد الإداري، وتقليص منافذ النفوذ غير الرسمية، وتركيز مواردٍ على خدماتٍ ومشاريع بنيوية، بقوة تنفيذية مركزة تُطبّق إصلاحاتٍ سريعة. وهذه الطريقة تحمل مزايا القدرة على اتخاذ قرارات سريعة، وقطع شوط ملموس في البنى التحتية والخدمات، لكنها تصطدم بأعداء يفقدون نفوذهم في ظل غياب شبكة حماية قوية تعيق تحركات المتنفذين.

 

ومن هنا، كان الحمدي يفكّر كمن يسير في نهرٍ عكس جريانه. أراد أن ينزع من يد القبيلة امتياز القرار دون أن يحارب القبيلة، وأن يُعيد للجيش معناه المؤسسي دون أن يتحول إلى طغيانٍ عسكري. كان يؤمن بأن التحديث ليس زينةً للواجهة، بل تحويلٌ في جوهر العلاقات، أن تصبح الكفاءة بديلاً عن الولاء، والمصلحة العامة مرجعاً أعلى من المصالح الصغيرة والضيقة. لكنّ هذه اللغة كانت غريبة في وطنٍ أَلِفَ الانتماء أكثر مما أَلِفَ النظام، فصار الحمدي كمن يتحدث بلغةٍ لم يتعلمها أحد.

 

لم يكن في الرجل ميلٌ إلى الديكتاتورية، بل إلى النظام، ولم يكن في مشروعه وعدٌ بالرخاء بقدر ما كان وعداً بالاحترام: احترام الدولة لذاتها، واحترام المواطن لما يراه فيها من انعكاسٍ له. ومن هنا كان التحدي الأكبر؛ لأن النخب التي استمرأت السلطة كغنيمة شعرت أن هذا القادم يحمل في يده ميزاناً جديداً سيعيد توزيع الضوء والظل معاً.

 

لعبة التوازنُ والعزلة

 

السياسة - كما يعرفها الواقعيون - لعبة توازن، لكن الحمدي لم يكن سياسياً بالمفهوم التقليدي، بل مصلحاً يرى الزمن قصيراً والخطر كبيراً. استعجل بناء الدولة كما يستعجل الطبيب إنقاذ مريضٍ ينزف. فاختصر المسافات، ولم يُعطِ النخب فرصة لتتأقلم مع عالمٍ لا تكون فيه فوق القانون. في ذلك الاستعجال كانت عظمته ومأساته معاً.

لقد صنع دولةً في فترة وجيرة، مؤسسات منضبطة، ومشاريع مدروسة، وروح وطنيةٍ متماسكة في خطابٍ نظيفٍ ومشروعٍ تنموي متصاعد. لكن تلك الدولة كانت بلا حماية سياسية، بلا حلفاء أقوياء يحمون الحلم حين يشتدّ الصراع. فتكالبت عليه القوى التي رأت فيه خطراً على معادلة النفوذ القديمة، وسقط وهو على أعتاب ما كان يمكن أن يكون بداية الدولة اليمنية الحديثة.

 

لذلك، فإن اغتيال الحمدي لم يكن قتلَ رجلٍ، بل قتلَ فكرةٍ: فكرةِ الدولة حين تتجاوز الأشخاص وتتحرر من السماسرة والوسطاء. فقد فهم خصومه أنه، لو عاش طويلًا، لما اكتفى بتعديل النظام، بل غيّر مفهوم السلطة ذاتها، وجعل من الفساد خيانةً للوطن لا عادةً من عادات الإدارة. وهكذا، حين رحل، لم ترحل معه حكومته فحسب، بل رحلت روح الإصلاح، وعاد المشهد إلى طبيعته الأولى في تحالف القوة والمال والقبيلة في مواجهة الفكرة.

 

وشكّل فراغه مفصلاً تاريخياً، وأعاد الفرصة لصالح القوى التي رفضت إعادة هندسة توزيع النفوذ، وأوقف دينامية إصلاحية كانت ستطول شرائح واسعة من المصالح. كما أن اغتياله أنتج، تجذّر سياسة الولاءات الخاصة، وتمدد قنوات التربّح، وتأخير بناء مؤسسات قادرة على حماية نفسها من الاعتداءات السياسية.

 

سياسيًا، جاء التحوّل التالي كارتداد ضمن مسارات اعتمدت أساليب تقليدية لإدارة السلطة، تقوم على مزيد من التقاسم بين المتنفذين من القبائل والعسكر، ومزيد من التفويض غير الرسمي، ومزيد من الاعتماد على الشبكات بدلاً من القواعد. وتاريخ اليمن اللاحق يشير إلى أنّ فقدان تجربة إصلاحٍ مركزية وحكيمة مثل تجربة الحمدي ترك فراغاً استغله كل من يريد عملاً خارج إطار الدولة.

ويمكن قراءة أسلوب الحمدي كقائد يمتلك قناعة أخلاقية بضرورة تنظيف المشهد العام. هذا البُعد الأخلاقي والذي وهو بلا شك إيجابي، تصادم مع منطق القوة الناعم لدى النخب، فالمصلحة الشخصية والتوزيع التقليدي للثروة سلّم أن تكون له الأسبقية. وحين تتصادم الأخلاق الإدارية مع المحسوبية المتمكنة، يختل التوازن ويصبح العنف السياسي (أو الاغتيال) وسيلة لتعطيل المشروع.

 

وما يميّز الحمدي أنّه لم يترك لنا نظرية مكتوبة، بل تجربةً أخلاقية في الحكم. جعل من الانضباط شكلاً من أشكال الإيمان الوطني، ومن التنمية واجباً أخلاقياً، ومن الكرامة السياسية معياراً للسيادة. وحين نقف اليوم أمام ركام الدولة اليمنية، ندرك كم كان الرجل سابقاً لزمانه، وكم كان ما حاول أن يزرعه مبكراً على أرضٍ لم تتهيأ بعد.

 

كان الحمدي يريد أن يصنع دولة بلا وصايات، لا شرقية ولا غربية، وأن يجعل من الوطنية سلوكاً يومياً لا شعاراً سياسياً. وفي هذا تكمن عبقريته أيضًا؛ أنه أراد أن يُربّي الدولة في ضمير المواطن قبل أن يبنيها في الخرائط.

 

الاغتيال… لحظة موت الدولة الوليدة

 

إبراهيم الحمدي لم يكن ملاكاً ولا معصوماً، لكنه كان رجلاً تجرأ على أن يحلم ببلادٍ تسير على قدمين من النظام والكرامة. لذلك اغتيل، لا لأنه أخطأ، بل لأنه صدق. وحين يقتل الصدق في وطنٍ مضطرب، تتحول الجريمة إلى مرآةٍ يرى فيها الناس صورتهم الضائعة. منذ رحيله، لم تُغلق الحكاية؛ لأن فكرته ما زالت تُقاوم النسيان في عيون الجيل الذي وُلد بعده. فكل حديثٍ عن الدولة في اليمن يبدأ منه، وكل حديثٍ عن الفساد ينتهي عنده. لأنه الرجل الذي حاول أن يُنقذ المعنى من الفوضى، فغلبتهُ البنادق، لكن لم يغلبه التاريخ.

 

في الحادي عشر من أكتوبر 1977، سقط الحمدي وشقيقه في مشهدٍ غامض ما يزال جرحه مفتوحًا في ذاكرة اليمنيين. اغتياله كان أكبر من جريمةٍ سياسيةٍ، كان اغتيالًا للمعنى - معنى الدولة حين تُصبح فكرةً مهددة، وحين تُقتل الكفاءة والنزاهة. وبعد مقتله، عاد النفوذ القديم بأثوابٍ جديدة، وتحولت الدولة إلى مساحةٍ لتقاسم الغنائم لا لبناء المؤسسات.

لقد أدرك خصومه أن بقاءه يعني نهاية نظام المصالح المركّبة الذي حكم اليمن لعقود، وأن مشروعه للوحدة مع الجنوب كان سيغيّر وجه المنطقة. لذلك لم يُغتل شخصه فقط، بل اغتيلت الفرصة الأخيرة لقيام دولةٍ مدنيةٍ حديثة في اليمن. ومنذ تلك الليلة المشؤومة، لم يتوقف الحمدي عن الحضور في الوعي اليمني؛ فكلما انهارت القيم، استعاد الناس صورته كرمزٍ نادر للنزاهة والانضباط.

 

لم يُدرَّس مشروعه في المناهج، ولم تُبنَ له تماثيل، لكن مكانته استقرّت في ضمير الناس، فهو ليس زعيمًا سياسيًا فحسب، بل أيقونةٌ أخلاقية تُعيد تعريف معنى القيادة في أن تكون الدولة خادمةً لشعبها، لا سيدةً عليه. ولم يترك الحمدي نظرية سياسية مكتوبة، بل تجربةً أخلاقية في الحكم، أراد أن يجعل من النزاهة سياسةً، ومن الكفاءة معيارًا، ومن الكرامة دستورًا غير مكتوب.

 

وتحوّل الحمدي من زعيمٍ اغتيل في بيتٍ غادر، إلى ضميرٍ وطنيٍّ يقف على أطلال الدولة، يطلّ وجهه كلّما اشتدت الأزمات، لا بوصفه مخلّصًا أسطوريًا، بل باعتبار مشروعه "الاحتمال المؤجَّل" لبناء يمنٍ حديث، فهو يمثل ما لم يُنجز بعد، وما لم يُدفن رغم محاولات الطمس. صار حضوره الرمزي رمزًا للمستقبل أكثر مما هو للماضي، لأن فكرته عن الدولة – دولة الكفاءة والمواطنة والمشاركة - ما زالت المخرج الوحيد من الدوامة التي تبتلع اليمن منذ عقود.

 

وفي الحقيقة، لا يُستدعى الحمدي اليوم لأن اليمنيين يحنّون إلى زمنٍ مضى، بل لأنهم يبحثون في سيرته عن دليلٍ على أن الحلم كان ممكنًا. فكلّما اتسعت هوة الانقسام، وأُعيد إنتاج السلطة كامتيازٍ لا كخدمة، يتجدّد السؤال ذاته؛ كيف كان سيكون وجه اليمن لو لم تُطلَق تلك الرصاصات في 11 أكتوبر 1977؟  

 

لذلك حريٌ بنا، أن نجدد التأكيد على أن الحنين إلى الحمدي ليس ضعفًا في الذاكرة، بل دفاعًا عن الفكرة، فحين تغيب الدولة، يصبح استحضار رمزٍ مثل الحمدي فعل مقاومةٍ فكرية ضد الفوضى، وصيغة احتجاجٍ صامتة تقول إن اليمن لم يكن محكومًا بالفشل، وإنه امتلك يومًا قائدًا حاول أن يُعيد إليه معنى "الاحترام" في زمنٍ فقدت فيه السياسة مروءتها. ولأن الأمم لا تُبنى فقط بالقوانين بل بالرموز، ظلّ الحمدي أحد تلك القلائل الذين استطاعوا أن يجسّدوا الفرق بين الحاكم والزعيم، بين من يطلب الولاء ومن يمنحه الشعب حبّه طواعية.

 

بين حلم الدولة وواقع الشتات

 

منذ اغتيال الحمدي، لم يعرف الوطن مشروعًا سياسيًا يقترب من نقاء الفكرة، ولا من صدق الإرادة التي جسّدها. وربما كانت البلاد ستخطو نحو ذلك الحلم لو أُتيحت لمخرجات مؤتمر الحوار الوطني الشامل أن تُطبَّق. تلك الوثيقة التي مثّلت في لحظتها النادرة اتفاقًا مدنيًا جامعًا بين الشركاء والفرقاء، ورؤيةً حديثة لوطنٍ يتسع للجميع دون إقصاء أو وصاية. لكنها، كغيرها من بذور النهوض في تاريخنا، أُجهِضت قبل أن تثمر، وابتلعتها دوامة الصراعات، ليدخل اليمن مجددًا في نفقٍ طويل من الانقسام والتنازع، حيث تتقاطع المشاريع الصغيرة فوق أنقاض الفكرة الكبرى: الدولة. ولا يلوح في الأفق ملامح سلامٍ حقيقي، بل مشهدٌ مثقل بالوساطات والمصالح العابرة، يتآكل فيه معنى الوطن كما تتآكل مؤسساته.

 

اليوم، تبدو اليمن وكأنها تستيقظ كل صباح على سؤالٍ فقدت له الإجابة: أين الدولة؟ فما كان في زمن الحمدي مشروعًا لبناء كيانٍ واحدٍ متماسك، تحوّل اليوم إلى خريطةٍ متكسّرة تتنازعها السلطات، وتنهشها الولاءات الضيقة. تتعدد الحكومات، لكن القرار يتلاشى؛ وتكثر الرايات، لكن السيادة تتناقص. في بلدٍ كان يُراد له أن يكون نموذجًا للإدارة والانضباط، تحوّلت مؤسسات الدولة إلى أطلالٍ تديرها الضرورة لا الرؤية، ويتقاسمها السلاح بدل القانون.

 

منذ عقودٍ واليمن يسير في اتجاهٍ معاكسٍ لحلم الحمدي؛ القبيلة عادت لتكون سلطةً لا مكوّنًا اجتماعيًا، والمناطقية أصبحت عقيدةً تُعرّف الانتماء السياسي، فيما صار المواطن مجرّد متفرّجٍ على مسرحٍ تتبدّل فيه الوجوه وتبقى الأزمة ذاتها. اقتصادٌ ينهار كل يوم، عملةٌ تفقد قيمتها، وأجيالٌ تولد على ضوء الشموع في وطنٍ يفيض بالثروات لكنه يفتقر إلى العدالة. حتى التعليم، الذي كان أحد أعمدة مشروعه التنويري، غرق في العشوائية والتسييس، وكأن الزمن أراد أن ينتقم من فكرة النظام التي بشّر بها الحمدي.

 

أما على المستوى السياسي، فقد صارت السلطة بعد اغتياله، أو السلطات حاليًا - بكل مستوياتها - تمثيلاً للفوضى لا للدولة، وتحوّلت المؤسسات إلى كياناتٍ بلا مضمون، تحكمها التحالفات الوقتية والمصالح الآنية، لا المبادئ ولا الخطط. وتكاد العلاقة بين الحاكم والمواطن تختصرها عبارة واحدة: انقطاع الثقة. ذلك الخيط الذي حاول الحمدي أن ينسجه بين الدولة والشعب انقطع منذ اغتياله، ولم يُجدّد بعد.

 

في غياب العدالة والمواطنة، تفقد الأوطان معناها، ويتحوّل الانتماء من فكرةٍ جامعة إلى غريزةِ بقاءٍ في وجه العجز العام. البلاد اليوم ليست فقط في أزمةٍ سياسيةٍ أو اقتصادية أو أمنية، بل في أزمة معنى. فقدت الدولة روحها، وفقد الناس يقينهم بأن التغيير ممكن. وحين تغيب الرؤية الجامعة، تتحول السلطة إلى غنيمة، والوطن إلى جغرافيا متعبة تُدار بمنطق الميليشيات والوصايات.

 

هذا هو الجرح الحقيقي الذي يجعل ذكر الحمدي متجددًا؛ لأن حضوره يُذكّر بأن الطريق نحو الدولة كان يومًا ممكنًا، وأن السقوط لم يكن قدرًا بل نتيجة. ومهما اشتدّ الظلام، يبقى في الذاكرة أن اليمن امتلك يومًا قائدًا رأى في الشعب شريكًا لا تابعًا، وفي الدولة بيتًا للجميع لا قفصًا للنخبة. لذلك، كلما اتسعت الفوضى، عاد اسمه ليُذكّرنا بأن ما نعيشه اليوم ليس نهاية الحكاية، بل انحرافًا مؤقتًا عن الطريق الذي حاول أن يفتحه ذات صباحٍ من يونيو 1974م.