Home News Reports

نداءات عاجلة للإنقاذ

اليمن: انهيار اقتصادي يهدد حياة الملايين

اليمن: انهيار اقتصادي يهدد حياة الملايين


بعد عقد من الحرب في اليمن، تقف البلاد أمام واحدة من أسوأ الأزمات الغذائية والاقتصادية في العالم، مع تحذيرات أممية متصاعدة من مجاعة وشيكة، ونداءات عاجلة تطالب بتمويلات بمليارات الدولارات لمنع انهيار ما تبقى من قدرة اليمنيين على البقاء. 


حيث أعلن برنامج الغذاء العالمي في تقدير حديث عن حاجته إلى 802.3 مليون دولار لتوفير الحد الأدنى من الدعم الغذائي لملايين اليمنيين خلال العام 2026، وهو ثاني أعلى تمويل يطلبه البرنامج على مستوى العالم بعد الأراضي الفلسطينية. 


ووفق تقديرات البرنامج، فإن 18.1 مليون شخص سيحتاجون مساعدات غذائية عاجلة، بينهم 9.4 مليون يواجهون خطر الانزلاق إلى مستوى الطوارئ الحاد IPC4، وهو مستوى يسبق المجاعة مباشرة. وتقع النسبة الأكبر من هؤلاء، نحو 7.3 مليون شخص، في المناطق الخاضعة لسيطرة الحوثيين، في حين يعيش 2.1 مليون في مناطق الحكومة الشرعية. 


وتحذر تقارير الرصد الأممية من أن اليمن ثالث أكثر دول العالم معاناة من انعدام الأمن الغذائي، وأن ما لا يقل عن 41 ألف شخص أصبحوا عملياً على عتبة المجاعة الكارثية IPC5.


ويدفع هذا الوضع المعقّد برنامج الغذاء العالمي للتحذير من أن العام القادم قد يشهد أحد أكبر مستويات الجوع المسجّلة عالمياً، ضمن توقعات بارتفاع عدد الجوعى حول العالم إلى 318 مليون شخص.


وفي سياق متصل، أعلنت مفوضية الأمم المتحدة لشؤون اللاجئين حاجتها إلى 194 مليون دولار لضمان استمرار خدماتها في اليمن خلال العام 2026، وذلك لتغطية احتياجات 4.8 مليون نازح داخلياً وأكثر من 60 ألف لاجئ وطالب لجوء.


وتشمل البرامج الأممية تقديم المساعدات النقدية، وحلول السكن، والرعاية الصحية، والمياه والصرف الصحي، والتعليم، مع إعطاء الأولوية للنساء والأطفال والفئات الأشد هشاشة.

 

ويؤكد المفوض السامي للأمم المتحدة لشؤون اللاجئين أن تحقيق حلول دائمة ومستدامة للنازحين سيظل «أولوية لا يمكن تجاوزها» في عام يتوقع أن يكون أكثر صعوبة. 

 

ثاني أفقر دولة عالمياً


في موازاة الأزمة الإنسانية، يكشف تقرير حديث لصندوق النقد الدولي عن صورة قاتمة لواقع اليمن الاقتصادي، إذ يتوقع أن يبلغ نصيب الفرد من الناتج المحلي 417 دولاراً فقط خلال 2026، ليضع البلاد في المرتبة الثانية عالمياً كأفقر دولة بعد جنوب السودان. 

 

وتراجعت القدرة الشرائية للسكان إلى مستويات غير مسبوقة بسبب انهيار العملة، وتوقف صادرات النفط، وارتفاع التضخم إلى 35% حتى يوليو 2025، الأمر الذي أفقد ملايين اليمنيين أي قدرة على مواجهة ارتفاع أسعار الغذاء والوقود.


كما تواصل البلاد انكماشها الاقتصادي للعام الثالث على التوالي بنسبة 1.5%، وسط عجز حكومي واسع عن ضبط الإيرادات أو استعادة الموارد العامة.


ورغم نجاح الحكومة الشرعية في كبح المضاربات وتحقيق استقرار نسبي للعملة في مناطقها، فإن غياب الإيرادات النفطية يبقي الاقتصاد في دائرة العجز الهيكلي.


وخلال اليومين الماضيين، حذر تقرير المرصد الاقتصادي لليمن من البنك الدولي من تزايد الضغوط الاقتصادية خلال النصف الأول من عام 2025، نتيجة استمرار الحصار على صادرات النفط، وارتفاع التضخم، وتراجع حجم المساعدات. ويتوقع التقرير تراجع الناتج المحلي الإجمالي الحقيقي بنسبة 1.5% هذا العام، محذراً من تفاقم أزمة الأمن الغذائي، حيث أن أكثر من 60% من الأسر في مناطق الطرفين غير قادرة على تلبية احتياجاتها الغذائية. وتواجه الأسر في مناطق الحكومة المعترف بها دولياً ضغوطاً شديدة؛ بسبب انهيار قيمة الريال (وصل إلى 2905 ريالات للدولار في يوليو 2025 قبل التعافي وعودته الى نحو 1600 ريال ) وارتفاع سلة الغذاء الأساسية بنسبة 26% على أساس سنوي بحلول يونيو 2025. وتراجعت الإيرادات الحكومية بنسبة 30 %، مما أدى لخفض الإنفاق وتعطيل الخدمات وتأجيل دفع الرواتب. 


ووفقاً لتقرير لبرنامج الأغذية العالمي ومؤشر الجوع العالمي لعام 2025 فقد أظهرت بيانات المسح الميداني لسبتمبر/أيلول الماضي أن نحو 61 % من الأسر اليمنية تعجز عن تلبية الحد الأدنى من احتياجاتها الغذائية.. لافتاً إلى أن 49 % من الأسر اضطرت لتقليص استهلاك البالغين من أجل توفير الطعام للأطفال، في محاولة للتكيف مع نقص الغذاء.


وبين التقرير أن النازحين داخليا هم الأكثر تضررا، إذ أبلغ 42% منهم عن مستويات جوع متوسطة إلى شديدة، فيما سجلت مناطق سيطرة الحوثيين أعلى معدلات الحرمان الغذائي بين النازحين بنسبة 45% مقابل 33% في مناطق الحكومة المعترف بها دولياً. وفي السياق نفسه، صنّف مؤشر السلام العالمي للعام 2025 اليمن خامس أقل الدول سلمية في العالم.

 

خطر المجاعة


وتشير منظمة الأغذية والزراعة وبرنامج الغذاء العالمي إلى أن اليمن واحدة من ست دول يتهددها خطر مجاعة وشيكة خلال الفترة من نوفمبر 2025 إلى مايو 2026، إلى جانب السودان، مالي، جنوب السودان، فلسطين، وهايتي. 

 

وتؤكد المنظمتان أن المجاعة في اليمن «متوقعة وقابلة للوقاية»، لكنها تتطلب شيئاً واحداً: تمويل عاجل وسريع يصل إلى المحتاجين دون عوائق.


ولا يمكن فصل حالة الانهيار الغذائي عن الواقع السياسي والأمني في البلاد، إذ أدى الانقسام المؤسسي بين الحكومة والحوثيين، وغياب الرواتب، واستمرار العنف، وتراجع الاستثمارات والنشاط الاقتصادي، إلى دفع ملايين اليمنيين إلى حافة الفقر المدقع.


وكانت سنوات الحرب قد دمرت البنية التحتية، وأغلقت آلاف المنشآت، ورفعت الفقر إلى ما يتجاوز 80% من السكان، في وقت تكشف فيه التقارير الدولية عن تضخم ثروات قيادات الحرب والسلطات الفعلية، على حساب واحدة من أكبر الكوارث الإنسانية في العالم.


ويشدد خبراء الأمم المتحدة على أن اليمن يقف على مفترق طرق خطير، إذ أن الفجوة التمويلية بين احتياجات ملايين الجوعى وبين سرعة وصول الدعم الدولي تتسع باطراد، بينما تتدهور الأوضاع الاقتصادية بوتيرة أسرع مما يمكن لأي تدخل إنساني أن يعكسه. 


ويؤكد مسؤولو الغذاء والزراعة أن «منع المجاعة لا يزال ممكناً… لكنه لن يبقى كذلك لفترة طويلة». فالمساعدات المطلوبة ليست مجرد أرقام، بل خط فاصل بين الحياة والموت لملايين البشر في بلد استنزفته الحرب وأثقلته المجاعة.