Home News Reports

58 عاماً على الاستقلال.. ذكرى مجيدة تطلّ على واقع ممزق

58 عاماً على الاستقلال.. ذكرى مجيدة تطلّ على واقع ممزق


تحلّ الذكرى الثامنة والخمسون لعيد الاستقلال المجيد، يوم رحيل آخر جندي بريطاني عن تراب اليمن في 30 نوفمبر 1967؛ ذلك اليوم الذي ختم مرحلة استعمارية طويلة، وفتح أبواب الحلم بوطن حرّ، مستقل، قادر على بناء دولته الحديثة وتثبيت مكانته بين الأمم. غير أنّ هذه الذكرى العزيزة على الوجدان الوطني تأتي هذا العام في ظلّ واقعٍ لا يشبه آمال الآباء الأوائل، ولا يلامس التضحيات التي قدّموها من أجل يمن موحّد، متماسك، تسوده العدالة والمؤسسات.


فبدلاً من أن يكون يوم الثلاثين من نوفمبر مناسبة وطنية جامعة تعكس روح التحرر، نشهد اليوم احتفالات منقسمة، وخطابات متعارضة، وصراعاً على “أحقية” إحياء المناسبة، وكأن الاستقلال ذاته أصبح ميدان تنازع جديداً بين أطراف تتنازع كل شيء: الجغرافيا، والقرار، وحتى الرمزية الوطنية المشتركة.


البلاد التي خرجت من الاستعمار قبل 58 عاماً لتبدأ مسار بناء الدولة، تقف اليوم على أطلال دولة منهارة، ومشهد يتوزع فيه اليمن إلى كانتونات سياسية وعسكرية ومناطق نفوذ، تتكاثر كلما اتّسعت هوة الخلافات. 


ولم تعد الانقسامات محصورة بين الدولة ومن انقلب عليها، بل تسللت أيضاً إلى داخل معسكر الحكومة الشرعية نفسها، التي تعيش خلافات بينية وتشظيات سياسية وضعفاً في القرار، ما يزيد المشهد تعقيداً ويُربك مسار استعادة الدولة ومؤسساتها.


في مثل هذه المناسبات الوطنية الكبرى، يفترض أن يجتمع اليمنيون تحت راية واحدة، وأن يلمسوا معنى الاستقلال الذي ناضلت من أجله أجيال من الثوار والمناضلين. لكن الواقع يفرغ هذه المناسبات من جوهرها. فكيف يمكن لذكرى الخلاص من الاستعمار أن تستعيد معناها، في وقت تخضع فيه البلاد لتدخلات خارجية واسعة، وتعيش حالة ضعف ووهن غير مسبوقة، ويغيب فيه القرار السيادي لصالح أزمات مفتوحة وأجندات متصارعة؟


لم يعد الوضع السياسي وحده مأزوماً، بل يمتد التدهور إلى كل تفاصيل الحياة اليومية: وضع إنساني كارثي، اقتصاد منهار، رواتب موقوفة، قيمة متآكلة للعملة، وأسواق مرتبكة يعيش فيها المواطن اليمني تحت وطأة الفقر والغلاء وانعدام الخدمات الأساسية. لقد أصبحت معاناة اليمنيين صورة صارخة لغياب الدولة ولعجز القوى السياسية عن إنتاج توافق حقيقي يمهد لخلاص وطني جديد.


وفي الذكرى الـ58 لجلاء آخر جندي بريطاني، يبدو السؤال أكثر إلحاحاً من أي وقت مضى: هل نملك الإرادة والشجاعة لنستعيد استقلالنا الداخلي قبل الحديث عن الاستقلال الخارجي؟

فما لم تستعيد الدولة وجودها، وما لم يتفق اليمنيون على مشروع وطني جامع، ستظل المناسبات الوطنية مجرّد طقوس شكلية، تخسر كل عام جزءاً من معناها العميق.


هي مناسبة لدعوة كافة القوى اليمنية وهي تستحضر هذه الذكرى الخالدة، أن تعمل على مراجعة الذات، وتجاوز حسابات اللحظة، واستعادة روح نوفمبر التحررية - تلك الروح التي آمنت أن اليمن يستحق أكثر بكثير مما يعيشه اليوم.