هزّت حادثة إعدام قبلي موثّقة بالفيديو الرأي العام اليمني، بعد مقتل شاب من أبناء مديرية حبان بمحافظة شبوة رمياً بالرصاص، عقب تسليمه من قبل والده لخصومه «تجنباً للفتنة» وفقاً للعرف القبلي، على خلفية اتهامه بجريمة قتل. غير أن ما قُدِّم بوصفه مساراً لاحتواء التوتر، انتهى بإعدام ميداني صادم، فجّر موجة غضب واسعة، وأعاد طرح سؤال موجع: من يملك الحق في الحياة حين تغيب الدولة؟
لم يكن المساء مختلفاً عن سواه في إحدى مناطق حبان، قبل أن يتحول إلى لحظة فاصلة في حياة شاب خرج من منزله وهو يظن أن تسليمه سيحميه، أو على الأقل يمنحه فرصة للنجاة. كان الاعتقاد سائداً بأن العرف سيكسب الجميع وقتاً، ريثما تهدأ النفوس أو تصل الدولة. لكن الطريق الذي اختير بوصفه «الأقل كلفة»، كان في الحقيقة الأقسى.
لاحقاً، انتشر مقطع فيديو صادم، وثّق المشهد الأخير. ظهر الشاب محاطاً بوجوه متجهمة، مكبّل الحركة، يحاول أن يقول شيئاً.. أن يشرح، أو يدافع عن نفسه، أو يتمسك بحق بسيط في أن يُسمع. كانت كلماته تتكسر في الهواء، دون أن تجد أذناً تصغي. لم يكن هناك من ينتظر تحقيقاً، ولا من يمنح فرصة لمحاكمة، فقد كان القرار قد اتُّخذ سلفاً.
بدأت القصة مطلع الشهر الحالي، باتهام قبلي في جريمة قتل، أشعل توتراً بين قبيلتي آل باحاج وآل لسود. ومع تصاعد المخاوف من انزلاق الوضع إلى ثأر دموي، اختارت أسرة الشاب تسليمه لأسرة القتيل، في خطوة اعتقدت أنها ستمنع سفك دماء أوسع. غير أن لحظة التسليم تحولت إلى نهاية، لا تشبه العدالة، ولا تمت للقانون بصلة.
وفي مشهد صادم، جرى إعدام الشاب ميدانياً، دون تحقيق، ودون محاكمة، ودون أي اعتبار لحقه في الحياة. البنادق حسمت مصيره، والكاميرا وثّقت غياب الدولة، ليصبح الفيديو لاحقاً شاهداً دامغاً على فراغ السلطة، حين يتقدّم السلاح على القانون.
مع خروج المقطع إلى العلن، عمّ الاستياء لدى الجميع، وامتلأت منصات التواصل الاجتماعي بحالة من الغضب والأسى، وتحوّل اسم الشاب إلى رمز جديد لسلسلة طويلة من الضحايا الذين يبتلعهم الفراغ الأمني، حيث تُختصر العدالة في قرار لحظة، ويُحسم المصير باسم العرف، لا باسم القانون.
وفي تعليق رسمي، أعرب مصدر أمني مسؤول في محافظة شبوة عن أسفه الشديد واستنكاره البالغ للجريمة، واصفاً ما جرى بأنه تصرف خارج عن النظام والقانون، في قضية مقتل المواطن باسل المرواح، وفق ما أورده مركز الإعلام الأمني بالمحافظة.
وأكد المصدر أن الأجهزة الأمنية تحركت فور تلقي البلاغ، وانتقلت إلى موقع الحادث، وحاصرت المكان الذي تواجد فيه المتهم، غير أن الجهود قوبلت بعدم التعاون، وعدم الانصياع للمسارات القانونية والعرفية المتعارف عليها، بذريعة ما وُصف بـ«إطفاء الفتنة».
وأوضح أن ما آلت إليه القضية يمثل مساراً بشعاً ومخالفاً لكافة القيم الإنسانية والأعراف المجتمعية، بعد أن جرى التعامل مع المتهم بطريقة غير إنسانية، وخارج إطار الدولة والقانون، مؤكداً أن الجهات المختصة ستباشر تحقيقاً كاملاً في جميع الملابسات، وستتخذ الإجراءات القانونية اللازمة بحق جميع المتورطين دون تهاون.
وشدد المصدر على أن العدالة لا تتحقق إلا عبر مؤسساتها الشرعية، داعياً المواطنين والمشائخ والوجهاء إلى التعاون مع الأجهزة الأمنية، وتحكيم العقل، ورفض أي ممارسات من شأنها تقويض السلم الاجتماعي أو جر المجتمع إلى دوامات الانتقام.
من جهتهم، وصف حقوقيون ما جرى بأنه إعدام خارج نطاق القضاء وجريمة قتل عمد مكتملة الأركان، محذرين من أن الصمت على مثل هذه الوقائع لا يؤدي إلا إلى تكريسها وتحويلها إلى سلوك اعتيادي.
كما أدان المركز الأمريكي للعدالة الجريمة بشدة، معتبراً أن تنفيذ العقوبات الجنائية خارج مؤسسات الدولة المختصة يمثل انتهاكاً صارخاً لمبدأ سيادة القانون واحتكار الدولة لسلطة العقاب، وهو مبدأ دستوري أصيل. وأكد أن الحادثة ليست معزولة، بل تأتي في سياق مقلق لتصاعد ظاهرة الثأر وتنفيذ الأحكام بوسائل قبلية، في ظل ضعف إنفاذ القانون.
ودعا المركز النيابة العامة إلى فتح تحقيق عاجل وشامل، يشمل جريمة القتل الأولى وما تلاها من إعدام خارج القضاء، مع تحديد المسؤوليات الفردية، وإحالة جميع المتورطين إلى العدالة وفقاً للإجراءات القانونية النافذة.
قصة هذا الشاب، فصلٌ مؤلم من حكاية بلدٍ تتنازع فيه البنادق سلطة العدالة، ويُختصر فيه مصير إنسان بقرار لحظة، بينما تظل الدولة غائبة عن أكثر لحظات مواطنيها حاجةً إليها.