Home News Reports

فبراير وصراع المفاهيم.. ثورة أم أزمة؟

فبراير وصراع المفاهيم.. ثورة أم أزمة؟

 

في فجر الحادي عشر من فبراير، اجتاحت شوارع صنعاء هتافات المتظاهرين، وارتعشت القلوب بين فرحة نادرة وحذرٍ متوارٍ خلف الأصوات الجماعية، بما مثّله الحدث من اختراقٍ لمكانٍ ووقتٍ ظلا مسلوبين لعقود. صارت المدينة بأكملها مسرحاً لتجربة وطنية جديدة، تأرجحت أمامها الرؤى بين من رأوا في الثورة فرصة لإعادة ترتيب العلاقة بين المواطن والدولة، لتصبح السلطة ملكاً للجماهير وتعبيراً عن الإرادة العامة، وبين من أسرتهم مخاوف عميقة، أبناء ذاكرة مثقلة بجراح الحروب والصراعات، يعرفون كلفة الفوضى أكثر مما يعرفون سحر الشعارات، ويحملون في وعيهم الجمعي خشية أن تتحوّل نشوة اللحظة إلى ثمن باهظ يدفعونه مرة أخرى.

 

وقفت جميع الأنظار على الميدان نفسه، لكن بعضهم رأى بذرة المستقبل تنبض بالحلم، وآخرون استحضروا شبح ماضٍ لم يغادر بعد، ليبقى التحدي الأكبر هو تحويل هذا الصخب الجماهيري من لحظة وجدانية عارمة إلى فعل سياسي مستدام، قادر على نقل الرغبة الجمعية من الهتاف إلى الواقع. 


والسؤال الذي يطفو على السطح منذ تلك الأيام وحتى اليوم هو: هل كان ما حدث ثورة؟ أم مجرد أزمة تُستدعى للتوصيفات السياسية والاجتماعية واللغوية؟ 


جدلية المصطلحات 

في كل عام، يتجدد سجال المصطلحات، وتغدو المناكفات حول «ثورة» أو «أزمة» استهلاكاً للوقت والطاقة، وتعمّق الانقسامات وتشتّت التركيز عن المشروع الوطني الأكبر. هذا السجال، مع كثرة أهميته الظاهرية، غالباً ما يخدم الخصومة أكثر مما يخدم الوطن، ويشغل العقل الجمعي عن المبادئ الكبرى التي يجب التركيز عليها من قبل كل فئات المجتمع وتياراته.

 

وسجال المصطلحات هنا ليس بريئاً، فهو يحمل في طياته ثقل اللغة وعمق الثقافة والسياسة، ويعكس صراعاً على المعنى بقدر ما هو صراع على التأويل والشرعية. فاختيار الوصف ليس مسألة لغوية محايدة، بل فعل رمزي يُراد به توجيه الوعي الجمعي، إما نحو اعتبار ما جرى لحظة تحرر تاريخية، أو اختزاله في اضطراب عابر يمكن القفز عليه أو التنصل من تبعاته. من هنا، يصبح النزاع على المصطلح امتداداً للنزاع على الذاكرة، وعلى حق المجتمع في تعريف تجربته بنفسه، بعيداً عن الإملاءات السياسية أو القراءات المصلحية الضيقة. 


مفهوم الثورة 

الثورة، من منظور لغوي، مأخوذة من الجذر كما في لسان العرب: ثار الشيء ثَوْراً وثُؤوراً وثَوَراناً وتَثَوَّرَ: هاج، بما يحمله من دلالات الغضب والهيجان والتمرد والفورة بعد سكون. وفي المعجم الوسيط: ثار ثوراناً وثوراً وثورة: هاج وانتشر، يقال: ثار الدخان والغبار، وثار الدم بفلان، وثارت به الحصبة، وثار به الشر والغضب، وثار الماء من بين كذا: نبع بقوة وشدة. وهو معنى يتجاوز الفوضى السطحية ليعبّر عن طاقة مكبوتة بلغت حدّ الانفجار، وعن انتقال من الصمت إلى الفعل.

 

وقد تطور هذا المفهوم في الثقافة العربية الحديثة من ألفاظ كانت تُستخدم لوصف الهبّات الشعبية المؤقتة، مثل «الهوجة» و«القومة»، إلى مصطلح «الثورة» بوصفه فعلاً تاريخياً واعياً. فحركة عرابي، مثلًا، وُصفت في بداياتها بـ«هوجة عرابي» قبل أن تستقر في الوعي العام باعتبارها «ثورة»، كما استُخدم مصطلح «القومة» للدلالة على النهوض الجماعي والاحتجاج المنظم، مثل قومة حلب عام 1850. 


هذا التحول في التسمية يعكس تطوراً في الوعي السياسي والاجتماعي، حيث أصبح الغضب الشعبي يُفهم كفعل يسعى إلى إعادة تشكيل العلاقة بين المجتمع والسلطة، ويطمح إلى تغيير بنية الواقع لا مجرد الاحتجاج عليه. 


وفي حقل علم الاجتماع السياسي، تُفهم الثورة بوصفها حركة جماهيرية واسعة تسعى إلى إحداث قطيعة مع النظام القائم، لا على مستوى السلطة السياسية فحسب، بل في البنى الاجتماعية والاقتصادية التي تقوم عليها. فهي فعل جماعي واعٍ بالتغيير، ينطلق من رفض الشرعية السائدة، ويطمح إلى إعادة تأسيس المجال العام على أسس جديدة تعبّر عن مصالح أوسع للفئات الاجتماعية المهمشة، وتعيد تعريف العلاقة بين الدولة والمجتمع. 


وقد تناول مفكرون الثورة من زوايا متعددة؛ فذهب كرين برنتون إلى اعتبارها عملية دينامية تنتقل فيها المجتمعات من بنية اجتماعية إلى أخرى عبر مراحل من الاضطراب وإعادة التشكل، فيما ركّز بيتر أمان على بعدها السلطوي، واعتبرها لحظة كسر-قصيرة أو طويلة-لاحتكار الدولة للقوة والقرار. أما المقاربات الماركسية، كما عند يوري كرازين، فقد شددت على جوهرها الاقتصادي، ورأت فيها انتقالاً نوعياً من تشكيل اجتماعي–اقتصادي متجاوز إلى آخر أكثر تطوراً، بفعل تصاعد التناقضات الطبقية. 


مفهوم الأزمة 

أما الأزمة فهي حالة اضطراب تتميز بعدم الاستقرار والغموض، وتمثل تعطلاً في الآليات وعدم قدرة النظام على الاستمرار بالصورة المعتادة. لغوياً، مأخوذة من الفعل «أزم» بمعنى شدّة وقحط، وتمتد لتشمل المضيق والمأزم وموضع الحرب. ويشير الصينيون القدماء إلى أن الكلمة تجمع بين الخطر والفرصة، أي أن الأزمة تحمل خطراً يهدد النظام وفرصة للتغيير.

 

في العلوم السياسية، تُعرّف الأزمة بأنها مرحلة انتقالية حرجة قد تؤدي إلى انهيار النظام أو تتطلب إصلاحاً عاجلاً. ويرى وليام كونت أنها نقطة حرجة يُحدَّد عندها مصير تطور النظام، بينما يعرفها جوناثان روبرت بأنها مرحلة الذروة في توتر العلاقات الاستراتيجية. 


وغالباً ما تكون الأزمة نتاج تراكم خلل سياسي أو اقتصادي أو اجتماعي، وهي لحظة اختبار للنظام قد تتحول إلى ثورة إذا وجد الشعب فرصة لتغيير الوضع القائم. 


هنا يكمن الفرق الجوهري بين الثورة والأزمة: فالأزمة، في جوهرها، حالة اختناق وانسداد، يتراجع فيها الأفق وتتعطل القدرة على الفعل، بينما تمثل الثورة محاولة واعية للخروج من هذا الانسداد، وسعياً جماعياً لتحويل الخلل إلى مسار جديد. 


وبناءً على ذلك، لا يمكن النظر إلى الثورة باعتبارها نقيضاً للأزمة أو انفصالاً عنها، بل هي نتاجها؛ تولد من رحمها، وتتغذّى من اختلالاتها البنيوية التي تخنق المجال العام، وتعطّل المؤسسات، وتفرغ الدولة من معناها الأخلاقي والوظيفي. فحيثما تتراكم الأزمات دون أفقٍ للإصلاح، تتشكل الشروط الموضوعية لانفجار ثوري، سواء اكتمل مساره أم جرى احتواؤه أو الالتفاف عليه.

 

ومن منظور فلسفي- اجتماعي، لا تُختزل الثورة في لحظة صدام مع السلطة، بل هي صراع ممتد مع أنماط الجمود، ومع ثقافة الخضوع، ومع منظومات الفساد والتهميش التي تعيد إنتاج الأزمة بأشكال مختلفة. لذلك تستحضر كلمة «ثورة» في الوعي الجمعي معاني الجرأة والقطيعة الأخلاقية مع الظلم، وكل التحولات الكبرى التي صنعت التاريخ الإنساني بثمن الخوف والسجون والعنف. أما «الأزمة»، فغالباً ما تحيل إلى الارتباك، والتكيّف القسري مع واقع مأزوم، وحالة انتظار مشوبة بالهشاشة والانقسام، لا تتجاوز إدارة الخلل بدل السعي إلى تجاوزه. 


الخلط بين التجربة والظرف 

ولعلّ اللبس الذي يقع فيه المؤيد والمعارض معاً هو الخلط بين التجربة والظرف، وبين الفعل التاريخي وسياقه السياسي المتغيّر، بما يفضي إلى ثنائية وهمية تختزل حدثاً مركباً في أحكام نهائية لا تليق بوعي وطني يسعى للفهم لا للإدانة أو التقديس. فالتجربة الثورية تُقاس بوصفها فعلاً كاشفاً لبنية المجتمع وموازين القوة فيه، وبما أحدثته من تحولات في الوعي العام وحدود الممكن السياسي، لا فقط بما آلت إليه من نتائج آنية. أما الظرف السياسي، فهو محصلة تداخل عوامل داخلية وخارجية، ومصالح متعارضة، واختلالات بنيوية سابقة على الثورة ولا تختزل فيها.

 

ومن هذا المنظور، فإن إخفاقات المسار اللاحق لا تنفي الطبيعة الثورية للحظة التأسيس، كما أن تعثر المآلات لا يحوّل الفعل التاريخي إلى مجرد أزمة عابرة. فالثورة لا تُختزل في إدارتها، ولا تُلغى بفشل قواها في التحول إلى سلطة رشيدة، بل تظل معياراً أخلاقياً وسياسياً يُقاس عليه السلوك العام، ونقطة مرجعية لإعادة التفكير في الدولة والمجتمع والعلاقة بينهما. وفي فبراير، للمرة الأولى على هذا النحو الواسع، لم تعد السياسة شأناً مغلقاً على النخب، بل صارت ممارسة عامة، وصوتاً مشتركاً، وتجربة معيشة في الساحات. 


وثورة فبراير، في جوهرها، فعلٌ تاريخي نبيل لا يمكن محوه أو اختزاله في نتائجه السياسية القريبة. فقد مثّلت لحظة كسر جماعي لجدار الخوف، ونقلة نوعية في وعي المواطن بذاته وبحقه في الفعل والمساءلة، وأعادت إدخال المجتمع إلى المجال السياسي بعد عقود من الإقصاء والوصاية. ورغم كل الأخطاء التي ارتُكبت، يظل نُبل مشروعها واضحاً، متجلياً في استعادة حق المشاركة، وإعادة توزيع الفعل السياسي من الدوائر المغلقة إلى المجال العام، وتأكيد الكرامة الاجتماعية بوصفها أساساً للشرعية؛ وهي قيم لا تنتفي بسوء الممارسة، ولا تُمحى بالانحرافات اللاحقة، بل تبقى كامنة في الوعي الجمعي، قابلة للانبعاث كلما نضجت شروطها التاريخية. 


كما أن إخفاق فبراير في التحول إلى نظام جديد لا ينفي مشروعها الأصلي، بل يكشف عمق المعضلة البنيوية التي واجهتها: دولة مفرغة من مؤسساتها، ومجتمع مثقل بتناقضاته، وقوى منظمة أعادت توجيه المسار بما يخدم مصالحها. ومع ذلك، فإن القيمة التاريخية لثورة فبراير تكمن في ما أحدثته من تصدع دائم في شرعية الاستبداد، وفي ترسيخ فكرة أن السلطة ليست قدراً، وأن الخضوع ليس خياراً وحيداً. ولهذا، تبقى فبراير مرجعية أخلاقية وسياسية في الوعي اليمني، بوصفها - كما أشرنا - مساراً تاريخياً مفتوحاً، لم يستنفد دلالاته بعد، ولا يزال يعيد إنتاج معناه كلما تهيأت شروطه الموضوعية. 


حركة إنسانية حضارية 

في جوهر الثورة، يكمن شيء يتجاوز المشهد السياسي اليومي، ويتجاوز مشاعر الغضب أو الحماس المؤقت، ويعانق العمق التاريخي للوعي الجمعي؛ إذ إن الثورة ليست لحظة تصادم فحسب، بل هي فعل حضاري، وحركة إنسانية نحو تحرير الإنسان من قيود الظلم والخوف والجمود الاجتماعي. الثورة، حين تُفهم من منظور علم الاجتماع السياسي وعلم العمران الاجتماعي، ليست مجرد أحداث شوارع وصراعات مؤسسية، بل إعادة تشكيل للعلاقات بين الإنسان ومحيطه، بين السلطة والمجتمع، بين الفرد والجماعة. ومن لا يمتلك هذا البعد الفكري لا يلمس سوى السطح، ولا يدرك أن كل قرار، وكل هتاف، وكل شعور بالتمرد هو حجر في صرح إعادة التوازن بين الحقوق والواجبات، وبين الحرية والانضباط، وبين الطموح الفردي والنفع العام.

 

نبل الثورة ينبع من الرغبة في كسر قيود الخوف. فالمواطن الذي عاش دهوراً طويلة تحت هيمنة استبدادية أو قيود اجتماعية خانقة، يكتشف فجأة أن صوته مسموع، وأن مشاركته حق مشروع، وأن جسده وروحه قادران على التعبير عن الحلم الجماعي. هنا، تصبح الثورة تجربة وجودية، ولحظة إدراك أنه لا فرق بين التاريخ والمستقبل إلا عبر الفعل المباشر في الحاضر. وكل من حاول أن يضعها في صناديق الممارسة السياسية الضيقة، أو في الحسابات الفردية للأجندات، فاته هذا البعد العميق، وغاب عنه جوهرها الإنساني قبل السياسي. 


ومن منظور إعادة توزيع الفعل السياسي، تأتي الثورة لتقلب المعادلات التقليدية، وتعيد تعريف العلاقة بين المواطن والدولة. فهي لا تقتصر على الاحتجاج على السياسات أو الممارسات، بل تعني استعادة الفعل الجماعي قوةً قادرةً على إعادة صياغة الواقع. في هذا المعنى، الثورة عمل اجتماعي يخلق وعياً جديداً، إذ تُنشئ مجتمعات قادرة على المشاركة والنقاش والمساءلة والتفاوض حول المصالح المشتركة بطريقة لم تكن ممكنة في زمن الخوف والجمود. الثورة، بهذا المعنى، مدرسة متقدمة لتعلم الحقوق والواجبات، وللفهم العميق للسياسات الاجتماعية، ولممارسة الفعل السياسي بوعي وحرية. 


أما إعادة التوزيع الاجتماعي والاقتصادي، فهي بعدٌ آخر من أبعاد الثورة التي لا يلتقطها إلا من له وعي مجتمعي متقدم. فالثورة تصنع مساحات جديدة للمواطنين المهمشين، لأصوات لم تُسمع، ولأفراد كانت حياتهم محدودة بالإطار التقليدي للمكانة الاجتماعية أو الاقتصادية. وهي، من هذا المنطلق، فعل يعيد الكرامة للإنسان العادي، ويؤكد أن الفرد جزء من الكل، وأن الكرامة الاجتماعية عنصر أساسي في أي مشروع سياسي مستدام.

 

حتى الممارسات الفردية والانحرافات السياسية، رغم ما قد تثيره من نقد أو استياء، لا تنقص من قيمة الثورة؛ فالثورة عملية معقدة تشمل آلاف البشر، كلٌّ منهم يشارك بما يمتلكه من وعي وقدرة وتجربة، ومن الطبيعي أن تظهر تناقضات وأخطاء غير متناسقة. لكن هذه الأخطاء جزء من التجربة، وكل ثورة تحوي في ذاتها مفارقاتها. 


ومن هنا يأتي البعد الفلسفي الذي يؤكد أن الثورة ليست فقط تغييراً سياسياً، بل فعل وجودي، وإعلاناً لاستعادة الإنسان نفسه، ورفضاً للخضوع لسلطة مستبدة أو لعجز اجتماعي متراكم. بمعنى أنها رسالة للزمن تقول إن الإنسان قادر على التحول، وعلى التأثير، وعلى خلق المستقبل، وأن الحرية ليست شعوراً لحظياً، بل ممارسة مستمرة وفعل متجدد. 


وثورة فبراير، رغم كل الأخطاء والاختلالات، وضعت هذه المسألة في صميم التجربة اليمنية: كسر قيود الخوف، وإرجاع المشاركة للمواطن، وإعادة توزيع الفعل السياسي، وتأكيد الكرامة الاجتماعية. هذا يجعلها تجربة مجتمعية عميقة تفتح الباب أمام إعادة قراءة العلاقات بين الفرد والدولة، والمجتمع والتاريخ، والمعنى الحقيقي للحرية والكرامة، بغض النظر عما تلاها من أحداث. 


وبناءً على ذلك، يصبح السؤال عن «ثورة أم أزمة» إدراكاً سطحياً، بينما القيمة الجوهرية للثورة تكمن في الفعل الاجتماعي والسياسي المتواصل، وفي الرسالة الأخلاقية التي تحملها: أن الإنسان قادر على استعادة كرامته، وأن الحرية ممارسة مستمرة تتطلب وعياً جماعياً، وتعاوناً وطنياً، وإرادة حقيقية للتغيير، وتجربة متراكمة، تاريخية، حضارية، يمتد أثرها إلى كل الجوانب الاجتماعية والسياسية والاقتصادية للمجتمع. 


تشوهات داخلية 

غير أن أي قراءة أمينة لثورة فبراير، إذا أرادت أن تكون قراءة تاريخية لا خطاباً احتفالياً، لا يمكنها أن تكتفي بتمجيد اللحظة وتجاهل ما اعتراها من تشوهات داخلية. فالوعي النقدي ليس طعناً في الثورة، بل هو أرقى أشكال الوفاء لها. فالثورات، حين تتسع دائرتها، لا تحمل فضائل المجتمع وحدها، بل تستدعي معه أمراضه القديمة؛ والمجتمع الذي يخرج إلى الساحات بكل تناقضاته، يخرج بلغته، وميراثه النفسي، وصراعاته المؤجلة.

 

والحقيقة التي لا يمكن القفز عليها أن ثورة فبراير، التي اندلعت انفجاراً شعبياً هادراً من قاع المجتمع، معبّرةً عن غضب المحرومين وحلم التغيير الجذري بعد عقود من الحرمان من العيش الكريم، اصطدمت بواقع هشّ: غياب قيادة واعية، وتشتت التحالفات، وفصل المطالب الاجتماعية عن جوهر الفعل السياسي. هذا الخلل البنيوي لم يكن عارضاً، بل شكّل المدخل الأخطر لانحراف المسار، وفتح الطريق أمام إعادة توجيه الزخم الجماهيري من مشروع تغيير شامل إلى حركة رمزية محدودة، اختُزلت في إسقاط الحاكم دون تفكيك أدوات النظام أو إعادة بناء منطق الدولة، وفقاً لتوصيف بعض المفكرين والسياسيين. 


لم يكن إخفاق فبراير فشلاً لإرادة الناس أو لتضحياتهم، بل نتاج التداخل بين طموح جماهيري مشروع وهشاشة في التنظيم والقيادة، سمحت بإعادة إنتاج النفوذ القديم داخل جسد الثورة، وجعلت الشباب، في كثير من الأحيان، رمزاً إعلامياً أكثر من كونهم قوة سياسية فاعلة. 


وكما تُظهر تجارب الثورات الكبرى، فإن الثورة حين تنفجر لا تواجه خصومها فقط، بل تواجه نفسها أيضاً. فالتجاذبات الداخلية لم تولد فجأة، بل تشكّلت تدريجياً تحت السطح، ثم طفت إلى المشهد بلغة حادة مُنهِكة. تحوّل الاختلاف السياسي إلى تخوين، وتراجع النقاش الفكري لصالح الاتهام الشخصي، وصار الانتماء معياراً للوطنية. هذا الانزلاق الخطابي لم يُضعف الخصوم بقدر ما شوّه صورة التغيير ذاته؛ فالثورة التي وُلدت بوعد الدولة الجامعة لا يمكن أن تستقيم بلغة الإقصاء، ولا يمكن لمشروع تحرري أن يتغذّى على مفردات الثأر والعداوة. والمجتمع، بطبيعته، لا ينحاز إلى الضجيج، بل إلى الطمأنينة. 


في هذا المناخ، تصدّر إلى الواجهة خطاب عدائي متوتر، أقرب إلى ردّة الفعل منه إلى الوعي السياسي، اختزل السياسة في خصومة، والدولة في أشخاص. لم يكن ذلك تعبيراً عن جوهر الثورة، بل عن ارتباكها. والسياسة، في معناها العميق، فن إدارة الاختلاف لا صناعة الأعداء. غير أن هذه اللغة فتحت المجال لتسللات مشبوهة، وجعلت المنبر الثوري، في بعض مراحله، عبئاً على الثورة نفسها؛ إذ بدلاً من توسيع قاعدتها الاجتماعية، أسهمت في تخويف قطاعات واسعة منها. 


ومع تصاعد هذا المسار، تسللت إلى الداخل ممارسات أعادت إنتاج منطق الغنيمة داخل الصف الذي خرج أصلاً ضده: محاصصة خفية، واحتكار للمنابر، وتلميع لوجوه بعينها، وصناعة قيادات على أساس الولاء لا الكفاءة. عند هذه النقطة، بدأ الإحباط الصامت يتسلل إلى نفوس كثيرين ممن خرجوا بدافع وطني خالص، فشعروا أن الطريق لم يعد مفتوحاً للجميع، وأن الثورة التي نادت بالكرامة بدأت تضيق بأبنائها. 


هذه المحاصصة، وبناء شخصيات قيادية وتسويقها كمرجع وحيد، أعادا تشكيل ديناميات الصف الثوري، وأثّرا في المستقلين والوطنيين الصادقين، وحتى في المتحزبين الذين رفضوا أن تتحول الثورة إلى مطية للخصومات الفردية أو المناورات السياسية. وليس أخطر على أي حركة تاريخية من أن تفقد ثقة المخلصين فيها؛ لأن الثورات لا تُهزم بالقمع الخارجي وحده، بل تُستنزف حين يتآكل معناها من الداخل.

 

والأخطر من كل ذلك أن هذه الممارسات أرسلت إشارات مقلقة إلى الكتلة الأوسع في المجتمع: الناس البسطاء الذين يشكلون الأغلبية الصامتة، ولم يكونوا في قلب الاصطفافات، بل بقوا خارج حسابات الطرفين، وظلّ همّهم الأول بقاء الدولة، مهما كانت عيوبها، خوفاً من الانهيار الشامل. هؤلاء أبناء ذاكرة مثقلة بالحروب والصراعات؛ يعرفون كلفة الفوضى أكثر مما يعرفون سحر الشعارات، كما أسلفنا. وعندما غاب خطاب يطمئنهم ويخاطب مخاوفهم، فضّل كثير منهم الوقوف على الحياد، أو الانكفاء، أو حتى التعلق باستقرار ناقص. وكانوا الأكثر حاجة إلى خطاب وطني صادق يطمئنهم ويشركهم في عملية البناء، ويمنحهم شعوراً بأن مشاركتهم المباشرة أو غير المباشرة ضرورية لاستمرار المسار الوطني؛ فالدولة لا تُبنى بالأغلبية الصاخبة وحدها، بل بتلك الأغلبية الصامتة التي تريد أن تشعر أن المستقبل لا يهدد حياتها اليومية. 


صراع الجمهوريين بالجمهوريين 

على مستوى أعمق، ظلّ اليمن أسير نمط تاريخي يمكن تسميته صراع «الجمهوريين بالجمهوريين»؛ صراع داخلي متجدد بأسماء وشعارات مختلفة، لكنه يحتفظ بالجوهر ذاته: التنافس على الغلبة لا على بناء الدولة. وهؤلاء هم الذين تحدث عنهم الأديب والمؤرخ الراحل عبدالله البردوني في كتابه اليمن الجمهوري: «بعد قيام حكم الثورة تبرجت الهويات وتسابقت المطامح، وأوقفت الجدل على نوعية الجمهورية مقاتلة فلول الإمامة ونضال الاستعمار في الشطر الجنوبي، ولما أصبحت الحرب اعتيادية ومأمونة الخطر على النظام الجمهوري تبازغ جدل جديد ملائم لطراوة الحدث الثوري وطفولة تجربته، فاعتبر المحرومون أن الثورة ثورتهم، ورأوا في نفس الوقت مئات الوجوه المستغلة تشغل مناصب قيادية وإدارية ومالية...».

 

ويروي البردوني مقاله الذي نشره في إحدى الصحف بتعز آنذاك بعنوان «الثوار عن أصالة والثوار بالعدوى»، ركّز فيه على الذين ألبسوا أردية الثورة وحلّوا محل الثوار الحقيقيين، حتى وصلت هذه الحدة الساخطة إلى إلغاء الفرق بين الملكية والجمهورية، ما دام الاختلاف في تعدد الأسماء ووحدانية المسمّى. 


وبحسب البردوني، وتحت هذا التأثير الساخن، انبعث الجدل القديم منتزعاً جدته من المرحلة، فطالب المعتدلون بجمهورية عادلة من دون تحديدٍ لنوع هذا العدل أو مضمونه، وأرجعوا بقاء الوجود الملكي وكثرة المنضمين إليه إلى نوع القائمين على ذروة الحكم الجمهوري، وإلى رداءة قادتهم في المناطق، مع أن بعض الداعين إلى الجمهورية العادلة كانوا من «الحاكمين». ولا يتسع المجال هنا لسرد كل التفاصيل، وإنما يُقدّم هذا المثال بوصفه مؤشراً على استمرار هذه النزعة في كل المراحل الوطنية الكبرى، بما فيها ثورة فبراير. 


وفي هذا السياق، تبرز خطورة المتنفذين الذين لا يرون في الثورة إلا فرصاً لخدمة مصالحهم الخاصة، مستغلين الفراغ التنظيمي والسياسي لتوجيه الزخم الجماهيري لمآربهم. فهي إذن ليست وليدة فبراير، بل امتداد لتجارب ما بعد ثورتي سبتمبر وأكتوبر، وعاودت الظهور بأشكال جديدة بعد كل مرحلة، مصحوبة بصعود اصطفافات متعددة: خليط من القوى القبلية والمناطقية والجهوية، والجماعات الدينية التي أصبحت قوى نافذة، أعادت إنتاج العوائق أمام الديمقراطية الناشئة وأضعفت مسار العمل المدني. 


الثورة المضادة 

والإنصاف يقتضي القول إن الثورة المضادة لم تكن فعلاً أحادياً، بل التقت فيها قوى متنوعة ومتداخلة: مصالح عسكرية ومدنية، ونخب سياسية قبلية ودينية، وأصوات مدنية مرتبطة بالمال السياسي، فضلاً عن تدخلات إقليمية ودولية هدفت إلى تعطيل استقرار اليمن. استغلت كل هذه القوى الفراغ التنظيمي والسياسي لإضعاف الزخم الشعبي، فحوّلت الثورة من حركة جماهيرية طامحة إلى حراك رمزي محدود، بينما ظل الشباب والصف الوطني عاجزين عن امتلاك أدوات تحويل الثورة إلى مشروع مستدام قادر على البناء.

 

وبتوضيح أكثر، لم تقتصر الثورة المضادة على النظام السابق وحده، بل شمل التحالف أيضاً أجزاء من المعارضة، وأصواتاً نافذة داخل التيارات الدينية والسياسية، استثمرت الفراغ لتعزيز مصالحها الخاصة. هذه الطبقات السياسية والعسكرية والقبلية والدينية أسهمت في تشتيت جهود الشباب والصف الوطني خلال مرحلة البناء، فيما لعبت القوى الإقليمية والدولية أدواراً موازية، مدفوعة بالخوف على مصالحها أو بالرغبة في منع استقرار الدولة اليمنية وإعاقة مشروعها الوطني. 


كل ذلك كشف هشاشة القيادة والتنظيم، وأبرز كيف يمكن للثورات الجماهيرية، مهما كانت عظيمة في طاقتها، أن تتعرض للتحوير والتوجيه من قِبل مصالح ذات نفوذ، تاركة الجماهير الصادقة رمزاً إعلامياً أكثر منها قوة سياسية فاعلة، ومؤكداً الحاجة إلى توحيد أهداف الشعب وربط مطالبه الاجتماعية بالسياسية لضمان استمرار التغيير الحقيقي. 


والأمر اللافت أن هذا الصراع الداخلي بين القوى المختلفة والمتناقضة تراكمت تبعاته ليشكل أكبر عائق أمام أي مسار سلمي. كما أن الصراعات بين التيارات، سواء حزبية أو قبلية أو دينية، أعادت إنتاج العوائق البنيوية القديمة وأوجدت عراقيل جديدة أمام بناء الدولة. 


درس فبراير الأعمق 

ثمة اختلالات أخرى تتطلب دراسات متخصصة وعميقة وقراءة ناقدة. فمن المهم، في قلب هذه التجربة، بروز النقد الداخلي للثورة ضرورةً حيوية، ليس لتقويضها، بل لتنقية تجربتها وتقديم درس مستخلص من تراكماتها. فالثورة مشروع أخلاقي وسياسي واجتماعي لإعادة ترتيب العلاقة بين المواطن والدولة، بين المجتمع والسلطة، وبين التاريخ والحاضر. والأخطاء الفردية والانحرافات السياسية لا تنقص من قيمة المشروع، لكنها تؤكد الحاجة إلى وعي جماعي وخطاب وطني صادق يحمي الثورة، أو أي مشروع تغيير، من أن يصبح مطية لتصفية الحسابات أو لأجندات خارجية.

 

وباعتبار الثورة محاولة لتقويم تاريخ معقد وإعادة إنتاج الوطنية على قاعدة قيم العدالة والكرامة والحرية، فإن كل مراجعة نقدية صادقة تهدف إلى تكريس هذه القيم وحماية المشروع الوطني من الانزلاق نحو الفشل، مهما كانت الضغوط والتحديات. 


ومع ذلك، وبرغم كل هذا الركام، يبقى المعنى الأعمق لفبراير عصياً على الانكسار؛ لأن الثورة ليست حدثاً يُقاس بنتائجه الآنية فقط، بل تحوّلاً في الوعي، وما يتغير في الوعي لا يعود بسهولة إلى الوراء. لقد أعادت فبراير لليمني حقه في السؤال، وفي المحاسبة، وفي الحلم بدولة مدنية حديثة. وهذا المكسب، مهما تعثر، يظل حجر الأساس لكل مستقبل ممكن. 


فهي ليست مجرد ذكرى، بل مسؤولية أخلاقية مستمرة: مسؤولية أن نُهذّب خطابنا، ونراجع أخطاءنا، ونضع الوطن فوق كل انتماء، ونفهم أن الدولة لا تُبنى بالغلبة، بل بالتشارك. حينها فقط يصبح التاريخ أقل قسوة علينا، وحينها فقط تستحق فبراير اسمها: لحظة ميلاد وطنٍ يبحث عن نفسه… ويواصل الطريق.