Home News Reports

من "حراج العمال" إلى معركة البقاء.. عيد بلا فرح للكادحين في اليمن

من "حراج العمال" إلى معركة البقاء.. عيد بلا فرح للكادحين في اليمن


في الوقت الذي يحتفل فيه العالم بـ عيد العمال العالمي، يمر الأول من مايو في اليمن كأي يوم عادي مثقل بهموم المعيشة. لا مظاهر احتفال ولا طقوس تكريم، بل مشهد يومي يتكرر في شوارع المدن، عمال يتجمعون منذ ساعات الصباح الأولى في ما يُعرف بـ"حراج العمال"، بانتظار فرصة عمل مؤقتة قد لا تأتي.


عند مرور سيارة أو اقتراب صاحب عمل محتمل، يندفع العشرات في لحظة واحدة، بأملٍ صامت في الحصول على عمل ليوم واحد. تتداخل الأصوات وتتسابق الخطوات، لكن المشهد ينتهي غالبًا بخيبة انتظار جديدة، تعيدهم إلى الدائرة ذاتها.. ترقّب أطول، وأمل يتراجع، وحاجة أكثر إلحاحًا. في هذه المساحات، يغيب العيد كليًا، ويصبح "الأجر اليومي" هو الحد الفاصل بين القدرة على الاستمرار والعجز.


معركة يومية ضد الفقر


على خلاف الطابع الاحتفالي الذي يميز هذه المناسبة عالميًا، يمر عيد العمال في اليمن تحت وطأة أزمة إنسانية واقتصادية معقدة، حيث تحوّل العمل من وسيلة لتحسين مستوى المعيشة إلى معركة يومية للبقاء. فالحرب الممتدة والانهيار الاقتصادي أفرزا واقعًا قاسيًا، يتسم بتراجع فرص العمل، وارتفاع معدلات الفقر، واتساع رقعة الجوع.


تشير التقديرات الإنسانية إلى أن اليمن لا يزال من بين أكثر الدول تضررًا من أزمة انعدام الأمن الغذائي، حيث يواجه ملايين السكان مستويات حادة من الجوع، وصلت في بعض المناطق إلى مراحل تهدد الحياة. ويرتبط ذلك بتراجع الإنتاج الزراعي، واضطراب سلاسل الإمداد، وارتفاع الأسعار، إلى جانب تقلص مصادر الدخل.


وبحسب تقديرات أممية، يحتاج أكثر من 22 مليون يمني إلى مساعدات إنسانية، فيما يعاني نحو 18 مليون شخص من انعدام حاد في الأمن الغذائي، في ظل تدهور الخدمات الصحية واتساع مخاطر سوء التغذية، ما يعكس عمق الأزمة الاجتماعية والاقتصادية.


سوق عمل متآكل


شهدت بنية سوق العمل في اليمن تحولات جذرية خلال سنوات الحرب، حيث تقلصت الوظائف المستقرة، وتراجع دور القطاع الخاص، فيما فقدت الرواتب قيمتها بفعل تدهور العملة وارتفاع تكاليف المعيشة. ووجد ملايين اليمنيين أنفسهم مضطرين للانتقال إلى أعمال مؤقتة أو شاقة، تفتقر إلى الحد الأدنى من الأمان الوظيفي.


وكان انقطاع رواتب الموظفين الحكوميين منذ عام 2016 أحد أبرز العوامل التي عمّقت الأزمة، إذ أدى إلى فقدان مصدر دخل ثابت لملايين الأسر، وأسهم بشكل مباشر في اتساع دائرة الفقر.


وتفيد بيانات الاتحاد العام لنقابات عمال اليمن بأن نحو 3 ملايين عامل فقدوا وظائفهم منذ بداية الحرب، فيما تشير تقديرات منظمة العمل الدولية إلى أن حجم القوة العاملة يبلغ نحو 4.2 ملايين شخص، لا تتجاوز نسبة النساء بينهم 7%.


كما يُقدَّر أن نحو 1.8 مليون عامل تم تسريحهم من أعمالهم في القطاعين العام والخاص، في ظل تراجع تطبيق القوانين وضعف الدور النقابي والرقابي.


هيمنة الاقتصاد غير المنظم


بعد أكثر من عقد من الصراع، أصبح الاقتصاد غير الرسمي السمة الغالبة لسوق العمل في اليمن، حيث يستوعب ما يقارب ثلاثة أرباع القوى العاملة. ويعتمد ملايين اليمنيين على أعمال يومية أو موسمية، تفتقر إلى الحماية الاجتماعية والاستقرار.


وتشير البيانات إلى أن قطاع الخدمات يستحوذ على نحو 56% من التوظيف، يليه القطاع الزراعي بنسبة 30%، بينما لا تتجاوز حصة القطاع الصناعي 11%، ما يعكس ضعف القاعدة الإنتاجية وتراجع قدرة الاقتصاد على توليد فرص عمل مستدامة.


كما ارتفعت قوة العمل إلى نحو 7.59 ملايين شخص بحلول عام 2023، دون أن يقابل ذلك نمو موازٍ في فرص التوظيف، ما أدى إلى تفاقم البطالة، خاصة بين الشباب، حيث تتجاوز نسبتهم 32%، في حين تظل مشاركة النساء محدودة عند نحو 5%.


ضغوط متزايدة


أفرزت الأزمة الاقتصادية تحولات اجتماعية عميقة، من أبرزها ارتفاع عمالة الأطفال، واتساع موجات النزوح والهجرة، إلى جانب ضغط ديموغرافي متزايد مع دخول أعداد كبيرة من الشباب سنويًا إلى سوق العمل دون قدرة الاقتصاد على استيعابهم.


ورغم بوادر محدودة لظهور أنماط جديدة من العمل، مثل الاقتصاد الرقمي والعمل الحر عبر الإنترنت، إلا أن هذه المسارات لا تزال مقيدة بضعف البنية التحتية، وانقطاع الكهرباء، وارتفاع تكاليف الاتصال.


مناسبة عالمية وواقع مختلف


يعود أصل عيد العمال إلى أواخر القرن التاسع عشر، وتحديدًا إلى الاحتجاجات العمالية في شيكاغو عام 1886، التي طالبت بتحديد ساعات العمل بثماني ساعات يوميًا، وانتهت بأحداث دامية عُرفت بـ قضية هايماركت، لتتحول لاحقًا إلى رمز عالمي لنضال العمال.


وفي عام 1889، أقر المؤتمر الأول للأممية الاشتراكية في باريس اعتماد الأول من مايو يومًا عالميًا للعمال، ليصبح مناسبة سنوية تُحتفى بها في أكثر من مئة دولة، بوصفها محطة لتجديد المطالب بتحسين ظروف العمل وتعزيز العدالة الاجتماعية.


غير أن هذا المعنى يغيب إلى حد كبير في السياق اليمني، حيث لا يزال العامل يواجه واقعًا قاسيًا، تتداخل فيه الأزمات الاقتصادية والإنسانية، ويغدو فيه العمل ذاته فرصة غير مضمونة.


وفي ظل هذا المشهد، يبقى العامل اليمني حاضرًا بإصراره اليومي، واقفًا تحت الشمس أو البرد، منتظرًا فرصة قد تغيّر يومه، ولو مؤقتًا. وفي يومه العالمي، لا يطلب الكثير، سوى أن يتحول العمل من انتظار مفتوح إلى استقرار، ومن فرصة عابرة إلى حق مكفول.