بعد سنوات من الإغتراب والغياب، عاد نايف حزام الماس إلى وطنه يحمل في قلبه حياة كاملة مؤجلة، وحكاية أسرة انتظرته طويلًا على ضفة الحنين.
في الولايات المتحدة، قضى سنواته يعمل بصبر، لا يشتكي ولا يلتفت إلا إلى يومٍ واحد ظل يراه بعيدًا لكنه مؤكد، يوم العودة إلى اليمن، إلى الأم والزوجة والأبناء، إلى أرضٍ يعرف تفاصيلها كما يعرف وجهه.
اقترب عيد الأضحى، فاقترب معه الحلم أكثر. كان نايف يخطط لعودة لا تشبه العودات العادية؛ أراد أن يدخل على أسرته كأن الغياب لم يحدث، وكأن السنوات الطويلة كانت مجرد انتظار جميل ينتهي بلحظة فرح واحدة. قبل وصوله، أرسل المال لشراء سيارة جديدة، كهدية عودة.. شيء يشبه إعلان البداية من جديد.
السبت الماضي، وصل نايف إلى مطار عدن، واكتمل أول فصول اللقاء. طفلان احتضنا أباهما للمرة الأولى منذ سنوات، وكأن الزمن تراجع خطوة ليمنحهم لحظة استثنائية. كانت دموعهم تنهال فرحا ودهشة فبعد سنوات من رؤية اباهما عبر شاشات التلفون، ها هو صبح أمامهم إنسانًا من لحم ودفء.
ركبوا السيارة الجديدة، تلك التي كانت في مخيلته عنوانًا لبداية العيد في قريته، وانطلقت بهم الطريق نحو محافظة إب. في الخلف، كانت العائلة تنتظر، وفي الأمام كان الحلم يكبر لحظة بلحظة.
لكن الجسد، أحيانًا، لا يمنح الأحلام نفس الوقت الذي تمنحه القلوب.
فجأة، تبدلت ملامح الطريق. ألمٌ حاد باغته أسفل الصدر، حاول أن يتجاهله، أن يمرره بصمتٍ كما اعتاد أن يمرر تعب الغربة، لكن الألم كان هذه المرة مختلفًا، أسرع منه، أقوى من إرادته. ومع كل لحظة، كان الحلم يتراجع خطوة، حتى صار الطريق نفسه ضيقًا على أنفاسه.
لم تكتمل الرحلة. حاول من معه إنقاذ ما يمكن إنقاذه، لكن الزمن كان قد قرر مساره الأخير. توقف قلب نايف قبل أن يصل إلى البيت الذي رسمه في ذاكرته آلاف المرات، وفارقت روحه الحياة إثر جلطة قلبية حادة، قبل أن يشارك أطفاله فرحة العيد الذي خطط له بكل تفاصيله.
في السيارة نفسها التي حملت مفاتيح فرحه، جلس طفلان لا يفهمان تمامًا كيف يمكن للحظة أن تنقلب بهذا الشكل. أحدهما يمسك ألعابًا نارية كان والده قد اختارها ليضيء بها سماء القرية، لكنها بقيت كما هي.. بلا نار، بلا ضوء، وكأنها تحفظ دهشة الفقد أكثر من وعد الاحتفال.
وصل نايف أخيرًا إلى قريته، لكن وصوله كان مختلفًا عمّا تخيله. لم يُستقبل بالزغاريد، بل بالصمت الثقيل، وبأقدام تحمل جسدًا أنهكته المسافة الأخيرة في طريق العودة.
وفي قرية بيت الماس بمحافظة إب، وُوري جثمانه الثرى بعد صلاة ظهر أمس الأحد، ليغلق فصلٌ من الغربة الطويلة، ويفتح في قلوب أحبته فراغًا لا يشبه أي غياب.