بين الجمهورية والوحدة: أزمة بناء الدولة في اليمن

  • الوحدوي نت ـ خاص - يحيى الضبيبي
  • منذ أسبوعين - Friday 22 May 2026
بين الجمهورية والوحدة: أزمة بناء الدولة في اليمن


في العيد الوطني السادس والثلاثين للجمهورية اليمنية، يحلّ الثاني والعشرون من مايو بوصفه لحظةً فارقة تستدعي إعادة استحضار المشروع اليمني في عمقه التاريخي؛ مشروع الدولة والهوية ومعنى الوحدة، باعتبارها تعبيراً عن إرادة شعبية ممتدة في الزمن، لا مجرد تسوية سياسية أفرزتها توازنات ظرفية، مع ضرورة قراءةٍ للمنجزات والإخفاقات التي رافقت مساره، وما أفرزته من تحولاتٍ في بنية الدولة والمجتمع.


لقد تشكّل الوعي الوطني اليمني عبر مسار طويل من الصراع ضد التمزق والاستبداد والتبعية، وظلت فكرة اليمن الواحد حاضرة بوصفها ثابتاً حضارياً يتجاوز تقلبات السياسة وتبدلات السلطة. فمنذ تشكل الممالك اليمنية القديمة، وفي مقدمتها سبأ وحِمْيَر، ظل اليمن إطاراً جغرافياً وثقافياً متماسكاً، رغم ما اعترى تاريخه من انقسامات وتدخلات وصراعات.


وفي العصر الحديث، أعادت الحركة الوطنية اليمنية إحياء هذا المعنى في سياق مقاومة مشروعين متوازيين: الإمامة في الشمال والاستعمار البريطاني في الجنوب. ومن هنا اكتسبت ثورتا السادس والعشرين من سبتمبر والرابع عشر من أكتوبر بعداً يتجاوز إسقاط نظامين سياسيين، ليؤسس لفكرة التحرر الوطني الشامل بوصفه معركة واحدة ذات هدف واحد ومصير واحد.


ولم تكن العلاقة بين الثورتين مجرد تعاطف سياسي، بل حالة تلاحم عضوي في الوعي والميدان معاً. فقد تحولت صنعاء بعد ثورة سبتمبر إلى حاضنة لحركات التحرر الجنوبية، كما شكّلت عدن قبل ذلك فضاءً مفتوحاً لأحرار الشمال ومثقفيه الهاربين من بطش الإمامة. وبين المدينتين تشكّل خطاب وطني جديد، تجاوز حدود التشطير، وربط بين الجمهورية والتحرر والوحدة باعتبارها أركان مشروع وطني متكامل.


لقد أدركت القوى الاستعمارية مبكراً خطورة هذا الوعي، فسعت إلى إعادة تشكيل الجنوب ضمن هويات سياسية بديلة عبر مشاريع اتحادية ومناطق نفوذ محلية، فيما ظل الشمال ساحة لصراعات إقليمية ودولية معقدة. غير أن الحركة الوطنية، بمختلف تياراتها القومية واليسارية ومكوناتها المجتمعية، نجحت في ترسيخ فكرة اليمن الكبير في الوجدان الشعبي، حتى غدت الوحدة هدفاً سياسياً جامعاً، رغم كل الاستقطابات الأيديولوجية التي أعقبت الاستقلال وقيام دولتين متناقضتين في الشطرين.


وبرغم الحروب البينية والتوترات السياسية التي شهدتها مرحلة ما قبل الوحدة، ظل مشروع الدولة اليمنية الموحدة حاضراً في الخطاب الرسمي والشعبي معاً، إلى أن تُوّج ذلك المسار بإعلان الجمهورية اليمنية في 22 مايو 1990، بوصفه لحظة تاريخية نادرة استعاد فيها اليمنيون شعورهم بالانتماء إلى دولة واحدة بعد عقود من التشطير.


وهذه الوحدة التي خرجت ذات يوم من وجدان اليمنيين بوصفها تتويجاً لمسار طويل من التضحيات، لم تكن نزوة سلطة ولا صفقة نخب، بل كانت التعبير الأكثر صدقاً عن توق شعب أنهكته الانقسامات، وأرهقته الحدود، وأتعبه التشطير السياسي والجغرافي.


ولهذا، فإن أكثر ما ينبغي قوله اليوم، بوضوح لا يخشى الالتباس، أن الوحدة في معناها الوطني العميق لم تسقط، وإنما سقطت طرائق إدارتها، واختنقت الدولة تحت أثقال الفساد، واستُنزفت الفكرة الكبرى في صراعات النفوذ ومطامع القوى المتغلبة.

فالمأساة اليمنية لم تبدأ إذن من الوحدة، بل من اختلالات إدارتها؛ إذ سرعان ما تحولت الدولة إلى ساحة لتقاسم النفوذ بين مراكز القوى التقليدية، وتراجعت فكرة الشراكة الوطنية لصالح منطق الغلبة، حتى جاءت حرب صيف 1994 لتترك جرحاً عميقاً في الوعي الوطني، وتفتح الباب أمام أزمات بنيوية تراكمت لاحقاً في صورة إقصاء سياسي، واختلال اقتصادي، وتآكل في مؤسسات الدولة. وقد أخفقت النخب، وتنازعت المراكز، وجرى تحويل الدولة من كيان جامع إلى غنيمة موزعة بين المتصارعين، حتى انتهى اليمن إلى هذا القدر الهائل من التمزق والانهاك.


ومع تعمّق هذه الاختلالات، دخل اليمن مرحلة من الإنهاك المركّب؛ حروب في صعدة، واحتجاجات جنوبية، وتضخّم نفوذ القبيلة والعسكر، وتراجع متسارع لفكرة الدولة المدنية. ثم جاءت ثورة فبراير 2011 كتعبير جديد عن حيوية المجتمع اليمني ورغبته في إعادة تصحيح المسار الوطني، عبر مشروع قائم على المواطنة والعدالة والشراكة، غير أن تعثّر المرحلة الانتقالية أعاد إنتاج الأزمة بصورة أكثر حدة.


وكادت فبراير ـ للمرة الأولى منذ عقود ـ أن تنتج وعياً جمهورياً جديداً يتجاوز الانقسامات التقليدية التي عجزت النخب السياسية عن تجاوزها لعقود طويلة. غير أنها، رغم نبل مشروعها، اصطدمت بواقع هشّ تمثّل في غياب القيادة الجامعة، وتشتت القوى الحاملة لمشروع التغيير، وفصل المطالب الاجتماعية عن البناء السياسي للدولة، ما أتاح إعادة تدوير النفوذ القديم داخل المشهد الثوري نفسه. 


وهكذا اختُزل المشروع الوطني الكبير تدريجياً في إسقاط رأس النظام دون تفكيك البنية التي أنتجته، فتحوّل كثير من الشباب إلى رموز معنوية أكثر منهم قوة سياسية قادرة على الإمساك بمسار الدولة. ومع الوقت، بدأت التناقضات الداخلية تطفو إلى السطح، فتحوّل الاختلاف السياسي إلى حالة من التخوين والاستقطاب الحاد، وتراجع الخطاب الوطني الجامع لصالح لغة الإقصاء والخصومة.


وفي هذا المناخ، تسللت إلى قلب المشهد ممارسات أعادت إنتاج منطق الغنيمة الذي خرجت الثورة ضده؛ محاصصات خفية، واحتكار للمنابر، وصناعة قيادات على أساس الولاء لا الكفاءة، الأمر الذي دفع كثيراً من المستقلين والوطنيين إلى الشعور بأن الثورة بدأت تضيق بأبنائها، وأن المجال العام يُعاد تشكيله بالأدوات ذاتها التي ثار الناس ضدها.


ولعل ما جرى أعاد إنتاج النمط التاريخي الذي نقلت مشاهده المؤلمة صفحات معظم المؤرخين تحت عنوان "صراع الجمهوريين بالجمهوريين"، حيث تتحول المعارك من بناء الدولة إلى التنافس على السلطة، ومن مشروع وطني جامع إلى صراع هويات ومصالح متشابكة. وهي أزمة لم تولد مع فبراير، بل رافقت معظم التحولات اليمنية الكبرى منذ سبتمبر وأكتوبر، وأعادت إنتاج نفسها بأشكال مختلفة في كل مرحلة انتقالية، ومنها على سبيل المثال فترة حكم الرئيس الشهيد إبراهيم الحمدي، التي حاول خلالها أن يجعل الدولة أعلى من القبيلة، وأن يكون الانتماء للوطن بديلاً عن الانتماء للمركز أو الشيخ أو المنطقة.


وقد اصطدم مسار الإصلاح السريع في عهد الحمدي ببيئةٍ متخمةٍ بالمصالح، أشبه بالسير على حقل ألغام؛ إذ أعاد توزيع النفوذ دون أن يؤسس لتحالفٍ يحمي مشروعه. ويُستحضر هنا دوماً مثال مشروعه المدني، بوصفه أقرب إلى طبيبٍ يريد إنقاذ المريض من النزيف، دون أن يدرك أن الدواء نفسه قد يثير حساسيةً قاتلة في الجسد، فوجد نفسه محاصَراً في مواجهة شبكةٍ متجذرة من القوة والمال والقبيلة، تتغذى من الفوضى وتخشَى النظام.


وبالمنطق ذاته، وجدت فبراير نفسها أمام الثورة المضادة، وإن كانت بطرق أعقد، إذ لم تكن فعلاً أحادياً مارسه النظام السابق وحده، بل تشكلت من شبكة معقدة من المصالح السياسية والعسكرية والقبلية والدينية، إلى جانب تدخلات إقليمية ودولية خشيت من ولادة دولة يمنية مستقرة وقادرة على إعادة تعريف موقعها في المنطقة. وقد استغلت هذه القوى هشاشة التنظيم الثوري لتفكيك الزخم الشعبي وتحويله من مشروع تغيير جذري إلى حالة استنزاف سياسي طويل.


ورغم هذه الاختلالات التي أعاقت الانتقال السلمي للسلطة، فقد أنتجت الثورة محطات مهمة، منها مؤتمر الحوار الوطني، الذي مثّل المحطة الأهم التي عوّل عليها اليمنيون لإعادة بناء الدولة ومعالجة الاختلالات التاريخية بعيداً عن منطق الصراع الصفري؛ بين من رأى الثورة مشروعاً وطنياً للتغيير، ومن تعامل معها كتهديد لبنية الدولة، وبين دعاة استمرار الوحدة بصيغتها المختلة، وأنصار الانفصال بوصفه مخرجاً للأزمة. وقد قام الحوار على قواعد تتيح طرح مختلف الرؤى بلا إقصاء أو سقوف مسبقة، لا لمعالجة الأزمات الطارئة فحسب، بل لتفكيك البنية العميقة للدولة اليمنية، التي ظلت خاضعة لتقاسم النفوذ وهيمنة مراكز القوى داخل السلطة والمعارضة معاً، حيث حكمت المشهد طويلاً عقلية الغلبة والثأر السياسي والمحاصصة، على حساب فكرة الدولة الجامعة والمواطنة المتساوية.


وكانت مخرجات مؤتمر الحوار الوطني أكبر من مجرد تسوية سياسية، كونها محاولة نادرة لإعادة تأسيس الدولة اليمنية على قاعدة العقد الاجتماعي، بعد عقود أُديرت فيها السلطة بمنطق الغلبة لا بمنطق القانون. فالجمهورية، منذ نشأتها، ظلت عالقة بين مشروع الدولة ومراكز النفوذ، وبين الشرعية الدستورية والقوة المسلحة، ما أبقى الدولة إطاراً هشاً تُدار داخله التوازنات أكثر مما تُبنى فيه المؤسسات.


وفي هذا السياق، مثّل الحوار الوطني لحظة سياسية وفكرية فارقة، أعادت طرح سؤال الدولة بوصفه قضية مواطنة وعدالة وشراكة، لا مجرد صراع على السلطة. فقد سعت مخرجاته إلى الانتقال من دولة الهيمنة إلى دولة التوافق، ومن إدارة الأزمات إلى معالجة جذورها التاريخية، عبر إعادة توزيع السلطة والثروة، والاعتراف بالمظالم، وبناء دولة قانون تكفل الحقوق وتحدّ من إعادة إنتاج الاستبداد.


وتظل مخرجات الحوار الوطني واحدة من أكثر اللحظات نضجاً في التاريخ اليمني المعاصر؛ لأنها مثّلت محاولة لإعادة تعريف الدولة باعتبارها عقداً وطنياً جامعاً، لا غنيمة تتقاسمها مراكز النفوذ، رغم ما أُثير حول مسودة الدستور المنبثقة عنها من ملاحظات واعتراضات لدى بعض القوى، ولا سيما ما تعلق بطريقة توزيع الأقاليم وعددها، بغضّ النظر عن صوابية تلك الملاحظات أو خطئها.


وقد أسّس نهج الحوار الوطني لثقافة جديدة في تقبّل الآخر، وأرسى أسساً مهمة لإمكانية إيجاد الحلول عبر التفاهمات، وبناء وعي مجتمعي بأهمية هذا المسار، بما يجعل من التوافق خياراً ممكناً لا مفروضاً بالقوة. ومع تهيئة هذه البيئة، التي حظيت بدعمٍ مجتمعي واسع وراكمت قدراً من الثقة في إمكانية الحلول السياسية، كان يمكن أن تشكّل أساساً لفتح المجال أمام تطوير المعالجات عبر الحوار، من خلال استكمال المسار التوافقي عبر حوارات أوسع ومسارات تراكمية، كان يمكن أن تفضي إلى صياغة نهائية لبنية نظام الحكم، بعيداً عن الانزلاق إلى الحرب التي غذّتها مختلف الأطراف بدوافع الثأر السياسي وتصفية الخصومات واستدعاء صراعات الماضي، فكان الثمن انهيار الدولة وتمزق المجتمع.


غير أن مسار الحوار اصطدم ببنية تقليدية صلبة رأت في الدولة المدنية تهديداً مباشراً لمصالحها، فعاد الصراع إلى منطقه القديم: صراع القوة لا صراع السياسة، وتقدّمت مشاريع ما قبل الدولة على حساب المشروع الوطني الجامع، لتدخل البلاد واحدة من أعقد مراحلها التاريخية، حيث اندلعت الحرب، وانهارت المؤسسات، وتداخلت الصراعات المحلية والإقليمية، واتسعت المأساة الإنسانية إلى مستويات غير مسبوقة.


ومع اتساع رقعة الانهيار، لم يعد الصراع مجرد خلاف على إدارة الدولة، بل تحول إلى صراع على معنى الدولة ذاتها، وعلى فكرة اليمن بوصفه كياناً واحداً قابلاً للحياة. وفي هذا السياق، تراجعت السياسة لصالح السلاح، وتقلص المجال العام أمام منطق القوة، وغابت المرجعية الوطنية الجامعة التي يمكن أن تضبط تنازع المصالح وتمنع انزلاقها إلى الفوضى المفتوحة.


ومع ذلك، فإن استعادة هذا المسار لا تزال ممكنة من حيث المبدأ، لأن جذور الأزمة لم تكن في غياب الفكرة، بل في تعطيلها. فالمشاريع الوطنية الكبرى لا تُمحى بانهيار لحظي، لكنها تتعرض للتعطيل حين تغيب الإرادة السياسية القادرة على تحويل التوافق إلى مؤسسات، والحوار إلى دولة، والرؤية إلى نظام حكم مستقر.


ومن هنا، يبقى التحدي الحقيقي اليوم هو إعادة الاعتبار لفكرة الدولة بوصفها عقداً جامعاً، لا ساحة صراع مفتوح، وإعادة بناء الثقة بين اليمنيين على قاعدة المواطنة المتساوية، لا على أساس الغلبة أو الانقسام أو الاستقواء الخارجي. فبدون ذلك، ستظل الدائرة مغلقة بين حرب تعيد إنتاج نفسها، وسلام مؤجل لا يجد طريقه إلى التحقق.


غير أن هذا التحدي السياسي، على خطورته، لا ينفصل عن بُعدٍ أعمق تمثّله الهوية اليمنية ـ بوصفها هوية تاريخية وحضارية ـ التي بقيت أوسع من الخرائط الضيقة، وأبقى من كل المشاريع الطارئة. فالأوطان لا تُقاس فقط بحدود السياسة، بل بعمق الوجدان الجمعي وبالذاكرة المشتركة التي لا تستطيع الحروب اقتلاعها مهما امتد زمن الخراب. وقد أثبتت التجربة أن سقوط الدولة لا يعني سقوط الهوية، وأن اليمن، رغم كل هذا التشظي، ما يزال يحتفظ بقدرته العميقة على البقاء. فالهويات التاريخية الكبرى لا تنهار بالحروب وحدها، بل حين تعجز النخب عن إنتاج مشروع وطني جامع قادر على إدارة التنوع وتحويله من وقود للصراع إلى مصدر قوة واستقرار.


وفي هذا السياق، فإن معركة اليمن اليوم هي معركة وعي سياسي واستعادة معنى الدولة. فالدولة لا تُبنى بمنطق الغلبة، ولا بإدارة التناقضات عبر مراكز النفوذ والجيوش المتعددة، بل عبر عقد وطني جديد يؤسس لشراكة حقيقية، ويعيد الاعتبار للمواطنة والعدالة وسيادة القانون، دون إقصاء لأي طرف؛ فالوطن للجميع وبالجميع. وأي مشروع لإنقاذ اليمن لا يمكن أن ينجح ما لم يبدأ أولاً من مصالحة عميقة مع الحقيقة؛ حقيقة أن المكابرة السياسية لم تنتج سوى مزيد من الانهيار، وأن عقلية الإقصاء لم تصنع إلا جغرافيا ممزقة، وأن الوطن حين يُستنزف في صراعات أبنائه يخسر الجميع دون استثناء.


وفي هذا العيد الوطني، لا يبدو اليمن بحاجة إلى الاحتفال بقدر حاجته إلى التأمل العميق في دروس العقود الماضية. لذلك، تبدو الحاجة ملحّة إلى مراجعة عميقة للتجربة اليمنية بعيداً عن الشعارات العاطفية أو القراءات الانتقامية للتاريخ. فالوحدة ليست نصاً سياسياً مقدساً، كما أنها ليست خطأً تاريخياً؛ إنها مشروع وطني تعثر بفعل سوء الإدارة وصراعات السلطة، لا بفعل سقوط مبرراته الحضارية والوطنية.


واليمن اليوم، وهو يمر بإحدى أكثر لحظاته هشاشة، بحاجة إلى عقل سياسي جديد يتجاوز إرث الثأر والاستقطاب، ويعيد تعريف الأولويات على أساس استعادة الدولة لا تقاسم أنقاضها. كما أن القوى الوطنية ـ جميعها دون استثناء ـ مطالبة بإدراك أن استمرار انقساماتها لا ينتج سوى مزيد من القوة للمشاريع المناهضة للدولة المدنية العادلة.


وفي المقابل، فإن المتغيرات الإقليمية الراهنة تفتح نافذة نادرة أمام اليمنيين لإعادة صياغة معركتهم الوطنية بصورة أكثر اتزاناً. فالمطلوب لم يعد مجرد وقف الحرب، بل بناء رؤية جامعة تنقل البلاد من منطق تقاسم السلطات والنفوذ إلى منطق الدولة، ومن الجغرافيا المتنازعة إلى الوطن الواحد القادر على استيعاب الجميع.


وفي هذا السياق، فإن مواجهة من يطرحون خيار فك الارتباط أو الانفصال، بمنطق انتقامي أو إقصائي لا ينتج سوى تعميق الجراح. وفي المقابل، فإن اعتبار الانفصال حلاً نهائياً وسحرياً لأزمات الجنوب دون قراءة تاريخية وواقعية متأنية لمسارات التجربة اليمنية، لا يقل خطورة عن نقيضه. 


والجنوب، بكل ما يحمله من تعقيدات وتراكمات ومظالم، يحتاج اليوم إلى خطابٍ عقلاني يعترف بالتنوع السياسي والاجتماعي، ويمنح الأولوية لمصالح الناس واستقرارهم، بعيداً عن الاستقطابات الحادة التي استنزفت الجميع. ولعل القيمة الأهم لأي حوارٍ جنوبي ـ جنوبي تكمن في قدرته على نقل الخلاف من ساحات التوتر إلى فضاء السياسة، ومن لغة الصدام إلى لغة التفاهم، بما يفتح المجال لبناء موقفٍ أكثر اتزاناً تجاه مستقبل الجنوب على وجه الخصوص، واليمن عموماً.


فالبلاد اليوم ليست بحاجة إلى خطابات تعبئة عاطفية بقدر ما هي بحاجة إلى عقول سياسية تنتج حلولاً جادة، تدرك أن الأوطان لا تُدار بردود الأفعال، بل بالمشاريع الكبرى القادرة على احتواء الأزمات ومنع انزلاقها نحو مستقبل أكثر قتامة، سيدفع ثمنه الجميع دون استثناء. 


ذلك أن استمرار منطق التصادم، في الجنوب كما في الشمال، وفي عموم الجغرافيا اليمنية، لا يفضي إلا إلى إعادة إنتاج دوامة العنف، وتكريس تعدد السلطات، وتآكل ما تبقى من فكرة الدولة. وقد أثبتت التجربة أن الدولة لا يمكن أن تنهض فوق تعدد الجيوش، ولا في ظل مراكز أمنية متنازعة، ولا عبر سلطات متفرقة تتقاسم الجغرافيا وتتنازع القرار؛ بل إن هذا النمط لا ينتج سوى مزيد من التفكك وإضعاف الكيان الوطني.


ولعل اللحظة الراهنة، رغم قسوتها، قد تكون آخر نافذة ممكنة للانتقال من منطق المناورة السياسية إلى صياغة خارطة طريق وطنية شاملة، مبنية على السلام وعلى قواعد وطنية ثابتة، تؤسس لدولة مدنية حديثة، تتجاوز مراكز القوى التقليدية، وتعيد تعريف السلطة بوصفها وظيفة عامة لا ملكية خاصة، وتضع حداً لدورة الصراع المفتوح التي استنزفت البلاد.


كما أن البلاد بحاجة إلى نخب سياسية تدرك أن قيمة السلطة الحقيقية ليست في السيطرة على الجغرافيا، بل في القدرة على بناء الاستقرار وصيانة كرامة الناس. والواجب الوطني الأكبر هو الانتقال من تمجيد الشعارات إلى مراجعة التجربة بصدق وشجاعة، ومن الحنين إلى الماضي إلى التفكير الجاد بالمستقبل. فالوطن لا تحميه العواطف، بل تحميه العدالة، وتحفظه المؤسسات، ويصونه التوافق الوطني الحقيقي.


وفي نهاية كل حرب يُقال إن سلاماً يولد، غير أن السؤال الجوهري في الحالة اليمنية لم يعد: متى ينتهي الصراع؟ بل: بأي كلفة نواصل إعادة إنتاجه؟ وهل يجوز أن يُدفع ثمن هذا التعثر بأرواح أجيال كاملة، ثم نعود مجدداً إلى نقطة البداية وكأن شيئاً لم يكن؟


وهذا يقودنا في هذا العيد الوطني السادس والثلاثين للجمهورية اليمنية إلى طرح السؤال الجوهري: كيف يمكن إنقاذ فكرة اليمن قبل إنقاذ السلطة؟ وكيف يمكن إعادة بناء الثقة بين اليمنيين بعد سنواتٍ طويلة من الحرب والتشظي وتآكل المعنى الوطني؟


والإجابة هنا لا تُختزل في استدعاء الماضي، ولا في الاكتفاء بإدانة الحاضر، بل في إعادة تأسيس العلاقة مع الدولة ذاتها بوصفها مشروعاً جامعاً يتجاوز لحظات الانقسام. فالأوطان لا تُستعاد بالنوستالجيا أو بالحنين المجرد إلى الماضي، بل بإعادة تعريف العقد الذي يجمع الناس حول معنى واحد للعيش المشترك، وباستعادة السياسة من قبضة العنف إلى فضاء التوافق.


فقد كانت اللحظات الوطنية الكبرى في التاريخ اليمني ـ في جوهرها ـ لحظات توافق على فكرة واحدة قبل أن تكون توافقاً على أنظمة أو ترتيبات حكم؛ لحظات انتصرت فيها إرادة الاجتماع على منطق التمزق، وارتفع فيها الحس الوطني فوق الحسابات الضيقة. لكن الدرس الأعمق الذي تكشفه التجربة ليس في لحظة الانتصار ذاتها، بل في القدرة على تحويلها إلى مؤسسات دائمة تحمي المعنى من التآكل، وتمنع تحوله إلى صراع جديد حوله.


ومن هنا، فإن استعادة الثقة لا تبدأ من إعادة إنتاج الخطابات القديمة، بل من شجاعة الاعتراف بأن الدولة حين تُختزل في أدوات القوة تفقد معناها، وأن الشراكة حين تُستبدل بالغلبة تتحول إلى سبب جديد للصراع. وعليه، فإن إنقاذ اليمن لا يعني فقط وقف الحرب، بل إعادة بناء الفكرة التي تجعل من اليمنيين جماعة سياسية واحدة، تتسع لاختلافها دون أن تتفكك، وتستوعب تناقضاتها دون أن تنفجر من داخلها.


بهذا المعنى، يصبح إنقاذ "فكرة اليمن" هو الشرط السابق لأي سلطة، وأي سلام، وأي مستقبل ممكن.


والوطن لا يمكن أن يُبنى بروح الثأر السياسي، ولا بمنطق الإقصاء، ولا عبر تضخم الذوات الحزبية والمناطقية على حساب المصلحة العليا. فالأوطان التي أنهكتها الحروب لا تنقذها الشعارات المرتفعة، بل تنقذها الحكمة السياسية، والقدرة على تقديم التنازلات الوطنية، وإعادة تعريف الأولويات بعيداً عن الحسابات الضيقة.

 

واليمن، كما أسلفنا، رغم كل ما مرّ به، ما يزال يمتلك فرصة النجاة؛ ليس لأن الطريق سهل، بل لأن الشعوب العريقة لا تموت بسهولة، ولأن هذا البلد الذي عبر قروناً من الحروب والانكسارات ظل في كل مرة قادراً على النهوض من تحت الركام.


وسيظل اليمن أكبر من الجميع؛ أكبر من الأحزاب، وأوسع من الجماعات، وأبقى من أزماته وكل الطارئين على تاريخه. وسيظل هذا الشعب، رغم كل ما أنهكه، قادراً على النهوض متى ما توفرت الإرادة الوطنية الصادقة، والعقل السياسي الذي يضع الوطن فوق الأحزاب، والدولة فوق الأشخاص، والمستقبل فوق حسابات اللحظة الضيقة.


فلا أحد يربح حين يخسر اليمن.. والذين يدركون معنى الوطن حقاً، هم وحدهم القادرون على إنقاذه قبل أن يبتلع الخراب ما تبقى من الحلم.