مزارعو البنّ في اليمن يكافحون لإحياء «مجده الغابر» في ظل صعوبات مناخية وتحويل الأراضي لزراعة القات

  • الوحدوي نت - رويترز :
  • منذ 6 أيام - السبت 21 يناير 2023
مزارعو البنّ في اليمن يكافحون لإحياء «مجده الغابر» في ظل صعوبات مناخية وتحويل الأراضي لزراعة القات


يكافح مزارعون في منطقة يافع في جنوب اليمن لإحياء زراعة محصول البُنّ الذي اعتمد عليه كثير من اليمنيين في التاريخ القديم، وكانوا يصدرونه إلى مختلف أنحاء العالم لدرجة ارتباط اسم قهوة الموكا الشهيرة بميناء المُخا اليمني حيث كان يتم تصدير محصول البن الذي كان يعتبر الأكثر شهرة في العالم.

لكن هذا المنتج يعاني حالياً الكثير من المشكلات على الرغم من حدوث تطور نسبي في زراعته في السنوات الماضية. إلا أن ذلك لم يغير كثيراً من واقع معاناته، مقابل اكتساح زراعة نبات القات التي تحتاج إلى الكثير من المساحات ومياه الري في مناطق الزراعة الجبلية، مما أدى إلى تراجع البُنّ اليمني حتى بات شبه غائب عن السوق العالمية، نتيجة لانحسار زراعته وتضاول الكميات المُصدَّرة منه.

وقال المزارع سالم بن سالم الناخبي أحد ملُاك حقول البُنّ في منطقة يافع لرويترز “إن الأمطار عادت تتساقط قبل سنوات مضت إلى منطقتنا، مما أعاد التفاؤل للمزارعين في سقي شجرة البُنّ، إلا أن تلك البشارة الإلهية لم تدم طويلاً لتساعد على إطالة عمر الشجرة، وحلت بعدها مرحلة الموت، وكأنها رصاصة الرحمة”.

وأضاف “نحاول استحداث أساليب جديدة لإعادة زراعة البُنّ، منها تجديد الحقول الجافة بطين آخر إلا إنها لم تفلح بالشكل الكافي”.

وذكر الناخبي “أدت هذه الطريقة إلى انتعاش نصف الحقل فقط والنصف الآخر مات، وبعد فترة يفقد الطين جودته وحينها لن يعود الحقل صالحا للزراعة”.

ويُزرع البن في اليمن في مناطق المرتفعات الوسطى والغربية والجنوبية الواقعة على ارتفاع يتراوح بين 700 إلى 2400 متر فوق سطح البحر، حيث المناخ الدافئ والرطب في آن واحد، وكذلك في مناطق يتراوح معدل هطول مياه الأمطار فيها ما بين 40 سنتيمتراً إلى مئة سنتيمتر، وفقا لبيانات رسمية.

وأشارت دراسات وبحوث إلى تلاشي زراعة البُنّ في اليمن تدريجياً نتيجة الظروف المناخية التي أثرت بالفعل على معظم مناطق زراعة البُنّ، ومنها منطقة يافع الواقعة على بعد 200 كيلومتر شمال شرقي عدن في جنوب اليمن، وهي أكبر وأهم المناطق اليمنية التي ذاع صيتها بإنتاج أكثر أنواع البُنّ اليمني شهرة.

وإلى جانب يافع، تنتشر زراعة البُنّ في مناطق أخرى منها بني مطر وحراز ومديريتا الحيمة الداخلية والحيمة الخارجية غربي العاصمة صنعاء، بالإضافة إلى منطقتي بُرَع في محافظة الحديدة غربا وبني حماد في تعز جنوب غرب البلاد، وكذلك في محافظة إب في وسط اليمن.

ووفقا لإرشادات متوارثة عن الأجداد، خصوصاً خلال شهري يوليو/تموز وأغسطس/آب، اعتاد المزارعون استبدال الطين القاسي بالناعم تسهيلاً لعملية إنتاج غير مضنية.

لكن مزارعين في منطقة يافع قالوا لرويترز أن المساحات الحالية المتوفرة بلغت طبقة من الأرض غير صالحة للزراعة، الأمر الذي يعتبر السبب الرئيسي في فشل زراعة البن منذ أعوام.

وقال محسن ناجي الحربي مالك مزرعة للبُنّ في منطقة يهر في يافع لرويترز “ضرب الجفاف مزارعنا قبل أكثر من 15 عاماً، وتصلبت كل الأودية، وهي الشريان الرئيسي لتغذية زراعة البُنّ”.

وأرجع أسباب ركود الإنتاج الزراعي للبن إلى عدم اهتمام الدولة والمستثمرين بفتح أسواق لإعادة تسويق وتصدير المحاصيل وفق رؤية تجارية حديثة.

ويرى مزارعون أن هناك حلولاً قد تساعد في ازدهار زراعة البن مثل تغذية وادي يهر في يافع الذي يلتقي عند المصب مع وادي بِنا الشهير المنطلق من محافظة إب بوسط البلاد.

وقال الحربي “إن ذلك يتطلب مشروع قناة تعيد تتدفق المياه إلى وادينا من وادي بِنا الشهير، التي تذهب مياهه هدراً في البحر”.

وأدت الحرب المستعرة في البلد منذ ثمانية أعوام إلى تدهور مستوى الإنتاج المحلي.

ويدمر الصراع الدامي في اليمن البُنية التحتية لشبكة المياه ليعاني الملايين بدون مياه صالحة للشرب أو لزراعة المحاصيل.

حاولت العديد من المنظمات الدولية تقديم استشارات ومعونات مثل مكافحة الحشرات الآكلة لجذوع شجرة البُنّ ولكن دون جدوى، بحسب ما قال علي حسن الناخبي رئيس جمعية “ذي ناخب الزراعية” المهتمة بأشجار البن في يافع. وأضاف الناخبي لرويترز “لأن أشجار القهوة في اليمن تُزرع على مُدرَّجات جبلية شديدة الانحدار، فإن متوسط حجم المزرعة صغير، وتؤدي طرق الزراعة التقليدية والأصناف القديمة وظروف النمو الصعبة إلى خصائص مميزة للبُنّ اليمني، لكن العائد منخفض مقارنة بالقادة العالميين في إنتاج البن”. ومع ذلك أكد أن “البن اليمني يحصل على سعر ممتاز في السوق الدولية”.

وأعلن “برنامج الأمم المتحدة الإنمائي (يو.إن.دي.بي)” في أغسطس/آب الماضي عن مشروع بعنوان “من القات إلى البُنّ من أجل تعزيز المناخ والأمن الإنساني” يهدف إلى “تعزيز الإنتاج المُستدام للبُنّ وسلاسل القيمة في اليمن كمحصول عالي القيمة بديل للقات للحد من استغلال المياه الجوفية”.

وخلال العقدين الماضيين، حاول تجار وضع زراعة البُنّ نصب أعينهم وخاضوا المنافسة في الأسواق الخارجية عبر معارض عربية ودولية وحقق البُنّ اليمني فيها نتائج إيجابية. ولكن بعد سنوات تعرضت محاصيل البُنّ لانتكاسة مع استمرار تجاهل الحكومات المتعاقبة لإيجاد سياسة ملائمة ومشجعة لتسويقه وتصديره.

ويرى باحثون ومتخصصون ومزارعون أن تهالك زراعة البُنّ اليمني يعود لبداية عقد التسعينيات حينما خيم الجفاف لعدة سنوات على مساحات من حقول زراعته، فباتت الأراضي قاحلة وبدأت تتآكل وتتهالك رويداً رويداً حتى طالها الموت.

كما يعزو هؤلاء أسباب التدهور إلى زحف نبات القات إلى مساحات زراعة البُنّ، بالإضافة إلى هجرة الأيدي العاملة الماهرة داخلياً أو خارجياً.

ويعاني اليمن من نضوب واسع للآبار الإرتوازية (الجوفية) وشح المياه. ومع ذلك طغت زراعة القات، التي تستهلك كميات كبيرة من المياه، على معظم المحاصيل المهمة التي من الممكن أن تعود على خزينة الدولة بالعملة الصعبة في وقت تشهد فيه البلاد أزمات اقتصادية وإنسانية قد تدفعها إلى حافة المجاعة، بحسب الأمم المتحدة.

ووفقا للإحصاءات الرسمية، تقدر المساحة المخصصة للبُنّ حالياً في أنحاء اليمن بنحو 34.5 ألف هكتار، ويبلغ حجم الإنتاج السنوي قرابة 20 ألف طن، وهي كمية صغيرة مقارنة بأرقام في العقود الماضية، إذ وصلت صادرات البن اليمني إلى أكثر من 44 ألف طن سنوياً قبل 60 عاماً تقريباً.