اليمن: طرق متهالكة ونقاط تفتيش كثيرة تُزيد من أوجاع الحرب

  • الوحدوي نت - القدس العربي:
  • منذ شهر - الأحد 05 فبراير 2023
اليمن: طرق متهالكة ونقاط تفتيش كثيرة تُزيد من أوجاع الحرب


 لا شيء يؤرق اليمنيين بالإضافة إلى جنون الأسعار مثل مشقة السفر الداخلي في طرق طويلة ومتهالكة؛ وبالتالي صار السفر الداخلي متعبا ومكلفا ومخيفًا لدرجة صار البعض يحجم عنه تجنبًا لمشاكل الطرق الناجمة عن الحرب؛ إذ صارت الطرقات تعج بنقاط التفتيش الأمنية والعسكرية، وتمتلك هذه النقاط سلطات واسعة تصل للاعتقال أو الإخفاء القسري أو أحيانًا القتل بمجرد الاشتباه، كما حصل للمغترب اليمني العائد من أمريكا الشاب عبد الملك السنباني الذي قُتل في إحدى النقاط بمحافظة لحج/جنوب في أيلول/سبتمبر 2021 ومثله آخرون. النقاط في الطرق تتعامل مع المسافرين كعملاء محتملين للطرف الآخر، وبالتالي يخضعون لأسئلة عن الوجهات والأسباب وتفتيش يشمل الوثائق والأمتعة وأحيانا الهاتف المحمول. عند سفرك من عدن إلى صنعاء أو العكس ستمر السيارة على عشرات النقاط الأمنية والعسكرية، وكل نقطة تتعامل معك وكأنها نقطة التفتيش الوحيدة على طول الطريق، فيتكرر معك ما سبق ومارسته النقاط الأخرى.

من جهة أخرى تسببت الحرب بتدمير كثير من الطرق، وبعضها صارت مغلقة لقربها من مناطق عسكرية أو تضررها من مواجهات، وبالتالي تسلك السيارات طرقًا بديلة تكون طويلة وريفية رديئة في الغالب ما يجعل السفر شاقا ومكلفا؛ فالسفر من صنعاء إلى عدن كان يستغرق قبل الحرب، نحو خمس ساعات، بينما بات اليوم يستغرق أكثر من عشر ساعات، يكون فيها المسافرون عرضة لمخاطر عديدة، فعلاوة أن طول المسافات يتسبب في ارتفاع أجور السفر، بما فيها أجور نقل البضائع، فإن هذه الطرقات تعج بنقاط عسكرية وأمنية ونقاط تحصيل ضريبي أو جمركي وغيرها، وبالتالي أصبحت هذه الطرقات وسيلة من وسائل الجبايات المتعددة بتعدد سلطات الحرب، والتي تضاف تلقائيًا إلى أسعار السلع، علاوة على أن الطرق البديلة للمغلقة لا تكون صالحة لمرور سيارات النقل الكبيرة والشاحنات ما يجعلها عرضة للحوادث. فعلى سبيل المثال فإن طريق هيجة العبد (وهو المنفذ الوحيد لمدينة تعز) يشهد حوادث مأساوية باستمرار، وحسب إحصائية لمنظمة سام للحقوق والحريات، فقد تسببت هذه الطريق خلال الفترة 2017- 2021 بـ 32 وفاة، و152 إصابة في 21 حادث سير نتيجة تعرض الطرق للخراب المستمر من دون وجود أعمال صيانة.


الطرق المعزولة والمتهالكة

ووفق دراسة حديثة عن الطرق، لمركز صنعاء للدراسات الاستراتيجية، والتي اعتمدت إحصائيًا على تقديرات سلطات الحوثيين في صنعاء والحكومة المعترف بها دوليا في عدن، فقد تسببت العمليات العسكرية بتدمير ما لا يقل عن 100 جسر وحوالي ثلث الطرق المعبدة (بطول 5 آلاف إلى 6 آلاف كيلومتر).

بالإضافة إلى ذلك تشير إلى أن هناك طرقا سُخرت لخدمة أهداف عسكرية، حيث «شرعت الأطراف المتحاربة في إغلاق الطرق الرئيسية القريبة من الجبهات، إما بسبب الأضرار التي لحقت بها خلال الاشتباكات، أو بهدف منع خصومها من الوصول إلى مناطق استراتيجية».

وترتب على ذلك، قالت الدراسة، «إن الطرق التي لم تُغلق لأسباب عسكرية ظلت دون صيانة منذ بداية الحرب، ما جعل الكثير منها غير صالحة للسفر والتنقل، وبالتالي يُضطر سائقو السيارات إلى سلوك طرق بديلة غالبًا ما تكون غير معبدة ومعزولة وغير مواتية لاستيعاب حمولة الشاحنات الثقيلة أو حركة مرور مكثفة».

وتؤكد «تزايد معدل وقوع الحوادث أو حالات الطوارئ على هذه الطرق الثانوية المعزولة بسبب التغطية المحدودة لشبكة الهاتف المحمول وخدمة الإنترنت، ونقص الخدمات المتاحة على جوانب الطرق، وغياب فِرق الإنقاذ في حال وقوع حالات طوارئ تستدعي التدخل».

تتعدد أوجه المعاناة التي تفرضها الطرق البديلة المعزولة والمتهالكة، وخاصة على صعيد الوقت وأجور النقل والجبايات والحوادث، إذ يتسبب التنقل أو السفر برًا عبر هذه الطرق «في ارتفاع تكاليف نقل البضائع وغيرها من السلع الأساسية في ظل نقص إمدادات الوقود، وارتفاع أسعار البنزين، وتضارب السياسات الضريبية والجمركية وسياسات إصدار التراخيص التي تتبناها السلطات المتنافسة، ما أثقل كاهل عدد كبير من اليمنيين المتنقلين عبر البر».

وأشارت الدراسة إلى أن «إجراءات التفتيش التعسفية والاحتجاز وفرض الرسوم غير القانونية، وغيرها من أشكال الابتزاز الممارسة عند نقاط التفتيش الأمنية والعسكرية التي تديرها كل جماعة من الجماعات المسلحة أصبحت سمات شائعة في زمن الحرب تؤثر على السفر والتنقل داخل اليمن. ورغم مساعي الهدنة، التي استمرت ستة أشهر وتوسطت فيها الأمم المتحدة (ودخلت حيز التنفيذ لأول مرة في نيسان/ابريل 2022) في حلحلة مشاكل الطرق في اليمن، لا سيما الطرق المؤدية إلى مدينة تعز المحاصرة، إلا أنها فشلت في تحقيق هذا الجانب ليكون بذلك العنصر الوحيد الذي لم يُنفذ من الاتفاق».

ووفق استطلاع شملته الدراسة فقد ذكر الغالبية من اليمنيين المُستطلعة آراؤهم أن خيار السفر والتنقل لمسافات طويلة عبر البر لم يعد واردًا ما لم يكن لضرورة قصوى. «ومن بين أبرز دوافع السفر الواردة في معرض الرد على استبيان عام جرى توزيعه على المشاركين: التزامات تخص العمل، وزيارة أقارب/ أفراد من الأسرة، والتماس العلاج الطبي في المستشفيات العاملة داخل اليمن، والوصول إلى المطارات للسفر إلى الخارج لتلقي العلاج». وذكر غالبية المشاركين في الاستطلاع مسألة الأمن باعتبارها أولوية حتمية عند التخطيط للسفر أو التنقل عبر البر، مشيرين إلى اتخاذهم مجموعة من التدابير الاحتياطية كحذف أي معلومات حساسة من هواتفهم المحمولة وعدم الإفصاح عن وجهتهم الحقيقية للجنود المرابطين في نقاط التفتيش أو المنطقة التي قدموا منها، وعن انتماءاتهم السياسية والمناطقية أو طبيعة المهنة التي يزاولونها.

المَحْرَم

يجد المسافرون برًا أنفسهم في مواجهة أسئلة عديدة من النقاط الأمنية والعسكرية، التي قد تمارس بعضًا من العنف الجسدي، ووفق الدراسة فعادة «ما يكون الصحافيون والنشطاء أو ذوو الانتماءات السياسية أو المناطقية المعينة أكثر عرضة للمضايقات والاستجواب والاحتجاز عند نقاط التفتيش. من جهة أخرى، تواجه النساء اليمنيات في المناطق التي يسيطر عليها الحوثيون قيودًا مشددة على السفر والتنقل بسبب شرط وجود مَحْرَم». وحسب الدراسة «تنطوي سياسة المَحْرَم التي فُرضت منذ مارس/آذار 2022 على إجراءات معقدة (ومُكلفة) للحصول على موافقة/ إذن أحد الأقارب الذكور قبل السماح للمرأة من التنقل أو السفر، حيث يتعيّن التصديق على الموافقة من قِبل عدد من المسؤولين الحوثيين. أصبحت القواعد أكثر صرامة منذ ذلك الحين، وغالبًا ما يُطلب حاليًا وجود المَحْرَم شخصيًا كمرافق أثناء سفر/تنقل المرأة حتى إن كان بحوزتها الوثائق اللازمة التي تسمح لها بالسفر/التنقل بمفردها». وتؤكد الدراسة أنه «مع ترسخ هذا الواقع الجديد، بات واضحًا أكثر فأكثر أن سياسة المَحْرَم تهدف إلى تقويض مشاركة المرأة داخل المجتمع المدني».