تشهد محافظة تعز، جنوب غرب اليمن، واقعًا صحيًا مأساويًا منذ اندلاع الحرب في البلاد قبل نحو 9 أعوام.
هذه المحافظة، التي تحتل المرتبة الأولى من حيث عدد السكان في الجمهورية، تعاني من تدهور خدمات الرعاية الصحية ونقص التجهيزات الطبية والدوائية، فضلاً عن هجرة الكوادر الطبية.
الوضع لايقتصر على المستشفيات الحكومية فحسب، بل تمتد أيضًا إلى المستشفيات الخاصة التي تحولت إلى مشاريع للثراء على حساب معاناة المرضى. في ظل غياب الرقابة الحكومية، يتم استغلال المرضى وتكبيدهم أموالًا طائلة دون تقديم خدمات صحية مرموقة.
وبين الإهمال وغياب الكوادر المؤهلة ونهم المشافي لتحقيق الربح السريع، ارتفعت مؤخرًا أعداد الأخطاء الطبية داخل المستشفيات الخاصة بالمدينة، مما أدى بعضها إلى الوفاة. يشكو العديد من مرتادي المستشفيات في المدينة من الإهمال واللامبالاة، مما يُعرض حياتهم للخطر.
تروي وئام محمد معاناتها مع الإهمال داخل أحد المستشفيات الحكومية بمدينة تعز. تقول لـ"الوحدوي نت" أنها وصلت إلى قسم الإسعاف في مستشفى الجمهوري في ساعات متأخرة من الليل، وانتظرت وقتًا طويلاً حتى يأتي دورها ليكشف عنها الطبيب، لتستمر معاناتها لنحو نصف ساعة في قسم يفترض أن يكون مؤهلاً لتقديم الخدمات الإسعافية الطارئة.
وفي قسم الطوارئ بمستشفى الثورة العام بتعز، يشكو فيصل الصبري من تجاهل الأطباء والممرضين لأحد المصابين نتيجة حادث.
دكاكين للربح السريع
نتيجة الإهمال والفوضى التي تشهدها المستشفيات الحكومية في تعز، يلجأ أغلب المرضى إلى المستشفيات الخاصة على أمل العثور على خدمات صحية ممتازة. ومع ذلك، يكلفهم ذلك مبالغ مالية باهظة، مما يزيد من معاناتهم ويجبرهم على بيع ممتلكاتهم.
يقر أحد الأطباء في تعز بالاستغلال البشع الذي تمارسه بعض المشافي الخاصة في المحافظة تجاه المرضى. يقول لـ"الوحدوي نت" بعد أن طلب عدم ذكر اسمه: "في المستشفيات الخاصة، لا معنى للإنسانية، فالمادة هي سيدة الموقف. إذا لم تدفع المال، لن تحصل على أي خدمة طبية لإنقاذ حياتك." ويضيف: "بعض المحسوبين على مهنة الطب أخلوا بالقسم الطبي وشرف وأخلاق المهنة، وباتوا يتعاملون مع المرضى باعتبارهم زبائن وبعقلية التاجر الجشع."
مسؤولية الحكومة
يرجع رئيس نقابة المهن الفنية الطبية بمحافظة تعز، د. عبد الجليل الزريقي، تردي الوضع الصحي في تعز واليمن عمومًا إلى تخلي الدولة عن واجباتها تجاه مواطنيها: يجب أن تقدم الخدمات الصحية المجانية لتحقيق أهداف الثورة اليمنية التي نصت على مجانية الصحة والتعليم. ويشير الزريقي إلى أن الدولة، حين تتخل عن مسؤولياتها عبر القطاع العام، تجعل مواطنيها عرضة للقطاع الخاص.
وأضاف الزريقي في حديثه لـ"الوحدوي نت" أن أغلب الكوادر الطبية تركت المستشفيات العامة وذهبت للعمل في المستشفيات الخاصة، على الرغم من استلامهم مرتبات من الدولة. وليس هناك قوانين تضبط عملية الاستثمار في القطاع الصحي، والمشرع يتاجر بلا رحمة. هناك ثقافة تولدت لدى بعض الأطباء، حيث يصبح الطبيب موظفًا لدى شركات الأدوية ويقوم بكتابة كميات كبيرة من الأدوية للمرضى، تتجاوز حاجة المريض. وأبدى استغرابه من هذه السلوكيات السيئة في مهنة الطب، التي تحولت إلى جريمة إنسانية، وفق تعبيره.
وعن مخرجات الكليات والمعاهد الصحية، قال الزريقي إن الغالبية منهم يفتقدون للتأهيل الجيد. وأشار إلى أن محافظة تعز تواجه قنبلة موقوتة قادمة من القطاع الصحي.
وعن دور النقابات الطبية والصحية، قال الزريقي إنها تساعد في تصحيح بعض الاختلالات من باب النصح فقط. وأكد أنه لا يستطيع أحد الحديث عن تصحيح الأوضاع الصحية المنهارة في البلد بشكل عام وتعز بشكل خاص، في ظل الظروف الصعبة التي تعيشها البلاد حاليًا.
وأضاف: النقابات تلعب دورًا كبيرًا في تحريك المياه الراكدة على أمل التوصل لإصلاح القطاع الصحي، على الرغم من الصعوبات المتكررة. وتدخل مؤسسات الدولة الرسمية في شؤون النقابات في محاولة لإخماد الصوت النقابي.
الأخطاء الطبية
وكشف الزريقي عن تسجيل أعداد كبيرة من الأخطاء الطبية خلال الآونة الأخيرة، انعكاسًا لتردي الوضع الصحي في تعز. وأشار إلى أن عددًا من هذه الأخطاء تسببت في وفاة المرضى. وطالب بتشكيل لجنة متخصصة من عدة أطباء للتحقيق في مثل هذه القضايا.
واستشهد الزريقي بالخطأ الطبي الذي اودى بحياة استشارية النساء والولادة الدكتور أنيسة الخوبري، التي خضعت لعملية جراحية في الغدة الدرقية بأحد المستشفيات الخاصة بالمدينة. وادخلها خطا طبي في غيبوبة لنحو شهرين وتم نقلها لى جمهورية مصر لتلقي العلاج، حيث فارقت الحياة هناك الشهر الفائت.
وقال: هناك خطر يداهم المجتمع من قبل القطاع الصحي، وهناك أخطاء ترتقي لمستوى الجريمة، خاصة من قبل بعض المراكز الصحية الأهلية في المديريات، والتى لا تتوفر بها أطباء متخصصين وتمتلك ممرضين يقومون باجراء عمليات جراحية، وأحيانا يتم التحايل وتسجيل أسماء أطباء وهميين في هذه المراكز أو العمل بشهادة مزورة.