«6 أكتوبر».. بين ذاكرة النصر ورهان الوعي

  • الوحدوي نت - يحيى الضبيبي
  • منذ 8 أشهر - Monday 06 October 2025
«6 أكتوبر».. بين ذاكرة النصر ورهان الوعي


ليست كل الحروب نزيفًا من الدم والحديد، فبعضها إشراق في الوعي وانتصار للإنسان على حدود نفسه. وفي التاريخ المصري، لا يسطع يوم كما يسطع السادس من أكتوبر، اليوم الذي تجاوزت فيه الإرادة حدود المعقول، وانتصرت فيه الروح على المستحيل. 


ويُعدّ السادس من أكتوبر عام 1973 (العاشر من رمضان 1393 هـ) علامة فارقة في التاريخ العربي الحديث.


ففي تمام الثانية ظهرًا، انطلقت المدافع المصرية على طول قناة السويس لتعلن بدء عملية "بدر"، أكبر هجوم عسكري عربي منسّق على إسرائيل منذ قيامها، ردًا على هزيمة 1967.


خلال ساعات قليلة، تمكّن الجيش المصري من تحطيم خط بارليف الحصين، الذي كان يُعد أحد أقوى التحصينات العسكرية في العالم، وأقام عشرات الجسور العائمة لعبور القناة.


كان المشهد أقرب إلى معجزة عسكرية؛ أكثر من 220 طائرة حلّقت في الدقيقة الأولى من الهجوم، وثمانون ألف جندي عبروا القناة في موجات متلاحقة.


وبينما كانت الدبابات تندفع نحو الضفة الشرقية، كان العالم يراقب ذهولًا كيف تنكسر "أسطورة الجيش الذي لا يُقهر".


وغيّرت تلك المعركة موازين القوة والسياسة في الشرق الأوسط، ومهّدت لاحقًا لعملية السلام واستعادة مصر لكامل أراضيها في سيناء، لتتحول من لحظة عسكرية إلى رمزٍ للتحول الوجودي والسياسي معًا.


وفي جوهره، كان السادس من أكتوبر انتصارًا للإنسان على الحتمية، ورفضًا لأن تُدار الشعوب من خارج إرادتها، حيث أطلق المصريون في ذلك اليوم إشارة ميلاد جديد للكرامة العربية، حين أعلنوا أن التاريخ لا يُكتب بالهزائم بل بالإرادة.


في هذا العام، تحتفي مصر بالذكرى الـ 52 لانتصارات أكتوبر وسط توترات إقليمية متصاعدة في غزة والبحر الأحمر، لكنها أيضًا وسط ثقة متجددة بقدرتها على صون أمنها واستقرارها.


ترأس الرئيس عبد الفتاح السيسي اجتماع المجلس الأعلى للقوات المسلحة صباح الأحد في إطار الاحتفالات، مشيدًا بتضحيات أبطال العبور ودور القوات المسلحة في حماية حدود الوطن ودعم التنمية.


وأكد السيسي أن روح أكتوبر ستظل راسخة في وجدان الشعب المصري، وأن ما ينعم به الوطن من أمن وازدهار "ما كان ليأتي لولا تضحيات رجال صدقوا ما عاهدوا الله عليه".


وقام الرئيس بوضع إكليل من الزهور على قبر الجندي المجهول بمنطقة النصب التذكاري لشهداء القوات المسلحة بمدينة نصر، كما زار قبري الرئيسين الراحلين محمد أنور السادات وجمال عبد الناصر، في تقليد وطني يجسد الامتداد التاريخي للنضال المصري عبر الأجيال.


أما في كلمته التي ألقها بالمناسبة اليوم، فقد أكد الرئيس عبد الفتاح السيسي أن يوم 6 أكتوبر يمثل "يوم عز وفخر لمصر والعرب"، مشددًا على أن هذا اليوم أضاف مجدًا واعتزازًا للوطن العربي، كما وجه تحية للرئيس الراحل أنور السادات وقادة القوات المسلحة، ولكل الشهداء والجرحى ومن لبى نداء الوطن.


وأشار السيسي إلى أن الاحتفاء بالذكرى ليس مجرد احتفال، بل درس وعبرة تعلم أن النصر لا يُمنح بل يُنتزع بالتخطيط والعمل الدؤوب والتنسيق بين مؤسسات الدولة وتماسك الجبهة الداخلية واليقين بنصر الله، مستشهدًا بقول الله: ﴿إن تنصروا الله ينصركم ينصركم ويثبت أقدامكم﴾.


وأوضح الرئيس أن مصر ستظل منتصرة بإذن الله، وأن روح أكتوبر تُستلهم اليوم في بناء مصر الحديثة التي تستحق مكانتها بين الدول الكبرى.


واختتم السيسي كلمته بالتأكيد على أن الجيش المصري يقف كالسد المنيع لحماية الوطن والحفاظ على حدوده، موجّهًا التحية للقوات المسلحة والشهداء والجنود الأبطال الذين يسهرون على أمن البلاد.


بدوره أكد الدكتور أحمد فؤاد هَنو وزير الثقافة المصري، أن ذكرى نصر أكتوبر العظيم ستظل رمزًا لإرادة المصريين وقدرتهم على تحقيق الإنجازات وتجاوز التحديات، مشيرًا إلى أن هذه المناسبة الخالدة تُجسد أسمى معاني الفداء والعزيمة والانتماء الوطني.


وقال وزير الثقافة :"في ذكرى نصر أكتوبر العظيم نستحضر ملحمة العزة والفداء التي سطرها أبناء مصر بدمائهم وإصرارهم على استرداد الكرامة وصناعة المجد، ونتطلع في هذه الأيام إلى نصر جديد يُضاف إلى سجل إنجازات الوطن، بفوز الدكتور خالد العناني بمنصب المدير العام لمنظمة اليونسكو، ليواصل رفع اسم مصر عاليًا في المحافل الدولية، ويُسهم في تعزيز دورها الثقافي والحضاري عالميًا".


وشملت الاحتفالات هذا العام، فتح المتاحف العسكرية مجانًا يومي الأحد والاثنين للجمهور، بما فيها بانوراما حرب أكتوبر، ومتحفا العلمين وبورسعيد، وبثّ الأغاني الوطنية في محطات مترو القاهرة والفضائيات المصرية على مدار اليوم، وتقديم عروض فنية وسينمائية ووثائقية تستعيد بطولات العبور وبسالة الجنود، إلى جانب فعاليات ثقافية في الجامعات والمدارس لتعزيز قيم الانتماء والوعي التاريخي.


وبالمناسبة أيضًا، افتتح مدير جمعية المحاربين القدماء وضحايا الحرب اللواء أحمد حسن أبو شرق، المعرض الفني لإبداعات ومنتجات المحاربين القدماء وأسر الشهداء ومصابي العمليات الحربية والذي يستمر حتى 11 أكتوبر بمقر الجمعية، وذلك تزامنًا مع احتفالات مصر والقوات المسلحة بالذكرى الـ52 لانتصارات أكتوبر المجيدة.


ويضم المعرض العديد من منتجات أعضاء جمعية المحاربين القدماء وضحايا الحرب من أعمال الخزف والنحت والحفر على النحاس والرسم على الزجاج والمنتجات الجلدية والخشبية والمنسوجات، بالإضافة إلى منتجات الجمعية من الأطراف الصناعية والأجهزة التعويضية.


كما صدر بهذه المناسبة قرار جمهوري بالعفو عن باقي العقوبة لبعض المحكوم عليهم بمناسبة الاحتفال بعيد القوات المسلحة، فيما قدمت عدد من الوزارات تقارير عن إنجازاتها في مسيرة البناء والتنمية بمناسبة هذا اليوم، خصوصًا ما يتعلق بمسيرة البناء والتنمية التي تقوم بها الدولة المصرية في شبه جزيرة سيناء


وتكتسب رمزية أكتوبر اليوم أهمية مضاعفة في ظل تصاعد الصراعات الإقليمية، ما يستدعي الاستفادة من هذا الدرس التاريخي لمواجهة تحديات الأمن القومي العربي، والحفاظ على وحدة القرار المصري في بيئة مضطربة.


واحتضان مصر للمحادثات بين إسرائيل وحركة حماس في السادس من أكتوبر له رمزية بالغة الدلالة، لتزامن التاريخ مع هذه الذكرى المجيدة التي جسّدت إرادة مصرية وعربية في استعادة الكرامة والسيادة. 


وبينما يستحضر المصريون والعرب في هذا اليوم ملحمة العبور وبسالة الجندي المصري، يعيد هذا الحدث التأكيد على دور مصر التاريخي كقوة سلام فاعلة ومسؤولة، تجمع بين القدرة على خوض المعارك عندما تُفرض، والقدرة على صنع السلام عندما يُتاح. 


وهكذا، يتحول السادس من أكتوبر من ذكرى حرب إلى مناسبة لتجديد التزام مصر بثوابتها الوطنية في تحقيق الأمن والاستقرار في المنطقة عبر الحوار والدبلوماسية.


ويبقى السادس من أكتوبر درسًا خالدًا في أن الأمم تُهزم حين تفقد الوعي بذاتها، وتُبعث حين تستعيد إيمانها بقدرتها على الفعل. فالأوطان تُبنى بالوعي الذي يتجدد كل يوم، وبالإرادة التي لا تلين.