من بين ركام الحرب وصدى الانفجارات التي لم تهدأ بعد، تقف غزة اليوم على أعتاب مرحلةٍ جديدة، تتجاوز فيها حدود الجغرافيا إلى اختبارٍ شامل لمعنى السيادة والنجاة. فالحرب التي التهمت كل شيء لم تترك وراءها مجرد أنقاضٍ مادية، بل فجّرت أسئلة كبرى حول مستقبل السلطة، وميزان القوى، وموقع فلسطين في خريطة التحولات الإقليمية والدولية.
في هذا الفراغ المليء بالرماد والاحتمالات، تُعاد صياغة المعادلات: من الميدان إلى الطاولة، ومن صراع البقاء إلى معركة إعادة البناء، بينما يتقاطع المحلي بالخارجي في أخطر لحظة سياسية يعيشها الشرق الأوسط منذ عقود.
مرحلة ما بعد الحرب
تسير غزة اليوم في مرحلة ما بعد الحرب ضمن معادلة معقدة، تداخلت فيها نتائج الميدان مع الحسابات السياسية التي بدأت تتشكل من شرم الشيخ إلى الدوحة، مرورًا بالقاهرة وتل أبيب.
حرب غزة (2023–2025)، التي اندلعت عقب عملية «طوفان الأقصى» في أكتوبر 2023، شكّلت نقطة تحوّل فارقة في موازين القوى وفي الوعيين الإقليمي والعالمي. فقد كشفت هذه الحرب هشاشة الاستقرار الإقليمي وعمق المأساة الإنسانية التي يعيشها القطاع، ووضعت المجتمع الدولي أمام مرآة أخلاقية قاسية. كما أفرزت تداعيات جيوسياسية عميقة، أبرزها اهتزاز العقيدة الأمنية الإسرائيلية التي طالما قامت على مبدأ الردع والتفوق المطلق، وإعادة تموضع الأدوار الإقليمية، إذ برزت دول مثل مصر وقطر وتركيا كوسطاء رئيسيين، مما عزّز من ثقلها الدبلوماسي.
وترافقت هذه التحولات مع تصاعد الضغوط الدولية، وتنامي موجات احتجاج عالمية غير مسبوقة تطالب بوقف إطلاق النار وحماية المدنيين.
لكن كلفة هذه التحولات كانت باهظة. فغزة تشهد اليوم أزمة إنسانية خانقة، إذ تسمح إسرائيل بدخول محدود لشاحنات المساعدات يوميًا. كما حذّرت منظمة الصحة العالمية من أن انتشار الأوبئة في القطاع أصبح «خارج السيطرة»، في ظل توقف معظم المستشفيات عن العمل. هذا الواقع الميداني يضاعف الضغوط الدولية لإيجاد آلية مستقرة تضمن الأمن والإغاثة وتفتح الطريق أمام إعادة الإعمار.
وأعلنت حكومة غزة، الخميس، أن القطاع بات منطقة منكوبة بيئيًا وإنشائيًا جراء ما وصفته بـ«الإبادة الجماعية الإسرائيلية»، التي خلّفت نحو 70 مليون طن من الركام، إلى جانب قرابة 20 ألف قذيفة وصاروخ غير منفجرة تشكل خطرًا دائمًا على المدنيين.
وأوضح المكتب الإعلامي الحكومي أن حجم الدمار بلغ مستوى غير مسبوق في التاريخ الحديث، إذ دُمّرت آلاف المنازل والمنشآت والمرافق الحيوية، ما حوّل القطاع إلى منطقة منكوبة وأعاق جهود الإنقاذ وإدخال المساعدات. كما أشار البيان إلى أن عملية إزالة الركام تواجه عراقيل كبيرة بسبب منع إسرائيل إدخال المعدات الثقيلة واستمرار إغلاق المعابر، في وقت تُقدّر فيه الأمم المتحدة تكلفة إعادة إعمار غزة بنحو 70 مليار دولار.
وبحسب الإحصاءات المحلية، فقد خلّفت الحرب الإسرائيلية المستمرة منذ عامين أكثر من 67,967 شهيدًا و170,179 جريحًا، معظمهم من الأطفال والنساء، فيما تسببت المجاعة الناتجة عن الحصار في وفاة 463 شخصًا، بينهم 157 طفلًا. وتأتي هذه الكارثة الإنسانية في وقتٍ لم يجد فيه معظم سكان غزة منازل يعودون إليها بعد وقف الحرب، بينما تنتشر الأوبئة وينهار النظام الصحي في ظل غياب الكهرباء والمياه ومستلزمات الحياة الأساسية.
قمة شرم الشيخ
في الثالث عشر من أكتوبر 2025، انعقدت في مدينة شرم الشيخ المصرية قمة السلام حول غزة، برئاسة مشتركة بين الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي ونظيره الأميركي دونالد ترامب، وبمشاركة أكثر من 31 زعيمًا من مختلف أنحاء العالم، بينهم رؤساء دول عربية وأوروبية وكبار المسؤولين في المنظمات الدولية.
وأعلنت القمة، التي حملت عنوان «قمة شرم الشيخ للسلام»، توقيع وثيقة اتفاق شاملة بين إسرائيل وحركة المقاومة الإسلامية حماس، برعاية الولايات المتحدة ومشاركة مصر وقطر وتركيا. نصّ الاتفاق على وقف دائم لإطلاق النار، وتبادل الأسرى، وإدخال المساعدات الإنسانية إلى قطاع غزة، وتشكيل إدارة فلسطينية انتقالية لتسيير شؤون القطاع.
وقّع الاتفاق الرئيس الأميركي دونالد ترامب، والرئيس المصري عبد الفتاح السيسي، والرئيس التركي رجب طيب أردوغان، وأمير دولة قطر الشيخ تميم بن حمد آل ثاني.
وجاءت الاتفاقية بعد أيام من التوصل إلى اتفاق وقف إطلاق النار الأولي، لتشكّل مرحلة تاريخية جديدة في جهود إحلال السلام والاستقرار في الشرق الأوسط. وشملت بنودها بدء مرحلة إعادة الإعمار فورًا بالتعاون مع الشركاء الإقليميين والدوليين لتخفيف معاناة المدنيين الفلسطينيين واستعادة الحياة الطبيعية في القطاع.
وأكد البيان الختامي، أن التقدم الحقيقي يتحقق من خلال بناء الثقة والتعاون، وأن المنطقة تستحق مستقبلًا أفضل من إخفاقات الماضي.
اللافت في هذا الاتفاق الذي أطلق عليه «الهندسة الوسيطة الرباعية» أنه تجاوز منطق وقف النار التقليدي إلى مقاربة أكثر عمقًا تقوم على بناء «قوة استقرار دولية» بإشراف أممي، ترافق عملية إعادة الإعمار وتضمن الانتقال من الفصائلية إلى نظامٍ مؤسسي منظم، تحت إشراف اقتصادي وأمني متعدد المستويات.
لكن خلف اللغة الدبلوماسية المتزنة، كانت هناك قراءات مختلفة؛ فالولايات المتحدة أعادت تموضعها من دور الوسيط إلى دور الحارس، ومصر استعادت وظيفتها التاريخية كـ بوابة للسيادة الفلسطينية، بينما سعت قطر وتركيا إلى ملء الفراغ بين المقاومة والتمثيل السياسي. وفي الخلفية، كانت إسرائيل تراقب مرحلة ما بعد التفوق العسكري، حيث يتراجع منطق القوة المجردة أمام منظومةٍ دوليةٍ تُقيد الحركة وتحد من التوسع.
يشير بعض المحللين إلى أن قبول حماس بالاتفاق كونها «لم تعد تستطيع الاستمرار في طقوس الحرب المبالغ فيها، أو ترفض الحلول من دون أن تعيد توجيه الأولويات السياسية، فكان القبول التكتيكي بالموافقة على خطة الرئيس الأميركي وبخطوطها الأولية، ما يفتح باب التفاوض ويغلق أبواب الابتزاز السياسي، ويضع واشنطن وتل أبيب في موقف حرج، إذ لم يعودا قادرين على تبرير استمرار العدوان، وتنزع الشرعية عن أيديولوجيا يستغلها نتنياهو بنازية جديدة»، وبينوا في ذات الوقت أن قبول إسرائيل باتفاق وقف النار وتبادل الأسرى، ثم مشاركتها غير المباشرة في مشاورات إعادة الإعمار، يعكسان اهتزاز العقيدة الأمنية الإسرائيلية التي قامت منذ عام 1948 على احتكار القرار والسيطرة المطلقة، فقد أصبح القبول بمسارٍ تفاوضي جديد ضرورة استراتيجية لا خيارًا أخلاقيًا، بعد أن تآكل الردع وتراجعت ثقة الداخل الإسرائيلي بمؤسساته الأمنية.
في المقابل، يتجه النظام الدولي نحو نموذج جديد من الشرعية؛ فلم تعد القوة العسكرية وحدها كافية لنيل الاعتراف، بل القدرة على إدارة السلام. أصبحت الشرعية تُقاس بمدى الانضباط المؤسسي، وبالقدرة على تحويل الحرب إلى سياسة لا إلى فوضى. وهذا التحول يجعل من ملف غزة مختبرًا للسيادة الذي تتقاطع فيه مفاهيم الردع، والاعتراف، والحكم الرشيد، وهي مفاهيم ليست وليدة لحظةٍ إنسانية فحسب، بل نتاج وعيٍ دولي بأن الحرب كشفت هشاشة النظام الأمني في المنطقة، وأن استمرار منطق القوة الأحادية بات استنزافًا لا ربحًا. ومن هنا جاءت لغة القمة مشبعة بمفردات «المسؤولية الجماعية» و«إدارة الانتقال»، وهي مفردات تنتمي إلى قاموس ما بعد السيادة الكلاسيكية.
فالحرب التي بدأت في أكتوبر 2023 وانتهت رسميًا في أكتوبر 2025 كانت أشبه بانفجارٍ ميتافيزيقيٍّ في الوعي العربي، لم تدمّر البنية التحتية وحدها، بل كشفت انهيار البنى السياسية والأخلاقية التي حكمت الإقليم لعقود، وكان الهدف الأعمق للقمة ليس إيقاف النار، بل بناء نظامٍ إقليميٍّ جديدٍ يُعيد ضبط علاقة الداخل الفلسطيني بالبيئة العربية، ويحوّل المعاناة الجماعية إلى شرعية سياسية قابلة للتدويل.
تشكيلات مسلحة
مع دخول وقف إطلاق النار حيّز التنفيذ، انتقلت غزة من ضجيج الحرب إلى مرحلة إعادة تموضع أمني وسياسي داخل قطاع أنهكته حرب دامت عامين وخلّفت فراغاً سيادياً وتنامي تشكيلات مسلحة خارجة عن السيطرة. ففي حين كانت السياسة تُدار في شرم الشيخ، كانت البنادق تُدار في شوارع غزة، في مشهد يجسّد ترجمة ميدانية للاتفاق السياسي أكثر مما يعكس هدوءاً فعلياً. أطلقت وزارة الداخلية حملة واسعة ضد ما سمّته «العصابات المتعاونة مع الاحتلال»، أبرزها مجموعات دغمش وأبو شباب والأسطل، وأسفرت الاشتباكات عن مقتل عشرات المسلحين وعناصر من الأجهزة الأمنية. وأعلنت العشائر الفلسطينية رفع الغطاء عنها «دعماً لسلطة القانون». وأظهرت مقاطع مصورة عمليات إعدام ميدانية نُسبت لحماس، في وقت أكد فيه خبراء أن بعض هذه الجماعات كانت تتلقى تمويلاً وسلاحاً من إسرائيل بهدف زعزعة الأمن الداخلي.
تزامن هذا الحراك الأمني مع لحظة سياسية دقيقة؛ فبينما تلتزم حماس بإدارة الأمن ضمن ترتيبات ما بعد الحرب، تواجه تحدياً داخلياً يهدد سلطتها، ما يجعل حملتها محاولة لاستعادة السيادة من الداخل قبل أن تُفرض من الخارج. وبينما وصفت الرئاسة الفلسطينية تلك الإعدامات بأنها «انتهاك صارخ لحقوق الإنسان»، دعمت فصائل أخرى الإجراءات الأمنية باعتبارها ضرورية لحماية الجبهة الداخلية. أما الرئيس الأميركي السابق دونالد ترامب، فاعتبر ما يجري «تصفية لعصابات شريرة»، لكنه عاد وهدد بالتحرك ضد حماس إذا استمرت عمليات القتل في غزة.
وفي إسرائيل، تهاوت رهانات تفكك غزة من الداخل، مع إقرار باحثين إسرائيليين بفشل خطة تسليح العشائر التي شبّهوها بتجربة «جيش لحد» في لبنان. وفي المقابل، يرى محللون غربيون أن حماس تستخدم وقف النار لترميم سلطتها وتثبيت «أمن وطني فلسطيني» مستقل عن الاحتلال، في حين يسمح الاتفاق ببقاء قوات إسرائيلية وأجنبية داخل القطاع. ويرى مراقبون أن ما يجري في غزة هو إعادة تعريف للسيادة الفلسطينية: سلطة أمن وسيادة مراقَبة، لا إدارة خدمات. فاستعادة الانضباط الداخلي غدت شرطاً لأي اعتراف سياسي أو تمويل دولي لمرحلة ما بعد الحرب، حيث تتحول البندقية من رمز للمقاومة إلى أداة لضبط النظام.
وفي هذا الإطار، تشير القدس العربي إلى تحليل لتسفي برئيل في هآرتس، يرى أن واشنطن تتجه إلى التعامل البراغماتي مع حماس كقوة أمر واقع، وفق ما أظهرته تصريحات ترامب الذي ألمح إلى إمكانية منحها دوراً أمنياً مؤقتاً ضمن خطة لا تشترط تفكيكها بل تحويلها إلى كيان سياسي غير مسلح، على غرار تجربة حزب الله في لبنان.
وبالتوازي، تتسارع ترتيبات تشكيل قوة الاستقرار الدولية في غزة — بعثة متعددة الجنسيات، بتفويض أممي مستوحى من نموذج هايتي. وتمثل هذه القوة صيغة جديدة لـ«السيادة المراقَبة» في غزة: وجود فلسطيني إداري تحت إشراف دولي، يقابله انسحاب إسرائيلي جزئي، ليبقى القطاع في منطقة رمادية بين التحرر الكامل واستمرار الوصاية.
ويصف مراقبون هذه اللحظة بأنها إعادة تعريف للسيادة ذاتها؛ فلا غزة حرة بالكامل، ولا محتلة بالكامل، بل تقع في فضاء رمادي بين الدولة والحصار، بين الحكم الذاتي والمراقبة الأممية.
وبين هذه الآراء المتباينة، تبرز حقيقة أن المقاومة لم تعد وحدها عنوان المشهد الفلسطيني، بل أصبحت جزءاً من معادلة أعقد تشمل ثلاثة اتجاهات رئيسية: المقاومة، والشرعية، والإدارة. وهذا يضع حماس أمام مفترق طرق تاريخي: إما أن تتحول إلى ركيزة في بناء الشرعية الفلسطينية الجديدة، أو أن تُحاصر في ماضٍ عسكري لا مكان له في معادلات ما بعد الحرب.
وفيما أكدت الحركة في بيان لها أنها لا ترغب في المشاركة في أي ترتيبات إدارية تخص حكم قطاع غزة، معلنة موافقتها على تشكيل لجنة «للإسناد المجتمعي» تتولى مؤقتاً إدارة شؤون القطاع إلى حين التوصل إلى توافق وطني حول لجنة إدارة جديدة، يرى محللون أن ما تقوم به حماس من ملاحقة للعصابات وتسليم للجثامين وضبط للميدان، هو في جوهره محاولة لترميم مفهوم السيادة من الداخل قبل أن تُفرض من الخارج — بعد أن تحولت البندقية من أداة مقاومة إلى جزء من منظومة سياسية تسعى إلى انتزاع الاعتراف الدولي لا مجرد رد العدوان.
تحركات دولية متسارعة
تسارعت التحركات الدولية في الأيام الأخيرة لرسم ملامح المرحلة الانتقالية في قطاع غزة بعد صمود وقف إطلاق النار بين إسرائيل وحركة حماس، في وقت تشهد فيه المنطقة نشاطاً دبلوماسياً مكثفاً تقوده فرنسا وبريطانيا والولايات المتحدة لإقرار مشروع قرار في مجلس الأمن يهدف إلى تأسيس قوة دولية لإرساء الأمن في القطاع.
ووفق ما كشفته صحيفة الغارديان، فإن المجلس يستعد لتقديم اقتراح بدعم أوروبي وأميركي يمنح هذه القوة صلاحيات واسعة للسيطرة على الأمن في غزة، على أن تكون مصر في مقدمة الدول المشاركة وربما القيادة. وتضغط واشنطن لأن تحظى القوة بتفويض من الأمم المتحدة دون أن تكون بعثة حفظ سلام تقليدية، لتعمل بصلاحيات مشابهة لتلك الممنوحة للقوات الدولية في هايتي، وبمشاركة كل من تركيا، وإندونيسيا، وأذربيجان، ومصر، في حين لن تشارك قوات أوروبية ميدانياً.
وذكرت الصحيفة أن بريطانيا أرسلت مستشارين إلى خلية أميركية داخل إسرائيل تشرف على تنفيذ المرحلة الثانية من خطة ترامب المكونة من 20 بنداً، والتي تنص على إنشاء ما يُعرف بـ«قوة الاستقرار في غزة» بإشراف «مجلس السلام» برئاسة ترامب وعضوية رئيس الوزراء البريطاني الأسبق توني بلير. وتعتبر لندن أن الهدف النهائي هو إقامة دولة فلسطينية موحدة تضم الضفة الغربية والقدس الشرقية، وقد بدأت بالفعل تدريب قوة من الشرطة الفلسطينية ضمن التحضيرات لذلك.
ووفق الدبلوماسيين الغربيين، فإن نزع سلاح حماس يمثل التحدي الأكبر، إذ يُرجّح أن تبدأ العملية بالأسلحة الثقيلة وقاذفات الصواريخ، بينما تؤجل مسألة الأسلحة الفردية. وتشير الغارديان إلى أن هناك نقاشات حول إمكانية أن تسلم حماس أسلحتها لهيئة فلسطينية بإشراف دولي لحفظ ماء الوجه، مع بقاء منطقة عازلة تحت السيطرة الإسرائيلية.
وفي موازاة هذه الترتيبات، تتجه القاهرة إلى الإعلان عن لجنة إدارية من 15 تكنوقراطياً فلسطينياً لإدارة شؤون القطاع مؤقتاً، بعد حصولها على توافق فصائلي ومراجعة إسرائيلية للأسماء. وتنعقد في القاهرة مطلع نوفمبر المقبل قمة دولية لإعادة إعمار غزة، يتوقع أن تحدد ملامح المرحلة السياسية والأمنية المقبلة، وسط سباق دولي لتثبيت التفاهمات وتحويل هدنة غزة إلى سلام قابل للحياة.
الشرعية المؤسساتية
شكلت موجة الاعترافات الدولية المتتالية بدولة فلسطين في سبتمبر الماضي، تحوّلًا نوعيًا من الاعتراف الدبلوماسي إلى الاعتراف القانوني، بما يرسّخ انتقال فلسطين من «كيان سياسي» إلى «دولة» فاعلة في النظام الدولي.
يمنح هذا التحول فلسطين أدوات جديدة في ميدان القانون الدولي، ويحوّل أي ممارسة احتلالية إلى خرق مباشر للشرعية الدولية، لا مجرد انتهاك لقرارات أممية، حتى وإن كانت ولادة «لسيادة متخيلة» تسبق السيادة الفعلية، لكنها تفرض واقعًا قانونيًا يصعب تجاوزه.
ترافقت التحركات الدبلوماسية مع مسار ميداني عنوانه الانتقال من «إخماد النار» إلى «إدارة الركام» بعد قمة شرم الشيخ، فخطط إعادة الإعمار وإزالة الأنقاض — من قمة شرم الشيخ إلى المقترحات الأوروبية — تكشف إدراكًا بأن السيادة لا تُمارس فقط على الأرض، بل أيضًا في القدرة على إدارة ما بعد الحرب. غير أن غياب الثقة المتبادلة وضعف القدرة الإدارية الفلسطينية، واحتمال تآكل الدعم الدولي، تجعل من كل انتصار سياسي لحظةً مؤقتةً مهددة بالانكشاف، ما لم يُترجم إلى مؤسسات قادرة على الصمود.
ولم يعد الخطاب الدولي يتحدث عن «حقوق الشعب الفلسطيني» بقدر ما يتحدث عن «دولة فلسطين». هذا التحول الرمزي يكرّس انزياحًا في الوعي العالمي: من التعاطف الإنساني إلى الاعتراف المؤسسي، ومن الشرعية الثورية إلى الشرعية القانونية. لم يعد الفلسطينيون مجرد ضحايا يطالبون بالحماية، بل أصبحوا أعضاء في المجتمع الدولي يمتلكون حق الدفاع عن سيادتهم ضمن قواعد النظام العالمي الجديد.
كانت حرب غزة الدافع الكامن وراء التحركات الدبلوماسية اللاحقة. فقد خلقت الكارثة الإنسانية والجمود السياسي السابق فراغًا استوجب تدخلاً إقليميًا ودوليًا عاجلاً، تمثل في قمة شرم الشيخ. بعبارة أخرى، كانت الحرب صرخة الوجود الجريحة التي أيقظت الضمير الدولي، حيث سعت الأمم المتحدة إلى تأصيل الحق السياسي بالاعتراف، ثم جاءت قمة شرم الشيخ لتضميد الجرح العسكري بالهدنة، في مسار متعرج يثبت أن السياسة الدولية غالبًا ما تتحرك على إيقاع المأساة، لكن التحدي يظل في كيفية تحويل هذا الاعتراف المتنامي من فعل رمزي إلى حقيقة جغرافية وسياسية على الأرض.
وعلى الرغم ـ من الناحية السياسية ـ أن قمة شرم الشيخ مثلت انتصارًا مؤقتًا للدبلوماسية وخطوة نحو «سلام» أعلنه الرئيس الأميركي، لكنها تظل محاطة بهواجس عدم الثقة تجاه الالتزام الإسرائيلي، خاصة وأنها أغلقت في جوهرها ملف العمليات العسكرية دون الخوض العميق في جوهر القضية، وهو المصير السياسي لغزة والحل الدائم للصراع.
حيث تتطلب إدارة الأزمات الإنسانية آليات رقابية وضمانات تنفيذية؛ فمؤتمر إعادة الإعمار الذي اقترحته مصر والدعوات الأوروبية للإشراف الدولي يمثلان مفتاحين لنجاح أي عملية إعادة بناء. من دون آليات شفافة ومساءلة دولية، تتحول الأموال والجهود إلى سداد جزئي لندوب لن تُغلق.
ويمكن القول، إن اتفاقية شرم الشيخ، مفصّلة من حيث النوايا، لكن التنفيذ يواجه ثلاثة تحديات بنيوية:
(1) غياب الثقة المتبادلة بين الأطراف،
(2) قدرة إدارية فلسطينية محدودة لإدارة مرحلة انتقالية معقدة،
(3) احتمال تآكل الدعم الدولي مع تبدّل أولويات المانحين أو تعقّد الأجندات الإقليمية.
لذلك فإن هذا الانتصار الدبلوماسي قد يتحوّل إلى استنزاف طويل إن لم تُحكم قواعد التنفيذ، وقمة شرم الشيخ التي سعت إلى تأسيس لشرعية سياسية جديدة وهندسة إقليمية متجددة، يتطلب نجاحها الكلي، تحويل الانزياح السياسي الحالي إلى مؤسسات قابلة للصمود، وإلا فإن كل وثيقة مهما كانت باهرة قد تتحول إلى ذكرى دبلوماسية تُنحَت في ذاكرة المصائب.
وفي اللحظة الراهنة، يمرّ الشرق الأوسط بمنعطف تاريخي قد يعيد رسم قواعد السيادة والشرعية، إذا أحسنت الأطراف المعنية إدارة هذا التحوّل. وتستمدّ هذه القراءة خطوطها من مخرجات قمة شرم الشيخ وتحليلاتها، لتقدّم إطارًا مفاهيميًا نقديًا وعمليًا للتعامل مع مرحلة ما بعد القمة.
الصراع الفلسطيني - الفلسطيني: الجرح الذي يؤجل الدولة
في خضم التحولات الكبرى، يطفو مجددًا التحدي الأخطر على الوجود الفلسطيني: الصراع الداخلي. منذ الانقسام عام 2007 بين غزة والضفة، تحوّل الانشقاق السياسي إلى بنية مستقرة من التنازع على الشرعية. هذا الانقسام أنتج جيلًا كاملًا وُلد في ظل سلطتين متوازيتين، كلتاهما تدّعي تمثيل الوطن.
تعمّق الصراع لاحقًا مع تراكم المصالح الأمنية والاقتصادية بين نخَب محلية، ومع تغلغل قوى إقليمية ودولية استثمرت في الانقسام كأداة ضبط للفعل الفلسطيني. اليوم، وبعد حرب أنهكت الجميع، لا يمكن لأي اتفاق سياسي أو إعادة إعمار أن تنجح ما لم يُعالَج هذا الجذر البنيوي للصراع. فالانقسام يمثل تهديدًا وجوديًا لفلسطين ولقضيتها؛ فكيف يمكن بناء سيادة موحدة بينما السلطة مقسّمة، والسلاح موزّع، والشرعية متنازعة؟
أخطر ما يواجه الفلسطينيين ليس الاحتلال وحده، بل تفكك الذات الوطنية الذي قد يحوّل الكيان الفلسطيني إلى مجرد إدارة مناطق، لا دولة ذات قرار. وكلما طال الصراع الفلسطيني–الفلسطيني، تقلصت المساحة المتبقية للسيادة الفلسطينية، وكل تأجيل للمصالحة؛ خطوة غير معلنة نحو نفي فكرة الدولة نفسها.
في بنية التاريخ الفلسطيني تكمن مفارقة جارحة: أن نضال شعب من أجل التحرر الوطني تحوّل بمرور الزمن إلى صراع داخلي على شرعية هذا التحرر ذاته. فمنذ اللحظة التي خرجت فيها منظمة التحرير الفلسطينية من رحم المنافي عام 1964 وهي تحمل راية الكفاح الوطني، بدأ التنازع الخفي بين من يرى أن المقاومة طريق الخلاص، ومن يرى أن الدولة هي المآل الطبيعي لأي مقاومة ناجحة. ومع مرور العقود، لم يعد الخلاف بين رؤيتين، بل انقسم المشروع الفلسطيني نفسه إلى جبهتين، كلٌّ تدّعي احتكار الشرعية باسم الوطن.
تشكلت جذور هذا الانقسام مع توقيع اتفاقيات أوسلو عام 1993، التي أفرزت السلطة الوطنية الفلسطينية كأول كيان إداري على الأرض منذ النكبة. بدا حينها أن الفلسطينيين يقتربون من حلم الدولة، لكن الاتفاق حمل في طياته بذور الانقسام اللاحق؛ إذ تحولت السلطة إلى سلطة بيروقراطية أكثر من كونها مشروع تحرر، وبدأت تتآكل شرعيتها الشعبية مع تفاقم الفساد وتراجع الأمل في إنهاء الاحتلال.
وفي تلك الأثناء، كانت حركة «حماس» - التي وُلدت من رحم الإخوان المسلمين عام 1987 - تكرّس خطابًا موازياً يقوم على شرعية المقاومة بوصفها النقيض التاريخي للتسوية السياسية. وحين فازت «حماس» في الانتخابات التشريعية عام 2006، تحوّل الخلاف إلى صدام، وتحوّل الصدام إلى انقسام مؤسسي كامل بعد عام واحد، حين سيطرت الحركة على قطاع غزة بينما احتفظت «فتح» بالضفة الغربية.
ومنذ ذلك التاريخ، يعيش الفلسطينيون تحت سلطتين متوازيتين تتنازعان الاسم نفسه: السلطة الوطنية. في الضفة سلطة ترتبط باتفاقيات دولية وتخضع لإيقاع التنسيق الأمني مع الاحتلال، وفي غزة سلطة تقوم على منظومة مقاومة مسلحة ترى في سلاحها ضمانة للبقاء، وترتبط ببعض الأجندة الخارجية. هذا الانقسام لم يكن مجرد خلاف سياسي، بل إعادة تعريف جوهر «من يحكم» و«بأي شرعية».
تدخّلت الأطراف الإقليمية في لحظة ضعف البنية الداخلية لتصب الزيت على نار الانقسام. دعمت إيران وقطر وتركيا حماس بما تمثله من محور مقاومة في معادلاتهم الإقليمية، بينما دعمت مصر والسعودية والإمارات ومعظم الدول العربية مسار السلطة في رام الله باعتباره امتدادًا للمشروعية العربية التقليدية. وهكذا تحوّل الانقسام الفلسطيني إلى مرآة لصراع النفوذ في الشرق الأوسط، وأضحى الفلسطينيون ساحة لتصفية الحسابات الإقليمية أكثر منهم قضية تحرر وطني قائمة بذاتها.
ومع تعاقب الحروب على غزة - 2008، 2012، 2014، 2021، ثم حرب الإبادة (2023–2025) - ترسخت ظاهرة أخطر: نشوء بنية اجتماعية–اقتصادية جديدة تغذّي الانقسام. فقد نشأ اقتصاد حرب موازٍ، تديره شبكات تهريب وتجارة أنفاق ومجموعات مسلحة محلية، بعضها مرتبط بعشائر وأخرى بجهات خارجية. ومع طول أمد الحرب الأخيرة، تفككت منظومة الانضباط الأمني وظهرت في غزة مجموعات مسلحة خارجة عن السيطرة، بعضها يتذرع بالمقاومة، وبعضها يمارس الإجرام والارتزاق والتعاون مع الاحتلال تحت عناوين وطنية زائفة.
اليوم، ومع سريان اتفاق وقف إطلاق النار واتفاق شرم الشيخ، تتكشف طبقات جديدة من الأزمة: الأجهزة الأمنية في غزة تخوض معركة داخلية لإعادة فرض النظام وملاحقة «العصابات المسلحة» التي استغلت الفوضى. هذه الظاهرة ليست طارئة، بل امتداد طبيعي لفراغ السيادة الذي أنتجه الانقسام. فحين تفقد الدولة احتكارها للسلاح، تُولد الميليشيا بوصفها بديلاً مشوَّها للسلطة، وحين يتآكل الإجماع الوطني، تصبح البنادق المتعددة هي اللغة الوحيدة الممكنة.
وبناء على ذلك، فظهور هذه العصابات ليس مجرد انحراف أمني، بل تجلّ لخلل أعمق في بنية الشرعية الفلسطينية نفسها. فكل كيان منقسم يولّد حوله فضاءات رمادية يتحرك فيها المسلحون بلا ولاء واضح، ينهبون باسم المقاومة، ويتعاملون مع الاحتلال باسم النجاة. وهذا ما يفسر سرعة تحرك الأجهزة الأمنية في غزة بعد الحرب لملاحقتهم، مدركة أن معركة «ما بعد الحرب» أخطر من معركة الجبهات؛ لأنها معركة على هوية المجتمع نفسه: هل ستبقى غزة كيانًا منظّمًا يخضع لسلطة فلسطينية في إطار دولة موحدة، أم ستنزلق إلى نموذج «المناطق الرمادية» التي تسيطر عليها العصابات، كما حدث في دول انهارت فيها الدولة تحت ضغط السلاح والفساد؟
في ظل تعقيدات هذا المشهد، أضحى الرهان على الوعي المجتمعي الذي يجعل بوابات الأمل، وإن كانت ضيقة، لا تزال مفتوحة. فهناك وعي متنامٍ بين النخب والجماهير الفلسطينية بخطورة الانقسام، وتجارب حوارية متكررة وإن لم تنجح بعد. كما أن تغير بعض الأولويات الإقليمية قد يخلق فرصًا للوساطة.
وخلاصة القول فإن أي مصالحة حقيقية لن تتحقق إلا بتحول جذري في الثقافة السياسية، يقوم على قبول الآخر، والتضحية بالأجندات الضيقة لصالح المصلحة الوطنية العليا، وبناء نظام سياسي تشاركي حقيقي. فالشعب الفلسطيني، الذي صمد طويلاً في وجه الاحتلال، يدفع ثمناً باهظًا لانقسام قياداته، وهو ثمن لم يعد قادرًا على تحمّله.
والتحدي الراهن لا يكمن في وقف إطلاق النار أو في مفاوضات الإعمار، بل في استعادة السيادة الفلسطينية الداخلية قبل أي سيادة دولية. فالقضية اليوم لم تعد فقط بين الفلسطينيين والاحتلال، بل بين الفلسطينيين أنفسهم حول سؤال وجودي: من يعرّف الشرعية؟ ومن يتحدث باسم الدولة القادمة؟
هذا السؤال، الذي ظل مؤجّلًا منذ أوسلو، يطل اليوم برأسه وسط الركام في غزة. فإما أن تُستعاد الدولة من بين فوضى البنادق، أو يتحول الركام إلى أرض خصبة لولادة صراعات جديدة لا تبقي ولا تذر. فقد أفرزت الحرب واقعًا عاريًا، ولا وطن يمكن أن يولد من رحم الانقسام، ولا مقاومة يمكن أن تعيش دون دولة تحميها.
إن الفلسطينيين اليوم أمام لحظة تاريخية فاصلة، حيث يقف مشروعهم الوطني على حافة نفقين؛ أحدهما يقود إلى مصالحة تعيد بناء الشرعية على قاعدة المشاركة والسيادة، والآخر يفضي إلى تفكك دائم تتحكم فيه العشائر والمليشيات والولاءات الخارجية. وفي ظل إعادة رسم خريطة الإقليم بعد قمة شرم الشيخ، سيكون الصراع الفلسطيني–الفلسطيني الاختبار الحقيقي لأي سلام، لأن الدولة التي تعجز عن توحيد بنادقها، لن تقدر على حماية علمها.
وما بين لحظة الحرب ولحظة الدولة، يتحرك التاريخ العربي نحو امتحانه الأصعب: أن يبني من الألم شرعية وطنية جامعة، ومن الفوضى نظامًا مؤسساتيًا متينًا، ومن الرماد وطنًا فلسطينيًا قادرًا على حكم نفسه بعقله لا بسلاحه، بدعم عربي يضمن وحدة الصف واستدامة السلام.