في مشهد مهيب عند أقدام الأهرامات الخالدة، افتتحت مصر رسمياً المتحف المصري الكبير، أضخم متحف أثري في العالم مكرّس لحضارة واحدة، ليشكل علامة مضيئة في سجل الإنسانية، ويُتوَّج أكثر من عقدين من العمل المتواصل ليصبح جسراً يربط الماضي بالحاضر، والإنسان المصري بأمجاد أجداده.
يقع المتحف المصري الكبير على هضبة الجيزة، على بُعد كيلومترين فقط من الأهرامات، ويمتد على مساحة نصف مليون متر مربع، في موقع استراتيجي يطل مباشرة على إحدى عجائب الدنيا السبع.
يضم الصرح أكثر من 100 ألف قطعة أثرية تسرد فصول الحضارة المصرية، ويحتضن مجموعة الملك توت عنخ آمون كاملة لأول مرة، تضم أكثر من 5000 قطعة نادرة، إلى جانب تمثال الملك رمسيس الثاني الذي يستقبل الزائرين شامخاً في بهو المتحف العظيم.
بدأت فكرة إنشاء المتحف عام 1992، ووضِع حجر الأساس عام 2002، قبل أن تفوز الشركة الأيرلندية "هينغان بنغ" بتصميمه المبتكر الذي يمزج بين الأصالة والحداثة.
بدأ بناء المتحف المصري الكبير في مايو 2005، وأُنشئ عام 2006 أكبر مركز لترميم الآثار في الشرق الأوسط، ليهتم بحفظ وصيانة وتأهيل القطع الأثرية. في 2016 أُنشئت هيئة المتحف، وصدر 2020 قانون ينظمها كجهة عامة مستقلة ماليًا وإداريًا، ويترأس مجلس أمنائها الرئيس عبد الفتاح السيسي مع خبراء محليين ودوليين.
وصل تمثال رمسيس الثاني إلى البهو العظيم في 2018، واكتملت أعمال البناء والبنية التحتية الرقمية بين 2020 و2021، وافتُتح "الدرج العظيم" جزئيًا عام 2023. وفي الأول من نوفمبر 2025 جرى الافتتاح الرسمي بحضور 79 وفدًا دوليًا، ليصبح أكبر متحف عالمي مكرس للحضارة المصرية.
على مدى أكثر من عشرين عاماً، شارك آلاف المهندسين والمرممين والعلماء المصريين والدوليين في تشييد هذا المعلم الذي تجاوزت تكلفته مليار دولار، بدعمٍ أساسي من الوكالة اليابانية للتعاون الدولي (جايكا) التي أسهمت في التمويل والتدريب ونقل التكنولوجيا، في نموذج فريد من الشراكة الثقافية بين مصر واليابان.
شهد حفل الافتتاح حضوراً كبيراً ضم 79 وفدًا دوليًّا، من بينهم 39 برئاسة ملوك وأمراء ورؤساء دول وحكومات، وشارك فيه 18 رئيس دولة و8 رؤساء وزراء و40 وفدًا وزاريًّا وبرلمانيًّا، إلى جانب ممثلين عن منظماتٍ دولية وإقليمية.
وافتتح الرئيس عبد الفتاح السيسي الحفل بكلمةٍ رحّب فيها بالضيوف قائلاً إن المتحف "يجمع بين عبقرية المصري القديم وإبداع المصري المعاصر، ويعكس رسالة مصر في نشر السلام والتفاهم بين الشعوب"، مؤكدًا أن هذا الإنجاز "ليس مجرد مكانٍ لحفظ الآثار، بل شهادة حيّة على عبقرية الإنسان المصري عبر العصور".
وأشاد الرئيس بالدعم الياباني وبالجهود المصرية الخالصة التي امتدت لسنوات، مؤكدًا أن المتحف "يُجسّد وحدة الإنسانية وقيم المحبة والتعاون بين الأمم"، وأن افتتاحه من أرض مصر الطيبة، مهد الحضارة الإنسانية، يمثل إضافةً جديدة لعالم الثقافة والفنون، ومعلمًا يلتف حوله كل محبٍّ للمعرفة والجمال.
تخلل الحفل عرض موسيقي عالمي بعنوان "رسالة للسلام" من تأليف الموسيقار هشام نزيه بمشاركة 121 فناناً من 70 دولة، جسّد بانسجامه الفني روح مصر التي تحتضن الإنسانية بكل أطيافها.
وفي عرضٍ فنيٍّ أسطوري ضمن فعاليات الافتتاح، وقفت سيدة ترتدي ثوبًا أبيض يشعّ نورًا كأنه من بريق النيل، لتقول بصوتٍ مفعم بالعزة: "هنا اتكتب أول قانون للبشر... قانون ماعت، دستور العدل".
ثم تابعت: "لا تقتل، لا تسرق، لا تخن وعدك، احمِ الأرض والزرع، وراعِ حقوق المرأة".
كانت كلماتها تلخيصًا لرسالة المتحف نفسه: أن مصر لم تُعطِ للعالم آثارًا فحسب، بل قدّمت له أول مفهوم للعدالة والضمير الإنساني.
وخلال الحفل، وضع قادة الدول المشاركون قطعًا رمزية تحمل أسماء بلدانهم في نموذج مصغّر للمتحف، كرمزٍ لمشاركة شعوبهم في هذا الصرح الإنساني، فيما وضع الرئيس السيسي القطعة الأخيرة التي تمثل مصر، إيذانًا بالافتتاح الرسمي وسط تصفيقٍ امتزج فيه صوت التاريخ بصوت الحاضر.
يضم المتحف مجموعة من أبرز العناصر المعمارية والثقافية في العالم:
المسلة المعلقة: أول مسلة في التاريخ تُعرض أفقياً، تحمل نقوش رمسيس الثاني وتستقبل الزوار أمام الواجهة الزجاجية الكبرى.
البهو العظيم: يعرض تماثيل ملوك مصر العظام، يتصدرها رمسيس الثاني بارتفاع 11 متراً.
الدرج العظيم: يروي رحلة الملوك من الأرض إلى السماء عبر تماثيل عملاقة تحاكي المعابد القديمة.
متحف مراكب خوفو: يحتضن مركب الملك خوفو الشمسي الذي نُقل قطعة واحدة عام 2021 في عملية هندسية دقيقة ووصِف بأنه “نقل القرن”.
قاعات توت عنخ آمون: تُعرض فيها كنوز الفرعون الذهبي كما وُجدت في مقبرته بوادي الملوك، لتمنح الزائر تجربة فريدة تحاكي عبق التاريخ.
وكانت منظمة اليونسكو أكدت أن المتحف المصري الكبير يمثل "علامة فارقة في مسيرة الإنسانية للحفاظ على تراثها الثقافي"، ويجسد التقاء الحضارة بالتكنولوجيا الحديثة من خلال توثيق رقمي شامل لكل قطعة أثرية، ومركز ترميم يُعد الأكبر في الشرق الأوسط.
فيما أشار رئيس الوزراء المصري مصطفى مدبولي إلى أن المتحف "ليس فقط مشروعاً مصرياً، بل هدية مصر للعالم"، معرباً عن تطلع بلاده لأن يكون المتحف مركزاً للحوار بين الحضارات ومنارة للسلام والمعرفة.
ومن المقرر أن يفتح المتحف أبوابه للجمهور في 4 نوفمبر 2025، ومن المتوقع أن يستقبل أكثر من 5 ملايين زائر سنوياً، ليكون مركز إشعاع ثقافي وسياحي عالمي يربط بين عبقرية المصري القديم وإبداع المصري المعاصر، ويؤكد أن مصر لا تحفظ التاريخ فقط، بل تكتبه من جديد.