تتسارع مؤشرات القلق الدولي حيال احتمال انزلاق التوتر المتصاعد بين الولايات المتحدة وإيران إلى مواجهة مفتوحة، في ظل إجراءات احترازية غير مسبوقة اتخذتها عدة دول كبرى شملت تحذير رعاياها وتقليص حضورها الدبلوماسي في عدد من دول المنطقة، ما يعكس تقديرات بوجود مخاطر أمنية حقيقية قد تتجاوز حدود الاشتباك السياسي إلى سيناريوهات ميدانية.
التحركات المتزامنة لكل من الولايات المتحدة والصين وبريطانيا وفرنسا وألمانيا تشير إلى أن الأزمة لم تعد مجرد تبادل رسائل نارية بين طهران وواشنطن، بل دخلت مرحلة حساسة قد تؤدي إلى تداعيات عسكرية أو أمنية واسعة، تمتد آثارها إلى "إسرائيل" والأراضي الفلسطينية وربما إلى مسارح إقليمية أخرى، في حال خرجت الأمور عن السيطرة.
خطوات أميركية احترازية
أعلنت السفارة الأميركية في "إسرائيل" ، عبر منشور على منصة “إكس”، السماح بمغادرة عدد من موظفيها وعائلاتهم بسبب “مخاطر أمنية”، مع إمكانية فرض قيود إضافية على تحركات موظفي الحكومة الأميركية إلى مناطق محددة، بما في ذلك البلدة القديمة في القدس والضفة الغربية، دون إشعار مسبق. كما نصحت واشنطن مواطنيها بدراسة خيار مغادرة "إسرائيل"، رغم استمرار عمل الرحلات الجوية التجارية.
هذه الخطوة تعكس تقييماً أمنياً أميركياً يرجّح احتمالية تصعيد مفاجئ، في وقت تتزايد فيه المخاوف من أن تتحول أي شرارة عسكرية إلى مواجهة أوسع قد تشمل أطرافاً إقليمية حليفة للطرفين.
الصين تدعو إلى مغادرة إيران فوراً
من جهتها، طلبت بكين من مواطنيها في إيران المغادرة “في أسرع وقت ممكن”، وأكدت وزارة الخارجية الصينية وجود “ارتفاع كبير في المخاطر الأمنية في الشرق الأوسط”. كما حذرت سفارتها في "إسرائيل" الرعايا الصينيين من الخروج إلا للضرورة القصوى، داعية إلى التعرف المسبق على مواقع الملاجئ وخطط الإخلاء.
التحذير الصيني المباشر من مغبة البقاء في إيران يعكس تقديراً بأن احتمالات تدهور الوضع لم تعد مستبعدة، خصوصاً في ظل التصعيد الخطابي والعسكري غير المباشر بين طهران وواشنطن.
بريطانيا تقلص وجودها في طهران
بريطانيا أعلنت سحب موظفيها مؤقتاً من إيران، وأوضحت أن سفارتها باتت تعمل عن بُعد مع تعليق الخدمات القنصلية المباشرة، حتى في حالات الطوارئ. كما نصحت الخارجية البريطانية بعدم السفر إلى "إسرائيل" والأراضي الفلسطينية إلا للضرورة القصوى، ونقلت عدداً من طاقمها الدبلوماسي خارج تل أبيب.
وفي تحديث لاحق، وسّعت لندن تحذيراتها لتشمل اليمن وسوريا، في إشارة إلى خشية انتقال أي تصعيد محتمل إلى ساحات نزاع أخرى مترابطة إقليمياً.
فرنسا وألمانيا: تحذيرات شاملة من السفر
وزارة الخارجية الفرنسية أوصت رعاياها بعدم السفر إلى "إسرائيل" والقدس والضفة الغربية، حتى لأغراض السياحة أو الزيارات العائلية، ودعت الموجودين هناك إلى تجنب التجمعات والمظاهرات والتعرف إلى مواقع الملاجئ.
أما ألمانيا فأصدرت تحذيراً واضحاً بعدم السفر إلى "إسرائيل”، في خطوة تعزز صورة القلق الأوروبي من احتمالية تحول التصعيد السياسي إلى مواجهة عسكرية مفاجئة.
مخاطر الانزلاق إلى مواجهة إقليمية
تزامن هذه الإجراءات من قوى دولية كبرى يعكس إدراكاً متزايداً بأن أي احتكاك مباشر بين الولايات المتحدة وإيران قد يؤدي إلى سلسلة من الردود المتبادلة، قد تشمل استهداف مصالح أو مواقع حيوية في المنطقة، ما يفتح الباب أمام اضطرابات أمنية واسعة النطاق.
المخاطر لا تقتصر على اشتباك ثنائي، بل تمتد إلى احتمال تورط حلفاء إقليميين، أو اندلاع مواجهات بالوكالة في أكثر من ساحة، الأمر الذي قد يهدد الملاحة الدولية واستقرار أسواق الطاقة، ويزيد من هشاشة الأوضاع في دول تشهد أساساً أزمات سياسية وأمنية.
في ظل هذه المعطيات، تبدو المنطقة أمام مرحلة دقيقة، يتداخل فيها التصعيد السياسي مع الحسابات العسكرية، بينما تترقب العواصم الدولية ما إذا كان التصعيد سيظل في حدود الضغط المتبادل، أم سيتحول إلى مواجهة مفتوحة يصعب احتواؤها.