بعد 34 يومًا على اندلاع الحرب، أصبحت تداعيات النزاع الأمريكي-الإسرائيلي على إيران عاملًا حاسمًا يعيد تشكيل سلوك المستثمرين وآليات تسعير الأصول عبر الأسواق العالمية. وقد أظهرت الأسواق حساسية كبيرة تجاه التطورات السياسية، وهو ما تجلّى بوضوح بعد خطاب الرئيس الأمريكي دونالد ترمب، الذي أثار تحركات سريعة وملحوظة في أسواق النفط والعملات والأسهم، مؤكّدًا دخول الأسواق مرحلة جديدة تتسم بـ"الاستجابة الفورية للتطورات السياسية".
على صعيد الطاقة، شهدت أسواق النفط تحولًا جذريًا في آليات التسعير، حيث تجاوزت الأسعار حدود التوازن التقليدي بين العرض والطلب لتصبح أكثر تأثرًا بالمخاطر الجيوسياسية واحتمالات اضطراب الإمدادات، ما يعكس مرحلة جديدة من إعادة هيكلة الأسواق العالمية.
فقد قفزت الأسعار بأكثر من 7% مع تلاشي مؤشرات التهدئة، في إشارة إلى أن الأسواق باتت تسعر احتمالات استمرار اضطراب الإمدادات وليس فقط واقعها الحالي. وسجل خام غرب تكساس الوسيط عند التسوية نحو 111.54 دولارًا للبرميل بزيادة تجاوزت 11%، وهي أكبر قفزة منذ عام 2020، فيما صعد خام برنت إلى قرابة 109 دولارات.
ويأتي هذا الأداء في ظل تصاعد المخاطر المرتبطة بمضيق هرمز، الذي يمر عبره نحو 20% من إمدادات النفط العالمية، ما دفع بعض المتعاملين إلى تجنب الشحنات المرتبطة بالممرات عالية المخاطر، وإعادة تقييم نماذج التسعير لتشمل "علاوة المخاطر الجيوسياسية".
كما تعززت الضغوط على الإمدادات العالمية بفعل عوامل إضافية، من بينها احتمالات تراجع الإنتاج الروسي نتيجة الأضرار التي لحقت بالبنية التحتية للتصدير جراء الهجمات الأوكرانية، ما يفاقم حالة الشح النسبي في المعروض. وظهرت مؤشرات على شُحّ المعروض في السوق الفورية، تمثلت في اتساع الفارق بين الأسعار الفورية والعقود الآجلة، بما يعكس توقعات بنقص الإمدادات على المدى القريب. وتشير تقديرات مؤسسات مالية إلى إمكانية استقرار متوسط أسعار برنت قرب 95 دولارًا في السيناريو الأساسي للربع الثاني، مع احتمالات بلوغه 130 دولارًا في حال استمرار التصعيد.
في أسواق العملات، يؤكد خبراء الاقتصاد ترسخ نمط "الهروب إلى الأمان" بشكل واضح، حيث تدفقت السيولة نحو الدولار الأمريكي باعتباره الملاذ الأكثر سيولة وموثوقية. وقد تزامن ذلك مع ارتفاع عوائد السندات الأمريكية، في دلالة على إعادة تسعير توقعات السياسة النقدية باتجاه الإبقاء على أسعار الفائدة مرتفعة لفترة أطول.
ويعزى هذا التوجه إلى تنامي المخاوف من موجة تضخم جديدة مدفوعة بارتفاع أسعار الطاقة، ما يقلص احتمالات خفض الفائدة في الأجل القريب. وفي المقابل، تعرضت العملات المرتبطة بالنمو، مثل اليورو والجنيه الإسترليني والدولار الأسترالي، لضغوط بيعية ملحوظة، تعكس تراجع شهية المخاطرة عالميًا.
وعلى خلاف الأنماط التقليدية، لم يستفد الذهب من تصاعد التوترات، بل سجل تراجعًا حادًا، حيث انخفض بنحو 3.6% إلى حوالي 4587 دولارًا للأوقية، مواصلًا خسائره منذ بداية الحرب بنسبة تقارب 13%، كما تراجع في تعاملات لاحقة إلى حدود 4651 دولارًا مع انخفاض العقود الآجلة بنسبة 2.8%، ويعكس هذا الأداء تحولًا هيكليًا في سلوك المستثمرين، حيث أصبحت تكلفة الفرصة البديلة، الناتجة عن قوة الدولار وارتفاع العوائد، عاملًا حاسمًا يحد من جاذبية الذهب، رغم مكانته التاريخية كملاذ آمن.
في أسواق الأسهم، ارتبطت المؤشرات وتحركاتها وفقًا للتطورات العسكرية والتصريحات الرسمية. فقد أغلقت الأسواق الأوروبية على تباين مع ميل هبوطي، حيث تراجع مؤشر ستوكس 600، وانخفض كل من داكس الألماني وكاك 40 الفرنسي، فيما سجل فوتسي 100 البريطاني مكاسب محدودة. أما في الولايات المتحدة، فقد افتتحت وول ستريت تعاملاتها على انخفاض، مع تراجع مؤشرات داو جونز وستاندرد آند بورز وناسداك، في ظل تراجع الآمال في نهاية سريعة للصراع وارتفاع مستويات الحذر لدى المستثمرين. كما امتدت التراجعات إلى أسواق الخليج، التي تأثرت بتذبذب المعنويات وارتفاع المخاطر.
وامتد تأثير الأزمة إلى الاقتصاد الحقيقي، حيث ارتفعت تكاليف الطاقة بشكل مباشر، ما انعكس على قطاعات حيوية مثل النقل والطيران والصناعة. فقد سجلت أسعار الديزل في ألمانيا مستويات قياسية رغم الإجراءات الحكومية، بينما ارتفعت أسعار البنزين عالميًا، بما في ذلك الولايات المتحدة، بنحو 65% منذ بداية الحرب، كما اضطرت شركات الطيران إلى إلغاء رحلات أو إعادة توجيهها بسبب إغلاق مجالات جوية، ما أدى إلى زيادة التكاليف التشغيلية واضطراب حركة السفر. وفي السياق ذاته، بدأت الشركات الصناعية الأوروبية تمرير ارتفاع تكاليف الطاقة إلى المستهلكين، ما يشير إلى انتقال الضغوط التضخمية إلى مستويات أوسع من الاقتصاد.
على صعيد السياسات النقدية، تواجه البنوك المركزية معضلة معقدة تتمثل في التوازن بين احتواء التضخم ودعم النمو. فقد اتجهت إلى تبني نهج أكثر حذرًا، مع تراجع فرص التيسير النقدي في الأجل القريب. وفي الولايات المتحدة، ارتفعت أسعار الفائدة على القروض العقارية إلى نحو 6.46%، متأثرة بارتفاع عوائد السندات، فيما قام البنك المركزي الصيني بسحب سيولة من الأسواق لأول مرة منذ عام، في إشارة إلى تحول نحو سياسات أكثر تحفظًا. وفي الأسواق الناشئة، مثل مصر، تم تثبيت أسعار الفائدة مع خفض توقعات النمو، نتيجة الضغوط التضخمية وتراجع الطلب الخارجي.
وتتزايد المخاوف من سيناريو "الركود التضخمي"، الذي يجمع بين تباطؤ النمو وارتفاع الأسعار، وهو من أكثر السيناريوهات تعقيدًا في التعامل معه. وقد انعكست هذه المخاوف في تراجع الأسهم والسندات عالميًا، مقابل ارتفاع النفط والدولار، مع اتجاه المستثمرين إلى تقليل المخاطر وإعادة تموضع محافظهم الاستثمارية.
وفي هذا السياق، برزت تحركات إقليمية لتعزيز أمن الطاقة، حيث اتجه العراق وسوريا إلى توسيع التعاون في هذا القطاع الحيوي. واحتل مشروع إعادة تأهيل خط أنابيب "كركوك – بانياس" موقعًا محوريًا في هذا التعاون، لما يوفره من منفذ استراتيجي لتصدير النفط العراقي عبر الأراضي السورية. كما ناقش الجانبان توريد الغاز المنزلي إلى سوريا لتلبية الطلب المحلي، في إطار جهود دعم أمن الطاقة. وقد شهدت الفترة الأخيرة خطوات عملية، تمثلت في وصول شحنات من الفيول العراقي إلى مصفاة بانياس عبر منفذ التنف، ما يشير إلى بدء تفعيل التعاون على أرض الواقع.
يكشف هذا الاستعراض عن درجة غير مسبوقة من التشابك بين العوامل السياسية والاقتصادية، حيث تصبح نقاط الاختناق الاستراتيجية، على غرار مضيق هرمز، محددات رئيسية لتحركات الأسعار العالمية. ومع استمرار التصعيد، من المتوقع أن تظل الأسواق تحت وطأة تقلبات مرتفعة وضغوط تضخمية مستمرة، ما يستدعي من الحكومات والمؤسسات إعادة تقييم سياساتها واستراتيجياتها للتكيف مع بيئة عالمية معقدة وذات مستوى عالٍ من عدم اليقين.