تشهد الأزمة بين إيران والولايات المتحدة تصعيدًا متسارعًا على المستويين السياسي والعسكري، في ظل استمرار اتفاق وقف إطلاق النار الهش، وتزايد التحذيرات من اتساع رقعة التوتر إلى ممرات بحرية استراتيجية في المنطقة. وفي هذا السياق، لوّحت طهران بإمكانية منع جميع أنشطة التصدير والاستيراد في منطقة الخليج وبحر عُمان والبحر الأحمر، في حال استمرار ما وصفته بالحصار البحري المفروض على سفنها وناقلات النفط، معتبرة ذلك خرقًا للتفاهمات القائمة.
وتحذّر قيادات عسكرية إيرانية من أن استمرار الضغوط البحرية قد يؤدي إلى توسيع نطاق الردود، بما يهدد أمن الملاحة في الممرات الحيوية، وعلى رأسها مضيق هرمز وباب المندب، مع انعكاسات محتملة على أسواق الطاقة والتجارة العالمية.
فيما قالت القيادة المركزية الأمريكية في بيان لها: "لم تتمكن أي سفينة من تجاوز القوات الأمريكية خلال الساعات الـ48 الأولى من حصار موانئ إيران". وأضافت: "امتثلت 9 سفن لتوجيهاتنا بالعودة أدراجها إلى ميناء إيراني أو منطقة ساحلية".
وفي المقابل، تتكثف التحركات الدبلوماسية لاحتواء التصعيد، حيث تؤدي باكستان دورًا محوريًا في جهود الوساطة، بعد وصول قائد الجيش الباكستاني الجنرال عاصم منير ووفد رفيع إلى طهران، في إطار مساعٍ لتمديد وقف إطلاق النار واستئناف التفاوض.
وبحسب مصادر دبلوماسية، تؤكد طهران أن باكستان تمثل القناة الرئيسية لتبادل الرسائل مع واشنطن، فيما تشير تقارير إلى إمكانية عقد جولة مفاوضات جديدة بين الجانبين في إسلام آباد خلال الفترة المقبلة. في المقابل، تواصل الولايات المتحدة اتصالاتها غير المباشرة مع إيران دون التوصل إلى اتفاق نهائي بشأن تمديد الهدنة، رغم الإشارة إلى تقدم نسبي في المحادثات واستمرار الخلافات حول الملفات الجوهرية.
كما تشير التطورات الدبلوماسية الأخيرة إلى حراك متسارع في مسار المفاوضات بين إيران والولايات المتحدة، حيث أفادت مصادر إعلامية متعددة، بينها «أكسيوس» و«وول ستريت جورنال»، بأن الجانبين أحرزا تقدمًا في محادثات غير مباشرة، واقتربا من التوصل إلى اتفاق إطاري محتمل لإنهاء التصعيد. فيما نقلت وكالة بلومبرغ عن مصدر أن الولايات المتحدة وإيران تدرسان تمديد وقف إطلاق النار أسبوعين لإتاحة الوقت للتفاوض على اتفاق سلام.
وفي السياق السياسي الأمريكي، صرّح الرئيس الأمريكي دونالد ترامب بأن المواجهة مع إيران "تقترب من نهايتها"، مؤكدًا أن الضغوط العسكرية والاقتصادية ساهمت في منع طهران من امتلاك سلاح نووي، وداعيًا إلى اتفاق شامل ونهائي يتجاوز التسويات الجزئية. كما شدد نائب الرئيس جيه دي فانس على أن الإدارة الأمريكية تسعى إلى "صفقة كبرى" تنهي الصراع بشكل كامل، مشيرًا إلى استمرار التقدم في مسار التفاوض رغم فجوة انعدام الثقة بين الطرفين.
وفي سياق متصل، برز دعم دولي متزايد لمسار التهدئة، حيث أبلغت الصين إيران، بحسب إعلام رسمي، دعمها استمرار زخم محادثات السلام.
كما أشار مصدر دبلوماسي إلى أن 11 دولة، من بينها بريطانيا واليابان، دعت إلى تحرك منسّق للتعامل مع التداعيات الاقتصادية للحرب في الشرق الأوسط، ما يعكس قلقًا دوليًا متناميًا من اتساع نطاق التوتر الإقليمي.
كما قال الرئيس التركي رجب طيب إردوغان إن بلاده تعمل على دعم استمرار المفاوضات بين الولايات المتحدة وإيران، إلى جانب السعي لتمديد وقف إطلاق النار المؤقت بين الجانبين، في إطار جهود تهدف إلى خفض التصعيد وتعزيز المسار الدبلوماسي.
وقال المتحدث باسم الكرملين دميتري بيسكوف، اليوم الأربعاء، إن الرئيس الروسي فلاديمير بوتين سيزور الصين، لكنه لا يعتزم حتى الآن لقاء الرئيس الأمريكي دونالد ترامب هناك. وأضاف بيسكوف أن الكرملين سيعلن عن مواعيد الزيارة في الوقت المناسب.
وكانت روسيا والصين قد أعلنتا عن تنسيق مشترك لدعم جهود التوصل إلى تسوية سياسية للأزمة المرتبطة بالملف الإيراني في الشرق الأوسط، مع تأكيد الطرفين أهمية استمرار المفاوضات بين طهران وواشنطن وتخفيف حدة التوترات الإقليمية.
وجاء ذلك خلال زيارة وزير الخارجية الروسي سيرغي لافروف إلى بكين، حيث عقد لقاءات رفيعة المستوى توجت باجتماع مع الرئيس الصيني شي جينبينغ، تناول سبل تعزيز التعاون الاستراتيجي بين البلدين، ودعم التحركات الرامية إلى تهدئة الأوضاع في المنطقة.
وأكد الجانبان ضرورة مواصلة الجهود الدبلوماسية بين الولايات المتحدة وإيران، والعمل على التوصل إلى نتائج "عادلة وقابلة للتطبيق"، مع التأكيد على أهمية مراعاة مصالح جميع الأطراف المعنية في أي تسوية مستقبلية.
وفي تصريحات أعقبت اللقاءات، شدد لافروف على دعم موسكو وبكين لاستمرار المفاوضات، مع الدعوة إلى تبني مقاربات واقعية تضمن تحقيق تقدم ملموس في الملف الإيراني، مشيرًا إلى استعداد البلدين لتقديم الدعم والتنسيق السياسي والدبلوماسي في هذا الإطار.
كما تناولت المباحثات أبعادًا أوسع تتعلق بتعزيز الاستقرار الإقليمي في الخليج ومضيق هرمز، عبر فتح قنوات تعاون بين إيران ودول المنطقة، في إطار رؤية مشتركة لتحويل المنطقة إلى فضاء أكثر أمنًا واستقرارًا.
وفيما يخص الملف النووي، أكد لافروف أن روسيا تدعم حق إيران في تخصيب اليورانيوم للأغراض السلمية، مع استعداد موسكو للمساهمة في حلول تقنية ودبلوماسية بشأن هذا الملف، بما في ذلك خيارات تتعلق بإعادة معالجة أو تخزين المواد المخصبة.
من جانبه، شدد الرئيس الصيني على أهمية تعزيز الشراكة الاستراتيجية بين موسكو وبكين، وضرورة العمل المشترك في إطار المنظمات الدولية والإقليمية، بما يسهم في بناء نظام دولي أكثر توازنًا وعدالة.
وتأتي هذه التحركات في وقت تتزايد فيه الجهود الدولية لإحياء مسار التفاوض بين واشنطن وطهران، وسط ترقب لنتائج الاتصالات الجارية وتطورات المشهد الإقليمي.
وتتشابك الأزمة الإيرانية مع تطورات إقليمية أخرى، لا سيما في لبنان، حيث تستمر المواجهات العسكرية جنوب البلاد بين إسرائيل و«حزب الله»، وسط غارات إسرائيلية متواصلة وتباين في المواقف بشأن مقترحات وقف إطلاق النار. وتشير معطيات سياسية إلى أن واشنطن تحاول دفع مسارات تهدئة في لبنان لتخفيف الضغوط الإقليمية والتركيز على مسار التفاوض مع إيران، في وقت تواصل فيه إسرائيل دراسة خياراتها داخل المجلس الوزاري المصغر دون حسم نهائي بشأن وقف العمليات.
وتتجه الأنظار إلى مسار المفاوضات المباشرة بين لبنان وإسرائيل، حيث يُتوقع أن يُعاد رسم دور لجنة «الميكانيزم» مع انتقال محتمل للتفاوض السياسي إلى وفد لبناني جديد. وفي المقابل، أفادت وزارة الصحة اللبنانية بمقتل ثلاثة مسعفين جراء ضربات إسرائيلية في الجنوب، ولاحقًا أعلنت الوزارة مقتل 8 أشخاص وإصابة 11 آخرين إثر غارات على مدينة العباسية ومحيطها في قضاء صور جنوبي البلاد.
كما نقلت وكالة «تسنيم» الإيرانية عن مصدر إيراني أن وقف إطلاق النار في لبنان قد يشكل مؤشرًا إيجابيًا على قرار طهران بشأن الجولة المقبلة من التفاوض، في حين أفادت تقارير بأن الجانبين اتفقا من حيث المبدأ على عقد لقاء جديد دون تحديد موعد أو مكان بعد.
وفي المقابل، قالت مصادر إسرائيلية إن المجلس الوزاري المصغر يدرس التطورات المتعلقة بوقف إطلاق النار، دون التوصل إلى قرار نهائي، في ظل استمرار العمليات العسكرية جنوب لبنان. فيما قال رئيس أركان الجيش الإسرائيلي إيال زامير: "صادقنا على خطط عسكرية لمواصلة القتال في لبنان وإيران".
وفي سياق التوترات الإقليمية الأوسع، تتصاعد المخاوف المرتبطة بأمن الملاحة في منطقة الخليج، حيث صرّح وزير الدفاع الألماني بعدم وجود مؤشرات على إعادة فتح مضيق هرمز قريبًا، بينما أفادت القيادة المركزية الأمريكية «سنتكوم» بأن عددًا من السفن امتثل لتوجيهات بالعودة نحو موانئ أو مناطق ساحلية إيرانية خلال عمليات مرتبطة بالحصار.
وتعمل دول أوروبية على إعادة تنظيم مهمة بحرية لحماية حرية الملاحة في مضيق هرمز بعيدًا عن القيادة الأمريكية المباشرة، في محاولة لتقليل مخاطر التصعيد العسكري. كما أكدت تقارير أن المهمة الأوروبية المرتقبة تهدف إلى تعزيز استقلالية العمليات البحرية وضمان استمرارية تدفق الطاقة.
ويأتي هذا التصعيد متعدد الساحات في ظل تحركات دولية وإقليمية مكثفة لاحتواء الأزمة، عبر الوساطة الباكستانية والاتصالات غير المباشرة، إلى جانب دعم سياسي من أطراف دولية بينها الصين وعدد من الدول الأوروبية، التي دعت إلى تنسيق الجهود للحد من تداعيات الحرب على أمن الطاقة والاستقرار الإقليمي، ومنع انزلاق الوضع إلى مواجهة أوسع تهدد الممرات البحرية والنظام الاقتصادي العالمي.
اقتصادياً، حذّر صندوق النقد الدولي من أن الاقتصاد العالمي يواجه مخاطر متصاعدة قد تدفعه نحو واحدة من أسوأ موجات التباطؤ منذ جائحة كوفيد-19، في ظل استمرار الحرب في الشرق الأوسط وما نتج عنها من ارتفاع حاد في أسعار الطاقة وتعطّل محتمل للملاحة في مضيق هرمز، أحد أهم الممرات الحيوية لإمدادات النفط العالمية.
وأوضح الصندوق، خلال اجتماعات الربيع في واشنطن، أنه خفّض توقعاته للنمو العالمي، مشيراً إلى أن الاقتصاد يتجه بالفعل نحو “سيناريو أكثر سوءاً” مع بقاء أسعار النفط مرتفعة واضطراب سلاسل الإمداد. وطرح الصندوق ثلاثة مسارات محتملة لتطور الاقتصاد العالمي: السيناريو المرجعي المتفائل، السيناريو السلبي، والسيناريو القاسي الذي يفترض تصاعد الحرب واستمرار صدمة الطاقة.
في السيناريو القاسي، يتوقع الصندوق أن يصل متوسط أسعار النفط إلى نحو 110 دولارات للبرميل في 2026، مع إمكانية بلوغه 125 دولاراً في 2027، وهو ما قد يدفع الاقتصاد العالمي إلى حافة الركود مع تراجع النمو إلى نحو 2% وارتفاع التضخم إلى ما يزيد عن 6%. أما السيناريو السلبي فيفترض استمرار التوترات مع استقرار النفط قرب 100 دولار للبرميل، ما يخفض النمو العالمي إلى نحو 2.5%.
وتعتمد التوقعات الأكثر تفاؤلاً على افتراض انتهاء الحرب سريعاً وعودة أسعار النفط إلى مستوياتها الطبيعية بمتوسط 82 دولاراً للبرميل، وهو ما قد يسمح بتعافٍ تدريجي للاقتصاد العالمي خلال 2026.
وأكدت المديرة العامة لصندوق النقد الدولي كريستالينا جورجيفا أن الاقتصاد العالمي لا يزال قادراً على التعافي إذا انتهى الصراع سريعاً، محذرة في الوقت ذاته من أن استمرار الحرب خلال الصيف سيزيد من حدة التباطؤ ويعمّق أزمة الطاقة.
من جانبه، أشار كبير الاقتصاديين في الصندوق إلى أن ارتفاع أسعار النفط الأخير “يقرب العالم من السيناريو الأسوأ”، في وقت تشهد فيه الأسواق اضطراباً واسعاً نتيجة المخاوف الجيوسياسية.
فيما قال وزراء مالية 11 دولة بأوروبا وآسيا وأستراليا في بيان مشترك إن تأثير أزمة الشرق الأوسط في الأسواق سيتواصل حتى بعد التوصل لحل دائم ينهي الحرب بين أمريكا وإسرائيل وبين إيران.
وجاء في البيان الذي صدر بعد اجتماع بشأن الأزمة في الشرق الأوسط لوزراء مالية بريطانيا، وأستراليا، واليابان، والسويد، وهولندا، وفنلندا، وإسبانيا، والنرويج، وجمهورية أيرلندا، وبولندا، ونيوزيلندا، أن الدول المعنية "ملتزمة بإدارة الاستجابة الاقتصادية والتعافي من هذه الأزمة بطريقة منسقة ومسؤولة وفعالة".
وعلى مستوى الإقليم، يتوقع الصندوق أن تكون الاقتصادات الناشئة الأكثر تضرراً، خاصة في الشرق الأوسط وآسيا الوسطى، مع تراجع حاد في النمو نتيجة انخفاض صادرات الطاقة وارتفاع تكاليف الواردات. كما حذّر من أن بعض المناطق قد تشهد تباطؤاً حاداً يصل إلى نقطتين مئويتين في النمو خلال عام واحد فقط.
وفي موازاة ذلك، انعكست تداعيات الأزمة على السياسات النقدية عالمياً، إذ يدرس اليابان إنهاء حقبة الفائدة شديدة الانخفاض، مع تزايد الضغوط التضخمية الناتجة عن ارتفاع أسعار الطاقة وضعف العملة، ما يضع بنك اليابان أمام معادلة صعبة بين دعم النمو وكبح التضخم.
كما تشهد الأسواق النفطية ضغوطاً إضافية على خلفية المخاوف من اضطراب الإمدادات عبر مضيق هرمز، الذي تمر عبره نسبة كبيرة من صادرات النفط العالمية، ما يجعل أي تصعيد عسكري عاملاً مباشراً في دفع الأسعار إلى مزيد من الارتفاع.
وفي السياق ذاته، تتجه صندوق الاستثمارات العامة السعودي إلى إعادة ترتيب أولوياتها الاستثمارية، مع تركيز أكبر على الاقتصاد المحلي وتقليص الاستثمارات الخارجية، في خطوة تعكس توجهات أوسع داخل الدول المنتجة للنفط نحو تعزيز المرونة الاقتصادية في مواجهة تقلبات الأسواق.
ويأتي ذلك في وقت تتزايد فيه الدعوات الدولية لتوفير حزم دعم مالية عاجلة للدول الأكثر تضرراً، وسط تقديرات بأن احتياجات التمويل قد تصل إلى عشرات المليارات من الدولارات لتخفيف آثار أزمة الطاقة ومنع دخول ملايين إضافية إلى دائرة الفقر.
وبينما تتباين السيناريوهات المطروحة، يجمع خبراء الاقتصاد على أن مسار الأزمة الحالية سيظل مرهوناً بتطورات الحرب في الشرق الأوسط، وأن أي انفراج سريع قد يحدّ من المخاطر، في حين أن استمرار التصعيد قد يضع الاقتصاد العالمي أمام اختبار هو الأشد منذ سنوات.