خارطة أوبئة تضغط على منظومة صحية منهكة في اليمن

  • الوحدوي نت
  • منذ 11 ساعة - Saturday 18 July 2026
خارطة أوبئة تضغط على منظومة صحية منهكة في اليمن


تواجه المنظومة الصحية في اليمن ضغوطاً متزايدة جراء تفشي عدد من الأوبئة والأمراض المعدية، في ظل تراجع مستوى الخدمات الصحية وانخفاض التمويل المخصص للقطاع الصحي.


وتشير بيانات رسمية وأممية إلى ارتفاع ملحوظ في معدلات الإصابة والوفيات المرتبطة بعدد من الأمراض الوبائية خلال النصف الأول من العام الجاري، ما يضيف عبئاً جديداً إلى ملايين اليمنيين الذين يعانون أصلاً من تداعيات الصراع وتدهور الأوضاع المعيشية.


وحذر مكتب الأمم المتحدة لتنسيق الشؤون الإنسانية (أوتشا) من تعرض النظام الصحي في اليمن لضغوط متزايدة نتيجة انتشار الأمراض، وانقطاع الإمدادات الطبية، والتراجع الحاد في التمويل الإنساني.


وأضاف المكتب، في منشور عبر حسابه على منصة "إكس"، الخميس، أن العاملين في القطاع الصحي يواصلون أداء مهامهم في ظروف بالغة الصعوبة، لضمان استمرار تقديم الرعاية الصحية للفئات الأكثر احتياجاً، رغم التحديات المتزايدة التي تواجه المنظومة الصحية.


وسبق أن أكدت الأمم المتحدة أن استمرار دعم القطاع الصحي يمثل أولوية ملحة للحفاظ على الخدمات الأساسية، والحد من تفشي الأمراض، وإنقاذ حياة ملايين اليمنيين الذين يعتمدون بدرجة كبيرة على المساعدات الإنسانية.


وكان مكتب الأمم المتحدة لتنسيق الشؤون الإنسانية قد أشار في تقرير سابق إلى أن نحو 19.3 مليون شخص في اليمن يحتاجون إلى خدمات صحية أساسية خلال عام 2026، محذراً من أن تراجع الدعم قد يعرضهم لمخاطر صحية متفاقمة.


وفي يونيو الماضي، حذرت منظمة الصحة العالمية من أن اليمن يقف عند "منعطف حرج" قد يدفعه نحو أزمة إنسانية أكثر عمقاً، مؤكدة أن 22.3 مليون شخص بحاجة إلى المساعدة الإنسانية والحماية خلال العام الجاري، في ظل تراجع التمويل وتدهور الخدمات الأساسية.


وأوضحت المنظمة أن اليمن يشهد عودة وانتشار أمراض يمكن الوقاية منها باللقاحات، من بينها الحصبة وشلل الأطفال والخناق والكوليرا وحمى الضنك والملاريا، في ظل تراجع معدلات التحصين وتعطل برامج الرعاية الصحية. وربطت تقارير أممية هذا التدهور بسنوات الصراع والانقسام المؤسسي وانهيار البنية التحتية الصحية.


 وأشارت منظمة الصحة العالمية إلى أن نقص التمويل أدى بحلول مايو 2026 إلى تقليص خدمات التغذية بنسبة 63%، الأمر الذي يهدد الفئات الأكثر ضعفاً، خصوصاً الأطفال والنساء الحوامل والمرضعات.


وكشفت منظمة الصحة العالمية أن أكثر من 450 مرفقاً صحياً أُغلق خلال العام الماضي، بينها 76 مستشفى، نتيجة شح التمويل وتدهور الأوضاع الإنسانية، ما أدى إلى حرمان مئات الآلاف من السكان من الخدمات الطبية الأساسية وزيادة الضغط على المرافق الصحية المتبقية.


الحصبة تفشٍ متسارع  

سجّلت المناطق الواقعة تحت نفوذ الحكومة اليمنية المعترف بها دولياً تصاعداً لافتاً في حالات الإصابة بفيروس الحصبة، إذ بلغ عدد الحالات المشتبه بها 14 ألفاً و470 حالة منذ مطلع العام وحتى نهاية يونيو 2026، فيما ارتفع عدد الوفيات المرتبطة بالمرض إلى 87 حالة.


وتصدرت محافظة تعز قائمة المحافظات من حيث عدد الوفيات المسجلة بواقع 18 حالة، تلتها العاصمة المؤقتة عدن بـ 14 حالة، ثم مديريات وادي حضرموت بـ 12 حالة، فيما سجلت محافظتا أبين ولحج 11 حالة وفاة لكل منهما. وتوزعت بقية الوفيات على عدد من المحافظات، بينها مأرب وساحل حضرموت والمهرة والضالع والحديدة وسقطرى.


وتعكس هذه الأرقام تسارع انتشار المرض خلال الأشهر الماضية، إذ كانت البيانات الصحية قد سجلت حتى منتصف أبريل الماضي نحو 7,140 إصابة و36 وفاة، ما يشير إلى تضاعف أعداد الحالات والوفيات خلال فترة زمنية قصيرة، وسط مخاوف من اتساع رقعة التفشي مع تراجع معدلات التحصين.


الدفتيريا تعاود الظهور

وفي مؤشر إضافي على هشاشة الوضع الصحي، سجلت المحافظات الواقعة ضمن نفوذ الحكومة اليمنية 153 حالة إصابة بالدفتيريا (الخناق) خلال النصف الأول من العام الجاري، فيما بلغ عدد الوفيات الناتجة عن المرض 10 حالات.


وأظهرت البيانات الصحية أن محافظتي تعز وحضرموت سجلتا أعلى معدلات الوفيات بواقع ثلاث حالات لكل منهما، تلتها الحديدة بحالتين، بينما سجلت شبوة ولحج حالة وفاة واحدة لكل محافظة.


وتأتي هذه الأرقام في وقت كانت وزارة الصحة قد رصدت خلال العام الماضي 487 إصابة بالدفتيريا و37 حالة وفاة، ما يؤكد استمرار التحديات المرتبطة بمكافحة الأمراض التي يمكن الحد منها عبر برامج التطعيم والتحصين المنتظمة.


حمى الضنك تحصد الأرواح

كما تواصل حمى الضنك انتشارها في عدد من المحافظات، حيث سجلت مناطق نفوذ الحكومة خلال الأشهر الستة الأولى من العام الجاري 5,786 حالة إصابة و30 وفاة.


وتصدرت العاصمة المؤقتة عدن قائمة المحافظات الأكثر تضرراً من المرض، بتسجيلها 15 حالة وفاة، أي نصف إجمالي الوفيات المسجلة، تلتها حضرموت بـ 7 حالات، ثم تعز ولحج بثلاث حالات لكل منهما، فيما سجلت شبوة حالتي وفاة.


ويأتي ذلك بعد عام شهد تسجيل أكثر من 15 ألف إصابة بحمى الضنك و64 وفاة في مختلف المحافظات، ما يعكس استمرار التحديات المرتبطة بالأمراض المنقولة عبر البعوض، في ظل تدهور خدمات المياه والصرف الصحي وتزايد تأثيرات التغيرات المناخية.


موجة جديدة من الكوليرا

وفي سياق متصل، حذرت منظمة الصحة العالمية من استمرار تسجيل حالات إصابة بالكوليرا والإسهال المائي الحاد في اليمن، حيث بلغ عدد الحالات المشتبه بها 4,814 حالة منذ مطلع العام وحتى نهاية مايو الماضي، بينها 7 وفيات.


وأوضحت المنظمة أن الحالات المبلغ عنها منذ أواخر أبريل تركزت في المناطق الواقعة ضمن نفوذ الحكومة اليمنية، في حين لا تتوفر بيانات محدثة بصورة كافية عن المناطق الخاضعة لسيطرة جماعة الحوثي، بسبب القيود المفروضة على عمليات الرصد وجمع المعلومات الوبائية.


وبحسب المنظمة، يحتل اليمن المرتبة السابعة عالمياً من حيث عدد حالات الكوليرا المسجلة خلال الأشهر الخمسة الأولى من العام الجاري، والثانية على مستوى إقليم شرق المتوسط بعد أفغانستان، وهو ما يعكس استمرار المخاطر المرتبطة بتدهور خدمات المياه والصرف الصحي وضعف البنية التحتية الصحية.


غياب الرصد الصحي

ولا تزال البيانات الدقيقة والمنتظمة حول الوضع الصحي والوبائي في المناطق الخاضعة لسيطرة جماعة الحوثي محدودة، في ظل ضعف أنظمة الرصد والإفصاح عن معدلات الإصابة والوفيات وانتشار الأمراض.


ويرى مراقبون أن غياب المعلومات المحدثة يعرقل القدرة على تقييم حجم الأزمة الصحية بصورة شاملة، ويحد من فاعلية التدخلات الإنسانية والبرامج الوقائية، خصوصاً في ظل استمرار التحديات التي تواجه القطاع الصحي على مستوى البلاد.


ورغم محدودية البيانات المتاحة، كشفت تقارير صادرة عن جهات صحية تابعة للحوثيين خلال الأشهر الماضية عن مؤشرات تعكس حجم الضغوط التي تواجه المرافق الطبية، من بينها نقص الأدوية والمستلزمات العلاجية، وتراجع إمدادات بعض العلاجات الأساسية، خصوصاً الخاصة بالأمراض المزمنة والمستعصية.


وأقرت وزارة الصحة في حكومة الحوثيين غير المعترف بها، بوجود نقص حاد في عدد من الأصناف الدوائية، بما في ذلك أدوية الأمراض المزمنة والسرطان والأمراض الوراثية، إضافة إلى محاليل الغسيل الكلوي ومشتقات الدم، مشيرة إلى أن تراجع الإمدادات أثر على قدرة المرافق الصحية على تقديم خدماتها للمرضى.


وتشير بيانات صحية معلنة إلى أن آلاف المرضى في اليمن يواجهون مخاطر متزايدة نتيجة نقص المستلزمات الطبية والعلاجات المتخصصة.


وبحسب تلك البيانات، يحتاج نحو 8 آلاف مريض بالفشل الكلوي إلى خدمات الغسيل والعلاج بصورة منتظمة، في وقت تواجه فيه مراكز الغسيل صعوبات متزايدة بسبب نقص المستلزمات الطبية وارتفاع تكاليف التشغيل.


كما يعاني أكثر من 100 ألف مريض بالسرطان من نقص الأدوية والعلاجات التخصصية، في حين يواجه أكثر من 40 ألف مريض بالثلاسيميا وأمراض الدم الوراثية تحديات كبيرة في الحصول على العلاج الدوري والدم الآمن.


ويحذر مختصون من أن استمرار نقص الأدوية الأساسية قد يؤدي إلى مضاعفات خطيرة بين المرضى، خصوصاً أولئك الذين تعتمد حياتهم على علاجات منتظمة لا تحتمل الانقطاع.


وتعد أمراض الدم الوراثية، وفي مقدمتها الثلاسيميا، من أكثر الملفات الصحية تعقيداً في اليمن، في ظل اعتماد آلاف المرضى على برامج علاجية مستمرة تحتاج إلى توفر الأدوية ونقل الدم بصورة منتظمة.


وكشفت الجمعية اليمنية لمرضى الثلاسيميا والدم الوراثي، في مايو الماضي، عن وفاة 27 طفلاً خلال أربعة أشهر نتيجة نقص الأدوية الأساسية وتراجع خدمات الرعاية الصحية المقدمة للمرضى.


وأكدت الجمعية أن أكثر من 40 ألف مريض بالثلاسيميا وأمراض الدم الوراثية، معظمهم من الأطفال، يواجهون أوضاعاً صحية صعبة بسبب نقص العلاجات الضرورية وصعوبة الحصول على الدم الآمن ومستلزمات العلاج الدوري.


كما أشارت بيانات صادرة عن جهات صحية تابعة للحوثيين إلى وفاة 684 مريضاً بالثلاسيميا من أصل 8,430 مريضاً يتلقون الرعاية في أحد المراكز العلاجية، دون تحديد الفترة الزمنية التي تغطيها هذه الإحصائية.


أزمة الكوادر الطبية 

وبالتزامن مع أزمة الدواء ونقص التمويل، يواجه القطاع الصحي تحديات متزايدة مرتبطة بنقص الكوادر الطبية وهجرة عدد من العاملين في المجال الصحي، نتيجة الظروف الاقتصادية والأمنية الصعبة.


وتحدثت تقارير حقوقية وإعلامية عن تعرض عدد من الأطباء والعاملين الصحيين في مناطق سيطرة الحوثيين لإجراءات أمنية واعتقالات، الأمر الذي أثار مخاوف من تأثير ذلك على بيئة العمل الطبي وقدرة المرافق الصحية على الاحتفاظ بالكفاءات.


كما تعاني بعض المستشفيات والمراكز الصحية من نقص في الكوادر المتخصصة، في وقت تتزايد فيه الاحتياجات الطبية للسكان بسبب انتشار الأمراض وتدهور الظروف المعيشية.


وتفاقمت هذه التحديات مع استمرار صعوبة الحصول على بعض الأدوية الأساسية، بما في ذلك أدوية السكري والإنسولين، ما يزيد من مخاطر المضاعفات الصحية لدى مرضى الأمراض المزمنة.


مخاطر بيئية 

ولا تقتصر الضغوط التي تواجه القطاع الصحي اليمني على نقص التمويل والأدوية، بل تمتد إلى عوامل بيئية تزيد من احتمالات انتشار الأمراض، خصوصاً تلك المرتبطة بالمياه والصرف الصحي.


وتواجه عدد من المدن، بينها صنعاء، مشكلات متعلقة بشبكات الصرف الصحي وتلوث مصادر المياه في بعض المناطق، الأمر الذي يرفع مخاطر انتشار أمراض مثل الكوليرا والإسهالات الحادة والتيفوئيد.


ويرى متخصصون أن تداخل الأزمات الصحية والبيئية والاقتصادية يجعل اليمن أكثر عرضة لموجات جديدة من تفشي الأمراض، خصوصاً مع ضعف برامج الوقاية والتطعيم وتراجع قدرة المؤسسات الصحية على الاستجابة السريعة.


منظومة صحية متهالكة

تكشف المؤشرات المتراكمة أن الأزمة الصحية في اليمن تجاوزت حدود نقص الخدمات لتتحول إلى تحدٍ إنساني واسع يهدد ملايين السكان، في ظل عودة أمراض كان بالإمكان السيطرة عليها، وتراجع التمويل الدولي، وتآكل قدرات النظام الصحي.


فبين انتشار الحصبة والدفتيريا وحمى الضنك والكوليرا، ونقص الأدوية والعلاجات المتخصصة، تواجه المرافق الصحية اليمنية واحدة من أصعب مراحلها منذ اندلاع الصراع قبل أكثر من عقد.


ويحذر مراقبون من أن استمرار الوضع الراهن قد يؤدي إلى اتساع رقعة الأوبئة وتفاقم المخاطر الصحية، ما لم تُدعَم برامج التحصين والرعاية الأساسية، وتُعزز الاستجابة الإنسانية، وتتوفر الموارد اللازمة للحفاظ على الحد الأدنى من الخدمات الطبية في مختلف المحافظات.