الرئيسية الأخبار عربي ودولي

العراق : الاتفاق الأمني مع أمريكا ... خداع السيادة تحت الاحتلال

  • الوحدوي نت - زياد ابوشاويش
  • منذ 14 سنة - الأحد 22 يونيو 2008
العراق : الاتفاق الأمني مع أمريكا ... خداع السيادة تحت الاحتلال

الواضح أن مسألة الاتفاقية الأمنية المزمع توقيعها بين المحتل الأمريكي وحكومة المنطقة الخضراء ببغداد مع نهاية العام الحالي هي الأكثر سخونة هذه الأيام في الحوارات الجارية لبحث مستقبل العراق وإنهاء ولاية البند السابع عليه والذي كما هو معروف موكل لقوات الاحتلال الأمريكية .

وفي خلفية ما نرغب توضيحه في هذا المقال أمران الأول يرتبط بالطلب الدوري لبقاء القوات الأمريكية والذي تتقدم به الحكومة العراقية بذريعة الحفاظ على الأمن وعدم جاهزيتها لإعادة الأمور إلى حالتها الطبيعية في البلد . والثاني وجود صراع حقيقي على النفوذ في العراق بين كل من أمريكا وإيران ظهر بشكل كبير حين صرح الرئيس الإيراني أحمدي نجاد بان ايران مستعدة لملأ الفراغ إذا انسحب الأمريكان . أما في الخلفية التاريخية للأمر فقد جرى في السابق توقيع اتفاق شبيه بين حكومة العراق والاحتلال البريطاني وكان ذلك في يناير عام 1948 ولم يستمر الاتفاق الذي يمكن تلخيصه بأنه يحول العراق إلى قاعدة عسكرية وأمنية للإمبراطورية البريطانية في ذلك الوقت وينتهك السيادة العراقية مما حدا بالشعب العراقي ومرجعياته الدينية خصوصاً لخوض معركة إسقاطه.. وهكذا كان .

إذن نحن أمام قضية تمس السيادة العراقية بهذا الشكل أو ذاك طالما كانت بين الوطن العراقي ومحتليه الذين لا زالوا يرتعون في أرضه ومياهه، ناهيك عن تدميره وقتل أبنائه وحل جيشه الوطني. إن الحديث الذي نسمعه كل يوم عن رفض هذا الحزب أو ذاك المسئول ممن أتوا على ظهور الدبابات الأمريكية للاتفاق الأمني مع الأمريكيين هو خداع لا ينطلي على أي مواطن عراقي أو عربي ذلك أن سر وجود هؤلاء في العراق أساساً وتبوأهم مكان الصدارة اليوم كحكام جدد للعراق يكمن في وجود قوات الاحتلال وبدونه لا يستطيع هؤلاء البقاء لأربعة وعشرين ساعة ومن هنا لم يجد معظم الحكام الجدد مناصاً من إنهاء صفة الاحتلال أقله على الورق ليستمر فعليا لحمايتهم عبر قوننة أسموها اتفاقاً أمنياً ، والغريب في الأمر أن السيد نوري المالكي رئيس حكومة العراق اعتبر الحديث الإيراني الرافض للاتفاقية تدخلاً في الشؤون العراقية ومساً بسيادته رغم زيارته التي استهدفت الحصول على موافقتهم عليها.!

وفي تفاصيل الاتفاق كما تم تداوله منذ مدة أن تبقى القوات الأمريكية بقواعدها لمدة لا تقل عن عشر سنوات وتشرف خلالها على وزارتي الدفاع والداخلية ، كما يتم منحها حق الملاحقة أو ما يسموه المطاردة الساخنة على كل الأراضي العراقية ، كما لا يسمح الاتفاق بتطبيق القوانين العراقية على الجنود الأمريكيين في حال ارتكابهم جرائم أو مخالفات وينطبق ذلك على المؤسسات الأمنية الخاصة المنتشرة في طول البلاد وعرضها .

إن اتفاقاً يبقي القوات الأمريكية في العراق سيعني حتماً خطراً على دول الجوار خصوصاً ممن يعارضون السياسة الأمريكية الظالمة في منطقتنا وأخص بالذكر هنا كلاً من سوريا وإيران ، ورغم هذا فان الرفض السوري للاتفاق ينطلق من خلفية تختلف نوعياً عنها من ايران ، فسوريا ترى أن وجود الاحتلال في أي بلد عربي أو أي نفوذ أجنبي هو انتقاص من الكرامة العربية ومساً بالمصالح القومية والوطنية العراقية وهكذا هو موقف كل القوى العربية والدول ذات السيادة والتي لا تدور في الفلك الأمريكي ، وسورية لا تقبل بأي انتقاص للسيادة العراقية مهما كانت المغريات المقدمة لها بالخصوص انسجاماً مع القيم والمبادىء التي تلتزمها وتنادي بها . أما بالنسبة لإيران فالأمر مختلف من حيث أن التهديد الذي تواجهه من الأمريكيين وإحكام الطوق حولها بعد أفغانستان والكويت والخليج ووجود القواعد في العراق وتركيا يجعلها تنطلق من مصلحة ذاتية ربما تتوفر في حال تم إنهاء العداء بينها وبين الولايات المتحدة وسويت مشكلة الملف النووي الإيراني ، ومن جهة أخرى حين ضمان نفوذها عبر حلفائها المعروفين هناك وموقعهم في السلطة العراقية الجديدة .

ورغم ذلك فان المصلحة القومية والوطنية العراقية تقتضي التعاون بين سوريا وإيران بهذا الصدد لإفشال أي اتفاق أمني مع الولايات المتحدة الأمريكية والعمل من أجل إنهاء الاحتلال وعودة العراق لموقعه العربي في مواجهة كل ما يمر به هذا الوطن المبتلي بزعاماته .

إن النقاش الذي يدور حول بنود الاتفاق يحرف المسألة عن جوهرها المتمثل في أن الاتفاق من حيث المبدأ مرفوض مع قوة احتلال عاثت في العراق فساداً وتدميراً وهي فشلت في بسط سيطرتها وكسب أي نفوذ حقيقي على الأرض وبين الناس فتلجأ لإبقاء البلد رهينة بكل ما يملكه العراق من مقدرات عبر اتفاق يرسم في الأمم المتحدة ويظهره الاحتلال وعملاؤه كأنما هو اتفاق بين بلدين كاملي السيادة ووقع بحرية تامة وبخيار ممثلي الشعب العراقي وهذا هو الكذب والخداع بعينه .

إن تصاعد الرفض الشعبي للاتفاق قد أرغم الكثير من ساسة العراق على التراجع عن موقفه القابل للاتفاق وبدأنا نرى حملات منظمة ومدروسة عبر الإعلام وفي الشارع لمساندة المفاوض العراقي باعتبار المعركة ليست ضد الاتفاق من حيث المبدأ بل من أجل فرض بعض البنود وتغيير أخرى أي لتجميل الاتفاق ، وهذه الحملات والدعاية كما نلاحظ تنطوي على الكثير من التضليل وهي تكشف جوهر الموقف من الاتفاق وليس أمام العراقيين وكل المتضررين من هكذا اتفاق سوى التصدي لهذه الحملة ولهذه الدعاية المضللة لكشف الأبعاد الخطيرة والمدمرة على مستقبل العراق والشعب العراقي

والتي تقدم للأمريكيين مكافأة على تدمير العراق وترهنه لهم لأجل غير مسمى .

لعل موقف البعض مثل المالكي وغيره لا يحسدون عليه فهم من جهة يريدون إرضاء الولايات المتحدة الأمريكية باعتبارها ولية نعمتهم والتي جعلتهم في مواقعهم على رأس السلطة في العراق وإيران الجار الأقرب وذات النفوذ الكبير على عدد من الأحزاب المشاركة في السلطة كما المرجعية الدينية وولاية الفقيه التي يلتزم بها معظم هؤلاء .. أي بالبلدي الحيرة بين 'سيدي وستي' .

لعل المخرج من كل هذا يكمن في إنهاء هذا الفصل الدموي والمؤلم في تاريخ العراق الحديث وذلك بخروج المحتل الأمريكي من كل الأراضي العراقية وتعويض الشعب العراقي عن ما لحق به وبوطنه من دمار وفقر وتشريد بسبب الاحتلال القائم على الكذب والادعاء .

إن وجود اتفاقات أمنية بين أمريكا وبعض الدول العربية لا يبرر اتفاقاً شبيهاً بين العراق وأمريكا برغم أن الاتفاقات التي نشير لها مرفوضة وتمس كرامة ومصالح الأمة العربية بشكل مباشر ولو تم عمل استفتاء لأي شعب في تلك الدول لما حظي أي اتفاق مع أمريكا بموافقة هذا الشعب وكلنا يعرف موقع أمريكا في الوجدان العربي كأحد أهم الضالعين في تدمير هذا الوطن وكره الناس لهم ولكل ما تمثله أمريكا من ظلم ومساندة للعدو الصهيوني . الاتفاقية موضع بحثنا هي اتفاقية مفروضة بحد السيف وتهديدات الأمريكيين بالويل والثبور وعظائم الأمور إن لم توقع هذه الاتفاقية تدل على النوايا الأمريكية من وراء إصرارها على هكذا اتفاق، وهذا بحد ذاته يكفي كمبرر وسبب لرفضها ، وعلى الجميع أن يضع مصلحة العراق ومحيطه نصب عينيه ولتتعاون كل الجهات المتضررة وهي الأغلبية الساحقة لإسقاط الاتفاق قبل توقيعه وينطبق ذلك على دول الجوار... والأمر ليس مستحيلا .

زياد ابوشاويش

[email protected]