وطـــــن الــلاعــيـــش

  • عادل عبد المغني
  • منذ 16 سنة - السبت 17 سبتمبر 2005
وطـــــن الــلاعــيـــش

حيث تتجلى سياسة الحكومة الإفقارية في أبهى صورها، يشهد منفذ حرض الحدودي أحداثاً مأساوية للغاية، يترجمها يومياً آلاف المواطنين أثناء محاولاتهم التسلل الى أرض الجوار، بحثاً عن لقمة عيش يقتاتونها، أو رصاصة يطلقها عسس الحدود، لتخلصهم من واقعهم الأليم·
محاولات متكررة للهروب من جحيم الفقر·· ووطن اللاعيش· لايهم أية أخطار أخرى قد تحدق بالرحلة؛ كون لا شيء أفظع من الشعور بالجوع·
الصورة ازدادت وضوحاً عقب إعلان الحكومة جرعتها الأخيرة، رغم علمها مستقبلاً بالنتائج التي ستترتب على ذلك·
لذا لا غرابة أن يصل عدد من تم إلقاء القبض عليهم في منفذ حرض، الى 04 ألف مواطن يمني، خلال شهر تقريباً·
المغامرة مليئة بالأهوال المروعة، وتخطي الأسلاك الشائكة مهمة محفوفة بالمخاطر·
أن تقدم على عمل كهذا، يعني أنك نصبت نفسك صيداً سهلاً لرصاص جنود الحدود، وقدمت نفسك أيضاً لقمة سائغة لإحدى الحيوانات المفترسة، إن لم تمت جوعاً وعطشاً وسط صحراء مترامية الأطراف إن أنت ضللت الطريق·
لكن الأمر يظل بنظر آلاف اليمنيين بداً لا مفر منه· ولا فرق بالنسبة لهم أن يموتوا جوعاً وقهراً داخل وطنهم، أو أن يموتوا على حدود البلاد·
وإن كانوا يفضلون الطريقة الثانية على أن يشاهدوا أطفالهم يتضورون جوعاً دون أن يستطيعوا تقديم شيء لسد ثورة أمعائهم الجائعة·
وبدلاً من أن تحرك هذه الكوارث الاقتصادية والاجتماعية والإنسانية التي يعيشها المواطنون، ضمائر مسؤولي البلاد، تواصل الحكومة مسلسل استهتارها بحياة المواطنين ولقمة عيشهم· وتكتفي فقط بإرسال أجهزتها الأمنية الى هناك، لتلقف كل من يقع في يد شرطة الحدود، والزج به في غياهب السجون، دون ذنب اقترفه غير محاولته البحث عن لقمة عيش لم يجدها في وطنه·
ولأن مثل هذه المنافذ الحدودية تعد بنظر عدد كبير من رجال الأمن، مناطق استراتيجية لتحقيق أكبر قدر من الأرباح، فإن كل ما يهم هؤلاء هناك هو جباية المواطنين مقابل الإفراج عنهم من السجون التي يحشدون داخلها بعد رحلة عذاب سعودية يعيشونها منذ إلقاء الدورية السعودية القبض عليهم·
وفي أحد مشاهد مسلسل دولة الظلم والجبروت والتراجيدي، تعرضت المواطنة غاية سعيد حجوري، داخل سجن نيابة حرض، لابتزاز بشع ولاإنساني·
ألقت الشرطة السعودية، قبل أربعة شهور، القبض على غاية، عندما كانت تبيع >زيت سمسم< و>سمن< كعادتها، لتعود لأطفالها الثمانية بالدقيق والمتطلبات المعيشية·
حبسها حرس الحدود السعودي مع نساء يمنيات أخريات، ثم تم ترحيلهن جميعاً الى الجمارك اليمنية· وهناك حققت معها الأجهزة الأمنية لتتهمها بتهريب الأطفال والفياجرا وأشياء أخرى لم تستطع غاية أن تنطقها لجهلها بهذه المسميات الغريبة بالنسبة لها·
قالت المرأة: اتهموني بتهريب أطفال وفياجرا وكلام لا أفهمه، رغم أن جنود السعودية وجدوا معي صليط سمسم وسمن، ولا أملك غيرهما·
الأجهزة الأمنية هناك تركت العصابات المنظمة لتهريب الأطفال والفتيات، والتي تتواطأ معها جهات رسمية لإصدار وثائق مزورة، حسب تقارير رسمية ذكرت ذلك، لتتهم امرأة تقوم على أسرة وثمانية أطفال، بارتكاب جرائم كهذه، وتزج بها داخل سجن نيابة حرض·
مأساة المرأة لم تنتهِ هنا، إن لم تكن بدأت·
حيث تعرضت داخل السجن لعملية احتيال كبيرة نفذتها السجانة، وخسرت معها غاية مبلغ خمسين ألف ريال جمعته من قيمة أغنامها التي باعتها شراء لحريتها المزعومة·
وحسب غاية الحجوري، فإن السجانة أخبرتها أن تهمتها كبيرة، وأن عضو النيابة اشترط مبلغ خمسين ألفاً مقابل إطلاق سراحها·
خوف المرأة على أبنائها الثمانية الذين لايتجاوز عمر أكبرهم العشر سنوات، دفعها الى بيع كل أغنامها لجمع المبلغ وتسليمه للسجانة التي قامت فور استلامها المبلغ بإخراجها من السجن·
وما هي إلا يومان فقط حتى فوجئت المرأة بالعسكر يأخذونها وزوجها بالقوة، ويودعونهما السجن، بعد أن اتُّهم الزوج بتهريب زوجته من السجن·
ومنذ شهور مضت وغاية المرأة العاملة قابعة داخل غرفة مظلمة والأغلال على يديها ورجليها خوفاً من الهرب، دون أن يكلف أحد مسؤولي السجن نفسه مشقة مساءلة السجانة على ما أقدمت عليه، إن لم يكن الأمر تم بموافقة عليا· ليُطلب منها مرة أخرى مبلغ مائتي ألف ريال مقابل إطلاق سراحها، حسب قولها·
هذه قضية السجينة غاية سعيد حجوري التي قالت في رسالة بعثتها لـ>الوحدوي< إنها تضعها أمام ضمير المسؤولين·
وزادت: بعت كل الأغنام والدواب، ودفعت الخمسين ألف ريال· والآن لا أملك شيء·· أولادي مشردين، وأطفال لا حول ولا قوة لهم، فكيف سيكون مصيرهم·
واختتمت المرأة رسالتها بالقول: اذا ضاع أطفالي فهم في ذمة من تركوا هؤلاء الطغاة يحبسون ويقهرون المساكين دون رادع أو حسيب أو قانون·
وكم كانت محقة في ما قالته كون المسؤول الاول في البلد هو من تجب عليه حماية المواطنين من عبث وفساد المتنفذين·
المرأة الحُديدية ليست سوى نموذج واحد لعديد مواطنين في طول البلاد وعرضها·
ما أبشع ما تمارسه السلطة على مواطنيها·· وكم هي خطيرة هذه الممارسات على أمن البلاد وسكينتها وسلمها الاجتماعي·
وقد لاتدرك السلطة معنى ألا يجد المواطن لقمة عيش يقتاتها في الوقت الذي تصادر فيه حريته وتمتهن آدميته· لكن ما يجب على مسؤولي هذا البلد أن يدركوه، هو: إذا وصل المواطن الى حال كهذه، فأي شيء آخر يمكنه أن يخاف عليه؟!