الرئيسية الأخبار عربي ودولي لماذا البكاء على عراق مُقسم منذ خمسة عشر عاماً ؟

لماذا البكاء على عراق مُقسم منذ خمسة عشر عاماً ؟

  • المصدر:- د.فيصل القاسم
  • منذ 16 سنة - الثلاثاء 06 سبتمبر 2005

لا أريد من خلال العنوان أعلاه التهوين من فظاعة المجزرة التقسيمية السايكسبيكية الجديدة التي يتعرض لها العراق الآن، لكنني أريد أن أوضح أن التقسيم حاصل منذ حوالي عقد ونصف من الزمان بمعرفة كل أعضاء الجامعة العربية التي يحذر أمينها العام هذه الأيام من مخاطر الفيدرالية ويذرف دموع التماسيح على عروبة بلاد الرافدين. وقد أسرّ لي أحد المسؤولين العارفين ببواطن الأمور قبل أكثر من تسع سنوات عندما سألته عن إستراتيجية بلاده تجاه النظام العراقي قائلاً: "إن العراق كما كنا نعرفه قبل عام ألف وتسعمائة وتسعين قد انتهى ولن تقوم له قائمة قبل نصف قرن من الزمان على أقل تقدير، هذا إذا قامت". وهذا ما يفسر الصمت العربي الرسمي الواضح تجاه ما يحدث للعراق هذه الأيام.

لقد غسلت الأنظمة العربية أيديها من الموضوع منذ زمن لأنها تعلم أن الذي يجري الآن على قدم وساق قد بدأ تنفيذه على نار هادئة بُعيد خروج القوات العراقية من الكويت. أما فكرة احتلال العراق وتقسيمه فربما تعود إلى خمسينيات القرن الماضي. وكم كان أحد الأصدقاء ثاقبي النظر على حق عندما قال لي بزفرة حزينة بعد سويعات من دخول القوات العراقية إلى الكويت إن العراق قد انتهى وأتحداك أنهم سيقسمونه إلى ثلاث دول. لقد اعتبرت كلام صديقي وقتها ضرباً من المستحيل خاصة وأن غبار الحرب لم تنقشع بعد، لكن صاحبنا أدرك الملعوب من اللحظة الأولى.

ولو أردنا تشبيه الوضع العراقي الآن لشبهناه بالعلاقة الزوجية التي يقيمها الأوربيون مع النساء بشكل غير قانوني. فالرجل الأوروبي يمكن أن يعيش مع شريكة حياته ردحاً من الزمان لكن دون أن يكون الزواج مسجلاً في دائرة النفوس. ويمكن أن نسميه بزواج الأمر الواقع، فما قيمة صك الزواج إذا كان الأمر حاصلاًً أصلاً على الأرض. وقد لا يجد المتزوج بشكل غير شرعي مانعاً من تثبيت الزواج في المحكمة فيما لو اضطر إلى ذلك. لكن المهم أنه يمارس حياته الزوجية بأوراق ثبوتية أو من دونها.وكذلك الأمر بالنسبة للعراق تماماً. لقد عاشت البلاد حالة تقسيم فعلي منذ عقد ونصف العقد تقريباً. ورأى المعنيون بالأمر الآن أنه لا بد من تثبيت التقسيم شرعياً أو بالأحرى دستورياً، فوضعوا دستوراً جديداً ثبت الأمر الواقع قانونياً، فاستقل الأكراد في الشمال وكذلك فعل الشيعة في الجنوب والوسط والسنة في مناطقهم مرغمين طبعاً.

يعيش الأكراد مستقلين عن الحكومة المركزية في بغداد منذ انتفاضتهم على النظام العراقي بعد غزوه للكويت عام ألف وتسعمائة وتسعين باستثناء فترة وجيزة جداً دخلت القوات العراقية خلالها منطقة أربيل داخل منطقة الحظر شمال العراق بطلب من زعيم الحزب الديموقراطي الكردستاني مسعود البرزاني عام ألف وتسعمائة وستة وتسعين. بعبارة أخرى فإن تدخل حكومة بغداد المركزية بالشأن الكردي لم يتم إلا بدعوة وموافقة كردية. وما عدا ذلك فقد وفر الأمريكيون الحماية للأكراد كي ينعموا بالاستقلال التام عن نظام صدام حسين. وكذلك فعلوا مع الشيعة في جنوب البلاد بعد انتفاضة عام ألف وتسعمائة وواحد وتسعين التي قمعها النظام العراقي آنذاك بقسوة بالغة خلفت وراءها مقابر جماعية للمنتفضين بعد أن غض الأمريكيون الطرف عنه لأسبابهم الخاصة. لكن الأمريكيين عادوا وحموا جنوب العراق الذي استقل بدوره فعلياً عن سلطة بغداد بعد أن انقطع حبل الود تماماً بين صدام والشيعة إثر انتفاضة الجنوب.

ألا تتذكرون ما يسمى بمنطقتي الحظر الجوي في جنوب العراق وشماله حيث كانت الطائرات الأمريكية والبريطانية تحتل فعلياً أجواء تلك المنطقتين وتمنع تحليق أي طائرات عراقية فوقهما؟ بعبارة أخرى فإن خطوط تقسيم العراق وتفتيته إلى أقاليم مستقلة كانت مرسومة جواً منذ زمن بعيد. وقد جاء الدستور العراقي الجديد ليشرعن تلك الخطوط الجوية ويضعها موضع التنفيذ الفعلي على الأرض تماماً كما يفعل الرجل الأوروبي المتزوج خارج المحكمة عندما يأتي بأوراقه الثبوتية لتثبيت زواجه قانونياً بعد أن يكون قد مارسه على أرض الواقع لعشرات السنين عُرفياً.

واعتقد أن نظام صدام حسين كان مدركاً لحقيقة التقسيم قبل أن يسقط نظامه على أيدي القوات الأمريكية عام ألفين وثلاثة. وقد وضع أحد الدبلوماسيين العرب الذي خدم سفيراً لإحدى الدول العربية في بغداد النقاط على الحروف عندما قال ذات مرة إن: "صدام حسين لم يكن رئيساً للعراق منذ خروج قواته من الكويت بل محافظاً لمدينة بغداد وضواحيها وبعض المناطق الصغيرة الأخرى." وهذا صحيح طبعاً. فقد كان الشمال والجنوب خارجين عن نطاق سيطرته تماماً ولم يكن يسيطر إلا على ذلك الجزء الذي يتهمونه الآن بالتمرد أو بالمقاومة لقوات الاحتلال وحلفائها والتصدي للمخططات الحالية لفدرلة البلاد. بعبارة أخرى فإن الوضع الجديد ليس جديداً فعلاً بل هو صدى لواقع قديم مستمر منذ اتفاق (خيمة صفوان) الذي تجرعه النظام مجبراً بعد إخراجه من الكويت.

حري بنا أن نعرف في ضوء مسلسل التقسيم المبين أعلاه إذن أن الأمريكيين لم يفكروا فجأة بتفتيت العراق إلى ثلاث دويلات بعد غزوهم له عام ألفين وثلاثة، بل رسموا المخطط منذ زمن بعيد وراحوا ينفذونه خطوة خطوة حتى اكتمل السيناريو بإخراج مسودة الدستور العراقي الجديد التي عكست الخلافات حولها الصراع القديم الجديد لتقاسم العراق وتفتيته بدءاً بانتفاضة الأكراد في الشمال مروراً بانتفاضة الشيعة في الجنوب وانتهاء بانتفاضة المثلث السني الحالية في الشرق والغرب لإحباط المخطط والحؤول دون تمرير الدستور الجديد لأنهم الأكثر تضرراً من التقسيمة النهائية التي ستتركهم يحوزون صحاري العراق بينما ينعم الآخرون بمياهه وبتروله الغزيرين.

أليس البكاء العربي الرسمي والشعبي إذن على العراق الآن وذرف الدموع على عروبته المغدورة ووحدته المهدورة ضرباً من النفاق والنحيب في الوقت الخطأ؟ إن المغدور قد قضى نحبه يا سادة منذ زمن بعيد جداً وكان حرياً بكم أن تبكوا عليه عندما قطعوه إرباً إرباً قبل حوالي خمسة عشر عاماً وليس الآن وهو في طريقه إلى المقبرة ولمجرد أنهم سجلوا وفاته رسمياًً في سجل المتوفين!!