الرئيسية الأخبار عربي ودولي

المقاومة مجدداً*

  • بشارة مرهج
  • منذ 16 سنة - الثلاثاء 04 أبريل 2006
المقاومة مجدداً*

بصرف النظر عن السجالات الجارحة التي شهدها مؤتمر الخرطوم بين الرئيس لحود والرئيس السنيورة حول مسألة المقاومة، وما نجم عن ذلك من أضرار على لبنان وسمعته، فان هذه المسألة المحورية في حياة اللبنانيين تحتاج، كما يبدو، الى مزيد من البحث توصلا الى موقف جامع حصين يحمي لبنان في مرحلة أضحى فيها التخاذل مرادفا للحكمة، والتمسك بالهوية مساويا للسذاجة، والخضوع للاجنبي مجرد وجهة نظر.
والمفارقة في هذا المجال أنه، حتى الآن، يجري البحث في المسألة كأنها تخص تنظيما يحرص على وجوده ونفوذه، في حين ان المسألة أساسا تتعلق بلبنان وبكيفية حمايته، ودور المقاومة والجيش وسواهما من المؤسسات في تأمين هذه الحماية التي تكفل له الاستقرار والهناء في ظل فلتان اسرائيلي يتصاعد يوما بعد يوم، وفي ظل عجز دولي عن الزام هذا الكيان الغاصب تنفيذ قرار واحد للشرعية الدولية بدءا من القرار الرقم 194 القاضي بحق العودة، مرورا بقرار محكمة العدل الدولية القاضي بهدم جدار العزل العنصري انتهاء بخريطة الطريق التي أقرها جبابرة كبار.
لقد نشأت المقاومة في الأساس كرد فعل شعبي على الاحتلال الصهيوني، وتمكنت بنضالها وصمودها وعنادها من ان تشكل نموذجا استثنائيا في مقاومة هذا الاحتلال وكسر شوكته وملء الفراغ الناشئ عن تفوقه العسكري التقليدي. فمن خلال تعبئتها الشعبية الكاسحة واعتمادها اساليب غير تقليدية في المواجهة، وجد الاحتلال الاسرائيلي نفسه وسط حصار شعبي محكم ومتزايد، ما ضيق عليه الخناق وجعله ينعزل في استحكامات دفاعية سرعان ما تهاوت امام ضربات المقاومة واستعداد مناضليها للاستشهاد.
وبمواجهة هذه الحالة الدفاعية الشعبية وجد الغزاة انفسهم مضطرين للانسحاب جزئيا، ومن ثم بصورة شاملة، بعدما تعطلت اسلحتهم واصبحت كلفة احتلالهم للاراضي اللبنانية اكبر بكثير من كلفة انسحابهم. وبعد خروجها مرغمة من الجنوب والبقاع الغربي، باستثناء مزارع شبعا وتلال كفرشوبا، حيث المراصد الضخمة والينابيع الغنية، راهنت اسرائيل على سقوط المقاومة في وُحول السلطة والتسلط. لكن المقاومة خيبت ظنها وتعاملت مع الناس بمن فيهم الذين خاصموها وطعنوها، بدرجة عالية من الصفاء والتجرد وتمكنت من دخول مجلس النواب ومجلس الوزراء دون ان تتورط في مفاسد الحكم.
وبهذه الروح الجهادية والحكمة السياسية، المستفيدة من تجارب الماضي واخطائه، تحولت المقاومة الى مركز جذب وطني وعربي واسلامي يثير الاعجاب والاعتزاز في الوقت الذي يطرح فيه امكانية واقعية وجدية لمقاومة الخطط الاسرائيلية التي تريد من حولها دويلات ضعيفة ممزقة مهيأة للانصياع والالتحاق بمشروع الشرق الأوسط الكبير. وفي هذا السياق كان من الطبيعي ان تصبح المقاومة بالنسبة الى اسرائيل هدفا ينبغي التخلص منه والحد من تأثيراته في منطقة جريحة تغلي كالبركان رفضا للاحتلال والقهر والمهانة.
تمكنت اسرائيل من استعداء قوى عالمية على المقاومة من خلال ربطها زورا بالارهاب، مدركة في الوقت نفسه ان هذا الاستعداء لن يؤتي ثماره ما لم يقترن بحملات متتالية لاضعاف المقاومة على ارضها وتفكيك النسيج الوطني من حولها، وتحويلها في المخيلة الوطنية العامة الى حركة فئوية تستقوي بسلاحها للاخلال بالتوازنات الداخلية والحاق لبنان بمحور اقليمي. من هنا كان التدخل الاجنبي المتواصل لتصديع وحدة الموقف اللبناني حول المقاومة، ومن هنا كانت الحملات الظالمة التي شنتها على المقاومة شخصيات دولية ازدردت مواقفها السابقة معتبرة ان استرخاء تل ابيب والبيت الأبيض هو المدخل لاحتلال مواقع متقدمة ورفيعة في نيويورك وغيرها. وآخر هذه الحملات برز في إصرار تيري رود لارسن، مبعوث الامين العام للأمم المتحدة، على اعتبار المقاومة مجرد ميليشيا ينبغي دمجها بالجيش اللبناني، مستبقا الحوار اللبناني، وممارسا ضغوطه عليه بعد ان تفاجأ بحرص اكثرية المشاركين فيه على اتخاذ مواقف وطنية سلمية تجاهها.
إن تجريد المقاومة من سلاحها، كما يريد لارسن، معناه تجريد لبنان من عامل القوة الرئيسي الذي يمتلكه لتحرير الارض وردع العدوان. أما القول بوجود ضمانات، مقابل تخلي لبنان عن المقاومة، فهو مردود لأن هذه الضمانات لم تصمد مرة واحدة من قبل لا في صبرا وشاتيلا، ولا في قانا، ولا بالأمس في أريحا حيث فضل التحالف الاميركي البريطاني الخضوع للمنطق الاسرائيلي بدلا من الوفاء بتعهداته.
ملخص القول ان اسرائيل ليست في وارد الانكفاء عن ملاحقة المقاومة والانقضاض عليها لاسقاط النموذج اللبناني القوي بذاته والملهم لغيره. لذلك هي ستعيد الكرة بأساليب جديدة وخطط مبتكرة مراهنة على انقسام اللبنانيين ونزوع بعضهم الى تصديق، وربما تقديس، الوعود الدولية. ان المخاطر الماثلة ترتب على المقاومة وكل الحريصين على سيادة لبنان التهيؤ لكل الاحتمالات ومحاذرة الانجرار الى خلافات داخلية ومشادات <<خرطومية>> تحجب الرؤية عما يجري الاعداد له لتحويل لبنان الى بلد مجرد من مقاومته، ضعيف، منقسم تلعب به الاهواء الاقليمية والدولية.

________________________________
* نشرت في جريدة "السفير" اللبنانية بتاريخ 31/3 /2006م