فؤاد عبدالقادر .. الراحل بأحزانه
محمد شمسان
محمد شمسان


محمد شمسان

كانت الحياة المهنية والثقافية والنضالية للفقيد الراحل فؤاد عبدالقادر البراق حافلة بالعطاء والتضحيات والجهود المثمرة، كما كانت أيضاً مثقلة بالأحزان والمعاناة التي عاشها طوال حياته وعبر مختلف مراحله العملية والنضالية.


فقد كان، رحمه الله، صادقاً ومخلصاً ومحباً لوطنه، متمسكاً بقيمه ومبادئه التي عاش من أجلها، وجسدها بأقواله وأفعاله روحاً ومعنى، ولم يساوم عليها في يوم من الأيام، رغم تعرضه للاعتقال والظلم والإقصاء والتهميش.


عمل في مؤسسة الثورة للصحافة والطباعة والنشر بصنعاء، وكان من أهم محرري صحيفة الثورة الرسمية، التي أحدث فيها ما يشبه الثورة الثقافية والأدبية والفنية، وساهم في تطوير وتوسيع الصحافة الثقافية فيها وفي غيرها من الصحف والمجلات والملاحق الثقافية والفنية الصادرة عن المؤسسة على مدى أربعين عاماً، لكنه بالمقابل لم يأخذ حقه ومكانته التي يستحقها نظير عطائه وجهوده وإنتاجاته الصحفية والثقافية والفكرية.


تدرّب على يديه عشرات الصحفيين الذين شقوا طريقهم إلى النجاح والصعود في السلم الوظيفي داخل المؤسسة وفي معظم المؤسسات الصحفية والإعلامية الرسمية والحزبية والمستقلة، مستفيدين من تجربته وخبراته الواسعة، فيما بقي هو موقوفاً عن الترقيات والتعيينات والاستحقاقات الوظيفية.


تعاقبت على إدارة المؤسسة والصحيفة عشرات القيادات، وجميعها تعاملت معه كمصدر أساسي للمعرفة المهنية، يجب أن يُستنزف ويُستفاد من قدراته وخبراته، دون أن ينال ولو الشيء اليسير مقابل ذلك.


وقد ظل يعيش معاناته جراء ذلك التهميش بصمت، ويصارع مرارة الخذلان والجحود بكبرياء وشموخ، ولم يقبل أن يحني رأسه لمسؤول، أو يسير مع الركب حيث سار، أو يركب موج السياسة على حساب مبادئه الوطنية والقومية.


كان، رحمه الله، يحلم بالتغيير نحو الأفضل، ويحلم بوعي مجتمعي ينهض بهذا البلد ويواكب التطورات من حوله، فنشر عشرات المقالات الثقافية والسياسية والفكرية في سبيل تلك الأهداف، وشارك في عشرات المؤتمرات والفعاليات المحلية والعربية والدولية، حاملاً معه همّه الوطني وقضيته الأساسية: تغيير وعي الإنسان واستنهاض قدراته المعرفية، بما يحقق نهضة اليمن وتقدمها وتطوير مؤسساتها وخدماتها وقوانينها، لتكون دولة قوية غير خاضعة لسلطات القبيلة وقوانين الأعراف والتقاليد التي تعيق ازدهارها ورقيها.


وقد خاض الفقيد الراحل فؤاد عبدالقادر معارك فكرية وثقافية عديدة في سبيل الانتصار لقيمه الوطنية ومبادئه القومية ورسالته المجتمعية، ودفع ثمن ذلك الكثير من جهده وصحته وحياته المعيشية ومسيرته المهنية.


كانت كتاباته في عدد من الصحف الرسمية والحزبية تتضمن نبل تلك الأهداف التي يسعى إلى تحقيقها، وتجسد إنسانيته التي عاشها وتعامل بها مع الآخرين، كما كانت سطورها وكلماتها تخفي حجم الألم والمعاناة التي يصارعها في حياته، ومدى الحزن الذي يعيشه وهو يرى كل محاولاته وجهوده وأحلامه في بناء وطن مستقر ومزدهر يتسع للجميع تذهب مع الرياح.


كان، رحمه الله، يتألم مع كل طلقة رصاص تحصد أرواح اليمنيين، وينزف دماً مع كل قطرة دم تُسفك بين اليمنيين، ويحترق من الداخل وهو يشاهد كيف تُدار الدولة ومؤسساتها عن طريق قيادات لا تستشعر حجم المسؤولية، ولا تفكر بالمستقبل، ولا تعمل من أجل الوطن وأبنائه.


كان يعتصر ألماً وهو يعيش زمن المشاريع الصغيرة التي دمرت المشروع الوطني الكبير، ودمرت معه الهوية الوطنية وقيم الولاء والانتماء الوطني.


لقد عاش الصحفي الراحل فؤاد عبدالقادر حياة صعبة وظروفاً قاسية، ليس فقط على المستوى المعيشي، بل وعلى المستوى السياسي والثقافي والفكري، فقد كان يرى أن الإنسان في هذا البلد أرخص من شربة ماء، وأقل شأناً من "قط" يُربّى في بيت مسؤول.


لقد كان يدرك أن هذه التراب لا يشبه طينتنا التي ننتهي إليها، وأن هذا الوطن لا يقر لنا بحقوق المواطنة، لذلك جمع أحزانه وارتحل بها إلى الله.

رحمه الله وأسكنه فسيح جناته.. الفاتحة.


إقراء أيضا