من وحي تشييع المناضل أبو حاتم
د. حمود العودي
د. حمود العودي


تُروى العبارة الشهيرة: "بيننا وبينهم الجنائز" عن الإمام أحمد بن حنبل، بوصفها تعبيراً عميقاً عن أن القيمة الحقيقية للإنسان لا تُقاس بضجيج الخصومات ولا بكثرة الجدل حوله، بل بما يتركه من أثر صادق في قلوب الناس.


وقد اكتسبت هذه المقولة حضورها الرمزي بعد ما شهدته جنازته من حشد جماهيري استثنائي، حتى تحولت العبارة مع الزمن إلى دلالة أخلاقية وسياسية على أن الشعوب، في لحظة الرحيل، تقول كلمتها الأخيرة بعيداً عن المجاملة والمصلحة؛ إذ تكشف الجنائز أحياناً المكانة الحقيقية للرجال، وصدق مواقفهم، وحجم ما زرعوه من احترام ووفاء في وجدان الناس.


ليست الجنائز مجرد طقس أخير للوداع، ولا مناسبة عابرة تُقاس بعدد المشيعين أو بحجم الحضور، بل هي ــ في كثير من الأحيان - لحظة الحقيقة الأكثر صدقاً في حياة الإنسان. ففي تلك اللحظة تحديداً، تسقط الأقنعة كلها، ويتراجع الضجيج الإعلامي، وتبهت الألقاب، وتتعرى المسافة الفاصلة بين الصورة التي صنعها المرء لنفسه، والصورة التي حفظها الناس له في قلوبهم.


وفي السياق اليمني تحديداً، تكتسب هذه الدلالة معنى أكثر عمقاً؛ فاليمنيون، رغم كل ما مزقتهم به السياسة والحروب والانقسامات، ما يزالون يحتفظون بحاسة شعبية دقيقة تجاه الرجال والمواقف. فهم قد يختلفون كثيراً في السياسة، لكنهم نادراً ما يختلفون في تقدير من عاش ثابتاً على قناعته، قريباً من الناس، نظيف اليد والموقف. ولهذا تتحول بعض الجنائز في اليمن إلى ما يشبه الاستفتاء الشعبي الصامت، الذي تعلن فيه الجماهير - بعفويتها لا بتنظيم مسبق ـ وفاءها لمن شعرت أنه عبر عنها، وشاركها آلامها، ولم يتاجر بقضاياها في لحظات التحول والانكسار. ففي بلد أرهقته الخيبات، يصبح الوفاء الشعبي لرجل ما رسالة أخلاقية تتجاوز الموت نفسه، وتؤكد أن الذاكرة اليمنية، مهما أثقلتها الصراعات، لا تنسى أصحاب المواقف الصلبة.


وحين امتلأت جنازة اللواء حاتم أبو حاتم بهذا الحضور الشعبي الطاغي، لم يكن المشهد مجرد حزن على رجل رحل، بل بدا وكأنه استفتاء أخير على سيرة كاملة من الثبات والمواجهة والصدق مع الذات. كانت الجماهير، وهي تتدفق إلى جنازته، تقول بطريقتها الخاصة إن المواقف لا تموت، وإن الإنسان قد يغيب جسداً، لكنه يبقى حاضراً بقدر ما زرع من احترام في وجدان الناس.


لقد عاش الرجل معارضاً صلباً في زمن كانت فيه المهادنة تفتح لها الأبواب، وتُمنح عليها الامتيازات. لم يكن الطريق الذي اختاره سهلاً، ولم يكن الثبات فيه مجانياً؛ فالمواقف الحقيقية دائماً مكلفة، لأنها تتطلب من صاحبها أن يدفع من راحته، ومن فرصه، وربما من أمنه الشخصي أيضاً. ومع ذلك، ظل ثابتاً على قناعاته، لا يبدل خطابه تبعاً لاتجاه الريح، ولا يبيع صوته حين صار البيع تجارة يتقنها كثيرون.


وهنا تكمن الدلالة الأعمق لبعض الجنائز؛ فهي ليست احتفاءً بالموت بقدر ما هي شهادة جماعية على صدق الحياة التي عاشها صاحبها. فهناك رجال تصنعهم المناصب، وتمنحهم السلطة حضوراً مؤقتاً يذوب سريعاً بزوال النفوذ، وهناك رجال تصنعهم المواقف، فيكبرون في وجدان الناس حتى لو حوربوا أو أُقصوا أو عاشوا بعيداً عن دوائر القوة.


إن السلطة تستطيع أن تصنع خوفاً، لكنها لا تستطيع أن تصنع محبة حقيقية. ويمكن للإعلام أن يرفع صورة إنسان لبعض الوقت، لكنه لا يستطيع أن يفرضه على قلوب الناس إلى الأبد. وحدها المواقف الصادقة هي التي تبقى، لأنها تترك أثراً إنسانياً وأخلاقياً يتجاوز الحسابات السياسية العابرة.


ومن هنا جاءت العبارة الشهيرة المنسوبة إلى الإمام أحمد بن حنبل: "بيننا وبينهم الجنائز". لم تكن العبارة تباهياً جماهيرياً بقدر ما كانت إشارة عميقة إلى أن الزمن، في لحظة النهاية، يكشف الوزن الحقيقي للإنسان. فالناس قد تجامل الأحياء، وقد تخاف منهم، وقد تصفق لهم تحت تأثير السلطة أو المصالح، لكنها في لحظة الرحيل تتصرف بعفوية أقرب إلى الحقيقة. لذلك تتحول بعض الجنائز إلى ما يشبه الاستفتاء الأخلاقي الصامت على حياة كاملة.


وفي المجتمعات التي أنهكتها الخيبات والتحولات والانتهازية السياسية، يصبح وفاء الناس لشخصية ما حدثاً لافتاً بحد ذاته؛ لأن الجماهير لا تمنح احترامها الطويل بسهولة، خصوصاً بعد أن اختبرت كثيراً من الشعارات التي انهارت عند أول اختبار للمصلحة. ولهذا فإن مشهد الالتفاف الشعبي حول رجل رحل ثابتاً على موقفه، يحمل رسالة قاسية للأحياء قبل أن يكون تكريماً للميت: أن الإنسان يمكنه أن يخسر مواقع كثيرة في حياته، لكنه إذا خسر احترام الناس وصدق تاريخه، فلن تنفعه كل المكاسب الأخرى.


إن أعظم ما يتركه الإنسان خلفه ليس رصيداً مالياً، ولا نفوذاً سياسياً، ولا ضجيجاً إعلامياً مؤقتاً، بل ذلك الأثر النظيف الذي يجعله حاضراً في ذاكرة الناس باحترام لا تصنعه الدعاية. فبعض الرجال يرحلون فتُغلق برحيلهم صفحة عابرة، وبعضهم يرحلون فتفتح جنازاتهم نقاشاً واسعاً حول معنى الوفاء والثبات والشرف السياسي.


وفي زمن أصبحت فيه الانحناءات السهلة تُقدَّم أحياناً بوصفها "واقعية"، وصار تبديل المواقف يُسوَّق باعتباره "براغماتية"، تأتي بعض الجنائز لتعيد التذكير بحقيقة قديمة لكنها جوهرية: أن الثبات على المبدأ قد يُتعب صاحبه كثيراً في الطريق، وقد يحرمه من امتيازات ومكاسب، لكنه يمنحه في النهاية شيئاً لا يُشترى ولا يُفرض بالقوة… احترام الناس الصادق حين ينتهي الطريق.

وهذا، في النهاية، هو الإرث الحقيقي لأي إنسان.



إقراء أيضا