بينما تستأثر منافسات كأس العالم 2026 باهتمام عشاق كرة القدم حول العالم، قادني الشغف باللعبة إلى التفكير في واقع أندية محافظة إب، وفي مقدمتها شعب إب واتحاد إب، اللذان يعيشان اليوم واحدة من أصعب مراحلهما.
قبل عامين هبط نادي شعب إب، "العنيد"، إلى دوري الدرجة الأولى، بعد عقود ظل خلالها أحد أبرز أندية اليمن وصاحب تاريخ حافل وقاعدة جماهيرية واسعة. واليوم يقف غريمه التقليدي اتحاد إب على حافة المصير ذاته، بعدما بات يصارع شبح الهبوط إثر سلسلة من النتائج التي لا تسر محبًا ولا متابعًا.
قد يختزل البعض الأزمة في غياب الدعم المالي، لكن الحقيقة أن المشكلة أعمق بكثير. فما تعيشه أندية إب هو حصيلة سنوات من الحرب، وغياب الرؤية، وتآكل البنية الرياضية، وانعدام التخطيط المؤسسي.
إب، التي عُرفت طويلًا بـ"نابولي اليمن" لشغف أبنائها بكرة القدم، لا تمتلك حتى اليوم ملعبًا معشبًا بالمواصفات التي تليق بتاريخها الرياضي. وما نُفذ من أعمال في استاد إب لم يتجاوز حدود المعالجات المؤقتة، بينما لا يزال الملعب بحاجة إلى إعادة تأهيل شاملة تعيد إليه قدرته على استضافة المنافسات بصورة طبيعية. وقد فاقمت الحرب هذا الواقع بعدما تعرض الاستاد للقصف، ما ألحق أضرارًا كبيرة بمنشآته، في وقت تراجعت فيه الإمكانات اللازمة لإعادة بنائه.
أما ملعب الكبسي، فقد تحول إلى أرض متصحرة تفتقر لأبسط مقومات الملاعب، فيما لا يزال ملعب نادي شعب إب أسير الوعود المتكررة بتعشيبه وتأهيله، دون أن تتحول تلك الوعود إلى واقع ملموس.
لكن البنية التحتية ليست سوى جزء من الأزمة. فغياب الاستقرار الإداري والتخطيط الاستراتيجي والاستثمار الرياضي جعل الناديين يعيشان من موسم إلى آخر بلا مشروع واضح. فالأندية الناجحة لا تُبنى قبل انطلاق الدوري بأسابيع، وإنما عبر عمل مؤسسي متواصل طوال العام.
وما يحدث اليوم في شعب واتحاد إب يكشف حجم الخلل؛ إذ يجري تجميع اللاعبين قبيل انطلاق البطولات بفترة قصيرة، بينما يقضي معظمهم بقية الموسم متنقلين بين الدورات الكروية الريفية والملاعب الترابية بحثًا عن مصدر دخل يؤمن احتياجاتهم المعيشية، في حين اضطر عدد من المواهب إلى الهجرة خارج اليمن بحثًا عن فرصة عمل تعيلهم وأسرهم.
وفي ظل غياب الأنشطة الرياضية المنتظمة، وتشتت اللاعبين بين البطولات الشعبية والفرق الريفية، تصبح المحافظة على الجاهزية البدنية والفنية مسؤولية اللاعب نفسه، لا النادي، وهو واقع يتناقض مع أبسط أسس العمل الاحترافي.
ولا تتوقف المشكلة عند هذا الحد، فالتعاقدات غالبًا ما تتم في اللحظات الأخيرة، دون دراسة دقيقة لاحتياجات الفريق أو منح اللاعبين الوقت الكافي للانسجام، فيما يتكرر تغيير الأجهزة الفنية بصورة مستمرة، لتضيع هوية الفريق ويبدأ العمل من الصفر مع كل موسم.
ويزداد المشهد تعقيدًا بسبب موقف السلطة المحلية، التي يُفترض أن تكون شريكًا في حماية الرياضة ودعمها، لكنها كثيرًا ما تعاملت معها باعتبارها شأنًا ثانويًا، بل وصلت في بعض الحالات إلى محاولة الاستيلاء على أراضي ومنشآت الناديين تحت ذرائع مختلفة، بدلًا من حمايتها وتطويرها باعتبارها ملكًا عامًا ورصيدًا اجتماعيًا وثقافيًا للمحافظة.
لذلك، فإن اختزال الأزمة في المطالبة بالدعم المالي وحده لا يعالج أصل المشكلة. فالمال مهم، لكنه لن يصنع فريقًا مستقرًا في غياب إدارة كفؤة، واستراتيجية واضحة، واستثمار حقيقي في الفئات السنية، واستقرار فني وإداري، وبيئة رياضية تحفظ للاعبين حقوقهم وتوفر لهم التدريب المستمر.
إن إنقاذ كرة القدم في إب لا يبدأ بميزانية لموسم واحد، بل بإطلاق مشروع رياضي طويل الأمد يعيد الاعتبار للمؤسسة الرياضية، ويستثمر في الإنسان والمنشأة معًا. عندها فقط يمكن أن تستعيد "نابولي اليمن" مكانتها، ويعود شعب إب واتحاد إب إلى موقعهما الطبيعي، ليس كناديين يقاتلان كل موسم من أجل البقاء، بل كمؤسستين رياضيتين قادرتين على صناعة المستقبل واستعادة أمجاد الكرة الإبية.