في لحظة التشظي والعبث التي تعيشها اليمن، لم يقوَ قلب المناضل الوحدوي الناصري حاتم أبو حاتم على احتمال هذا القدر من التمزق والانكسار الذي أصاب الوطن، فغادر دنيانا شامخًا كما عهدناه؛ مقدامًا، صادقًا، وشجاعًا.
ترجّل أبو حاتم، وهو واحد من جيل آمن بالفكرة أكثر مما آمن بالمناصب، وحمل قناعاته بصمت وثبات، وظل وفيًّا لما آمن به حتى آخر العمر. وبرحيله تخسر اليمن واحدًا من الوجوه التي عاشت السياسة باعتبارها موقفًا ومسؤولية، لا طريقًا للمكاسب أو الظهور.
عرفه كثيرون بصلابته وهدوئه وابتعاده عن الضجيج، وبقي حاضرًا في ذاكرة رفاقه وكل من عرف سيرته الطويلة المرتبطة بتاريخ الحركة الوطنية والجمهورية في اليمن.
عرفته في مطلع الألفية الجديدة، وأنا طالب في كلية الإعلام بجامعة صنعاء. كان حينها صوتًا قويًا وموقفًا يُحتذى به لدى الشباب، خاصة شباب التنظيم الذين كانوا يرون فيه نموذجًا للسياسي الصادق في زمنٍ قلّ فيه الصدق في العمل السياسي.
وفي إحدى الزيارات التنظيمية إلى مديرية جبن، رافقت الفقيد مع عدد من الإخوة، وفوجئت بالحضور الكبير لأبناء جبن الطيبين للاستماع إلى محاضرته. أقمنا يومين هناك بضيافة إخوة مناضلين، على رأسهم الفقيد عبدالباري السيد، رحمة الله تغشاه.
وأذكر رحلتنا إلى قلعة جبن، حين كان حاتم، رغم بنيته الكبيرة، يسبقنا صعودًا إلى قمة الجبل، مستفسرًا عن تفاصيل المكان ومتأملًا في ماجل الماء على امتداد الطريق المؤدي إلى القلعة. كان يومها نجم الزيارة؛ محاضرًا سياسيًا، ومناقشًا للقضايا الاجتماعية، وصاحب نكتةٍ حاضرة تنعش الحديث وتبدد عناء الصعود.
لاحقًا، كنا نزور منتداه الأسبوعي في منزله كل يوم سبت، ذلك المنتدى الثري الذي كان يحتشد بالسياسيين والمثقفين والصحفيين والسفراء ومختلف شرائح المجتمع. وهناك، كما في كثير من اللقاءات والفعاليات التنظيمية والعامة، كان حاضرًا بكلامه الجاذب غير المتصنع، وبأسلوبه البسيط والعميق في آن واحد.
في فترات طويلة، كان أبو حاتم محل جدل واسع داخل هيئات التنظيم، وكان يواجه ما يعتقده بصدق وشجاعة، لكنه لم يكن يومًا من الأيام منكسراً أو رافعًا للراية البيضاء. كان يتقبل نتائج مواقفه بروح المسؤولية، ولم يغادر التنظيم كما فعل غيره، ولم تتحول خلافاته إلى مواقف معادية للتنظيم السياسي الذي ظل يعتز بالانتماء إليه.
كان جريئًا في تصريحاته السياسية تجاه السلطة ورأس النظام السابق، كما كان صريحًا مع من جاء بعده. ولم يكن ذلك نابعًا من خصومة شخصية، بل من حرص اليمني الأصيل وصدق ابن البلد الذي لا يجامل على حساب قناعاته.
وإلى جانب انشغاله الدائم بقضايا وطنه، لم ينسَ أبو حاتم يومًا قضايا أمته العربية، التي ظلت حاضرة في مواقفه وتصريحاته وتحركاته السياسية. فقد كان يرى أن ما يجري في اليمن لا ينفصل عما تتعرض له الأمة من تحديات ومشاريع تستهدف هويتها ووحدتها ومستقبلها. وتجسد ذلك في دوره البارز وتزعمه للجنة الوطنية لمواجهة التطبيع مع إسرائيل، حيث ظل مدافعًا عن القضية الفلسطينية باعتبارها القضية المركزية للأمة.
ومنذ الاحتلال الأمريكي للعراق، مرورًا بما تعرضت له القضية الفلسطينية من اعتداءات ومخططات تصفية، وصولًا إلى المشاريع التقسيمية والصراعات التي استهدفت دول المنطقة، بقي أبو حاتم رافضًا لهذه السياسات ومجاهرًا بموقفه منها، مؤمنًا بأن قوة الأمة ووحدتها هما خط الدفاع الأول في مواجهة كل ما يستهدف وجودها وإرادتها ومستقبل أجيالها. وظل حتى أيامه الأخيرة حاضرًا بصوته وموقفه، منحازًا لقضايا الحرية والكرامة والسيادة الوطنية، ومناهضًا لكل أشكال الهيمنة والتبعية.
أحبه الناس لبساطته، ولحضوره أفراحهم وأتراحهم، ولتعبيره الصادق عن قضاياهم، دون متاجرة أو ادعاء. كان قريبًا من الناس، ولذلك بقي قريبًا من قلوبهم.
وبرحيل أبي حاتم لا أفقد سياسيًا عرفته فحسب، بل أفقد واحدًا من الرجال الذين تركوا أثرًا طيبًا في الذاكرة، وعلّموا جيلاً كاملًا أن السياسة يمكن أن تكون أخلاقًا وموقفًا قبل أن تكون سلطةً ومصلحة. وسيبقى في ذاكرتي ذلك الرجل البسيط القريب من الناس، الصادق في قناعاته، الثابت على مبادئه، الذي اختلف معه كثيرون واتفق معه كثيرون، لكنه ظل يحظى باحترام الجميع لأنه كان يقول ما يؤمن به ويدفع ثمن مواقفه دون تردد أو مواربة.
رحمة الله تغشى المناضل حاتم أبو حاتم، والعزاء لليمن عمومًا، وللتنظيم الوحدوي الشعبي الناصري خصوصًا، في هذه الخسارة الكبيرة التي ستظل حاضرة في ذاكرة كل من عرف هذا الرجل وعرف قيمة ما مثّله من مواقف وسيرة نضالية وإنسانية.
إنا لله وإنا إليه راجعون.