اليمن: مؤشرات أممية تكشف اتساع فجوة الجوع وتراجع القدرة على الصمود

  • الوحدوي نت
  • منذ 10 ساعات - Friday 17 July 2026
اليمن: مؤشرات أممية تكشف اتساع فجوة الجوع وتراجع القدرة على الصمود


تتجه الأزمة الإنسانية في اليمن نحو مرحلة أكثر تعقيداً مع استمرار تراجع التمويل الدولي للعمليات الإغاثية وتزايد الضغوط الاقتصادية والمعيشية على ملايين السكان، في وقت تحذر فيه الأمم المتحدة ومنظمات دولية من اتساع رقعة انعدام الأمن الغذائي وارتفاع أعداد المحتاجين للمساعدات خلال الأشهر المقبلة.


وتكشف أحدث البيانات الصادرة خلال النصف الأول من يوليو الجاري، عن وكالات الأمم المتحدة وبرنامج الغذاء العالمي وشبكة نظام الإنذار المبكر بالمجاعة، عن صورة مقلقة للأوضاع في البلاد، حيث تتقاطع أزمة التمويل الإنساني مع التدهور الاقتصادي وتداعيات الصراع الإقليمي، لتشكل مجتمعة عوامل ضغط تهدد الأمن الغذائي لملايين اليمنيين.


فجوة تمويلية تهدد المساعدات 

وأكد مكتب الأمم المتحدة لتنسيق الشؤون الإنسانية (أوتشا) أن خطة الاستجابة للاحتياجات الإنسانية في اليمن لعام 2026 لم تحصل حتى منتصف يوليو الجاري سوى على 411 مليون دولار، ما يعادل 19% فقط من إجمالي التمويل المطلوب البالغ 2.16 مليار دولار.


وتعني هذه الأرقام أن الخطة الإنسانية لا تزال تواجه فجوة تمويلية ضخمة تصل إلى 1.75 مليار دولار، أي ما نسبته 81% من الاحتياجات المعلنة، الأمر الذي يضع برامج الإغاثة الأساسية أمام تحديات متزايدة ويهدد بحرمان ملايين اليمنيين من المساعدات الغذائية والصحية وخدمات الحماية المنقذة للحياة.


وتصدرت المفوضية الأوروبية قائمة المانحين للخطة الإنسانية بقيمة 83.6 مليون دولار، تلتها السعودية بـ80 مليون دولار، ثم المملكة المتحدة بـ58.8 مليون دولار، فيما ساهمت ألمانيا وكندا واليابان وكوريا الجنوبية وهولندا والسويد بمبالغ متفاوتة لدعم الاستجابة الإنسانية.

 

اتساع رقعة الجوع 

وفي موازاة أزمة التمويل، أظهرت تقارير برنامج الغذاء العالمي استمرار تدهور الأمن الغذائي في اليمن للشهر الثاني على التوالي، مع ارتفاع نسبة الأسر غير القادرة على تلبية احتياجاتها الغذائية الأساسية إلى 62% خلال مايو الماضي، مقارنة بـ59 % في أبريل.


وسجلت المناطق الواقعة تحت سيطرة الحكومة المعترف بها دولياً ارتفاعاً أكبر في معدلات الحرمان الغذائي، حيث بلغت نسبة الأسر التي تعاني نقصاً في الغذاء 66%، مقابل 60% في المناطق الخاضعة لسيطرة الحوثيين خلال ذات الفترة.


كما ارتفعت معدلات الحرمان الغذائي الشديد إلى 36% على المستوى الوطني، بينما تجاوزت جميع المحافظات اليمنية العتبة المصنفة دولياً بأنها "عالية جداً"، والتي تبلغ 40%، في مايو الماضي، مع تسجيل أعلى المستويات في محافظات البيضاء والجوف والضالع ولحج وريمة وشبوة وعمران وحجة وأبين.


ويحذر البرنامج الأممي من أن تأثيرات الجفاف والفيضانات وتراجع المساعدات الإنسانية وارتفاع أسعار السلع والوقود قد تدفع الأزمة إلى مستويات أكثر خطورة مع نهاية العام الجاري.


وبينما ترفع تقارير حديثة لمنظمات دولية تقديرات المتأثرين بانعدام الأمن الغذائي إلى نحو 18 مليون شخص، ترسم شبكة نظام الإنذار المبكر بالمجاعة صورة أكثر قتامة للمشهد الإنساني، متوقعة استمرار الأزمة الغذائية الواسعة في جميع المحافظات اليمنية حتى مطلع عام 2027، مع حاجة ما بين 15 و16 مليون شخص للمساعدات الغذائية خلال الربع الثالث من عام 2026. وتؤكد الأمم المتحدة أن اليمن ما يزال يقف في صدارة أسوأ الأزمات الإنسانية عالمياً، في ظل تصاعد الاحتياجات وتراجع القدرة على مواجهة تداعيات الأزمة.


وأرجعت الشبكة هذه التوقعات إلى استمرار تدهور الأوضاع الاقتصادية، وانخفاض فرص العمل، وتراجع مصادر الدخل، وضعف الإنتاج الزراعي نتيجة انخفاض معدلات الأمطار وارتفاع درجات الحرارة، إلى جانب تداعيات الصراع المستمر منذ سنوات.


ووفقاً للتحليل، ستبقى غالبية المناطق اليمنية ضمن مرحلة الأزمة الغذائية الحادة IPC3، فيما ستستمر حالات الطوارئ الغذائية IPC4 في عدد من المحافظات الواقعة تحت سيطرة جماعة الحوثي، وفي مقدمتها الحديدة وحجة وتعز، مع توقع ظهور بؤر جديدة للأزمة في مناطق أخرى، خصوصاً بين النازحين والأسر الأكثر هشاشة.


أما في المناطق الواقعة تحت نفوذ الحكومة المعترف بها دولياً، فيُتوقع ارتفاع أعداد الأسر التي تواجه مستويات مماثلة من الأزمة، لا سيما في المناطق القريبة من خطوط المواجهة، وبين النازحين داخلياً، والأسر التي تعولها نساء، وهي الفئات الأكثر تعرضاً لتداعيات تراجع القدرة الشرائية وارتفاع تكاليف المعيشة.


خسائر الموانئ وتداعياتها الاقتصادية

وفيما يتعلق بالموانئ اليمنية، كشف برنامج الأغذية العالمي أن التدهور الذي طال موانئ البحر الأحمر الخاضعة لسيطرة جماعة الحوثي تسبب في خسائر تجاوزت 1.4 مليار دولار، نتيجة تراجع النشاط التجاري وانخفاض الإيرادات المرتبطة بحركة الاستيراد. 


وأشار التقرير إلى أن الأضرار التي لحقت بالبنية التحتية للموانئ، إضافة إلى الاضطرابات المرتبطة بإغلاق مضيق هرمز وتداعيات التوترات الإقليمية، أسهمت في تفاقم أزمة الوقود والإمدادات التجارية، ما انعكس بصورة مباشرة على الأسواق المحلية والخدمات الأساسية.


كما لفت التقرير إلى أن سلطات الحوثيين اتجهت إلى زيادة الضرائب ومصادرة بعض الأصول لتعويض تراجع الإيرادات، الأمر الذي أدى إلى مزيد من الضغوط على الأنشطة الاقتصادية وسُبل عيش السكان.


تآكل القدرة الشرائية

وتؤكد المؤشرات الاقتصادية استمرار تراجع القوة الشرائية للأسر اليمنية، حيث سجلت أسعار المواد الغذائية الأساسية في المناطق الخاضعة لسيطرة الحوثيين ارتفاعاً بنسبة 13 % منذ فبراير الماضي.


ويرجع برنامج الغذاء العالمي هذه الزيادة إلى ارتفاع أسعار الغذاء عالمياً، وازدياد تكاليف الشحن البحري، إضافة إلى تداعيات التوترات الإقليمية وإغلاق مضيق هرمز.


وتتزامن هذه التطورات مع إفادة نحو 70% من السكان في تلك المناطق بانخفاض دخولهم الشهرية، في وقت لا تزال فيه المساعدات الغذائية الإنسانية متوقفة منذ أغسطس 2025 بسبب تحديات التمويل والقيود التشغيلية.


وأوضح التقرير أن الاستقرار النسبي لسعر الصرف في مناطق سيطرة الحوثيين "لم يُخفف من التحديات الاقتصادية الناجمة عن العقوبات، ونقل البنوك من صنعاء إلى عدن، والنقص الحاد في العملات الأجنبية، وقيود السيولة، وانخفاض إيرادات الموانئ المتضررة، وزيادة الضرائب، وتقييد بيئة الأعمال".


تراجع واردات الوقود 

وأظهرت بيانات برنامج الغذاء العالمي انخفاض واردات الوقود والغذاء إلى موانئ البحر الأحمر الخاضعة للحوثيين بنسبة 5.5% خلال الأشهر الخمسة الأولى من العام الجاري مقارنة بالفترة نفسها من العام الماضي.


وسجلت واردات الوقود تراجعاً حاداً بلغ 73% عن ذات الفترة في 2025، في حين حافظت واردات الغذاء على مستويات أعلى نسبياً، ما ساهم في استمرار توفر السلع الغذائية في الأسواق، رغم صعوبة حصول الأسر عليها بسبب ضعف الدخل وارتفاع الأسعار.


وفي المقابل، استقبلت الموانئ الواقعة ضمن نفوذ الحكومة المعترف بها دولياً نحو 823 ألف طن من الوقود والمواد الغذائية خلال الفترة ذاتها، بانخفاض قدره 35% مقارنة بالعام الماضي، وسط مخاوف من انعكاسات تراجع الواردات على استقرار الأسواق المحلية.


كما شهدت مناطق الحكومة في مايو الماضي ارتفاعاً ملحوظاً في أسعار الوقود تراوح بين 26 و30%، في أعلى مستوى لها منذ أغسطس 2025، إلى جانب زيادة سعر صرف الدولار الجمركي من 750 إلى 1550 ريالاً للدولار الواحد، ما يهدد بموجة جديدة من التضخم وارتفاع تكاليف المعيشة.


وتعكس هذه المؤشرات مجتمعة حجم التحديات التي تواجه اليمن في ظل استمرار الصراع وتراجع التمويل الإنساني وتفاقم الأزمات الاقتصادية، حيث باتت ملايين الأسر عالقة بين تقلص المساعدات وارتفاع الأسعار وضعف فرص العمل.


ومع دخول النصف الثاني من عام 2026، تبدو الحاجة ملحة إلى تحرك دولي أكبر لسد فجوة التمويل الإنساني ودعم استقرار الاقتصاد والخدمات الأساسية، تجنباً لمزيد من التدهور في واحدة من أكثر الأزمات الإنسانية تعقيداً في العالم.


انهيار الخدمات الصحية

بالتوازي مع تفاقم أزمة الأمن الغذائي، يواجه القطاع الصحي في اليمن ضغوطاً غير مسبوقة نتيجة تفشي الأوبئة وتراجع الخدمات الصحية ونقص التمويل. وحذرت الأمم المتحدة ومنظمة الصحة العالمية من أن ملايين اليمنيين باتوا معرضين لمخاطر صحية متزايدة، في وقت يحتاج فيه نحو 19.3 مليون شخص إلى خدمات صحية أساسية خلال عام 2026. 


كما أدى نقص التمويل إلى إغلاق أكثر من 450 مرفقاً صحياً، بينها 76 مستشفى، وتقليص خدمات التغذية والرعاية الصحية، ما يهدد الفئات الأكثر ضعفاً، خصوصاً الأطفال والنساء.

 

أعداداً قياسية من المهاجرين  

رغم الأزمات الإنسانية والاقتصادية والأمنية المتفاقمة، ما يزال اليمن يشكل إحدى أبرز وجهات الهجرة غير النظامية للقادمين من دول القرن الأفريقي، حيث تتواصل تدفقات المهاجرين عبر السواحل اليمنية بوتيرة مرتفعة، مدفوعة بعوامل الفقر والصراعات وتدهور الأوضاع المعيشية في بلدان المنشأ، الأمر الذي يضيف أعباءً جديدة على بلد يواجه أصلاً تحديات إنسانية وتنموية غير مسبوقة.


وتُظهر بيانات منظمة الهجرة الدولية أن نحو 97 ألفاً و174 مهاجراً أفريقياً وصلوا إلى اليمن خلال النصف الأول من عام 2026، وهو أعلى معدل يُسجل خلال الفترة نفسها منذ سبع سنوات. ويشكل الإثيوبيون الغالبية الساحقة من هؤلاء المهاجرين بنسبة تقارب 96%، فيما توزع الباقون بين مهاجرين صوماليين وجنسيات أفريقية أخرى.


وتحولت السواحل اليمنية، خصوصاً في أبين وشبوة والساحل الغربي لتعز، إلى نقاط وصول رئيسية للمهاجرين القادمين عبر جيبوتي والصومال، في رحلة محفوفة بالمخاطر غالباً ما تنتهي بمحاولات عبور غير نظامية نحو دول الخليج.


وسجل شهر يونيو الماضي وحده وصول 13,339 مهاجراً أفريقياً إلى اليمن، بزيادة بلغت 15% مقارنة بشهر مايو، وفقاً لبيانات مصفوفة النزوح التابعة لمنظمة الهجرة الدولية.


وأرجعت المنظمة هذا الارتفاع إلى تراجع الحملات الأمنية التي كانت تستهدف شبكات التهريب ومراكز تجمع المهاجرين خلال الأشهر السابقة، الأمر الذي أتاح للمهربين استئناف نشاطهم بدرجة أكبر، خاصة عبر السواحل الواقعة في محافظة أبين.


وتشير البيانات إلى أن 80% من الوافدين خلال يونيو انطلقوا من جيبوتي، بينما قدم 20% من الصومال، فيما استمرت السلطات العُمانية في إعادة مهاجرين إثيوبيين إلى محافظة المهرة بعد ضبطهم أثناء محاولات عبور الحدود.


وفي المقابل، شهد النصف الأول من العام الجاري عودة نحو 8,925 مهاجراً إثيوبياً من اليمن إلى جيبوتي عبر 67 رحلة بحرية، وصفتها منظمة الهجرة الدولية بأنها "محفوفة بالمخاطر".


وغادر معظم هؤلاء المهاجرين عبر سواحل رأس العارة بمحافظة لحج، بينما انطلقت أعداد محدودة من محافظة أبين، سواء ضمن برامج العودة أو بعد عمليات ترحيل نفذتها السلطات اليمنية.


كما سجلت المنظمة مغادرة 305 مهاجرين إثيوبيين من اليمن باتجاه سلطنة عُمان خلال الفترة ذاتها، في ظل استمرار حركة تنقل معقدة بين اليمن ودول الجوار، تعكس الطبيعة المتشابكة لملف الهجرة في المنطقة.


وتكشف مؤشرات النزوح والهجرة عن مفارقة إنسانية لافتة؛ فبينما يحاول ملايين اليمنيين إعادة بناء حياتهم في مناطقهم الأصلية بعد سنوات من النزوح، تستمر البلاد في استقبال عشرات الآلاف من المهاجرين الفارين من الفقر والصراعات في القرن الأفريقي.


ويؤدي هذا الواقع إلى مضاعفة الضغوط على المجتمعات المضيفة والخدمات الأساسية وسوق العمل، في وقت تعاني فيه الاستجابة الإنسانية من نقص حاد في التمويل وتزايد الاحتياجات على مختلف المستويات.


الألغام ومخلفات الحرب

تواصل الألغام ومخلفات الحرب حصد أرواح المدنيين في اليمن، لتبقى واحدة من أخطر التحديات الإنسانية التي تعيق التعافي والاستقرار بعد أكثر من عقد من الصراع. 


وحذرت منظمة "إنقاذ الطفولة"، الخميس، من تصاعد مخاطر الألغام على الأطفال، مشيرة إلى مقتل 20 طفلاً وإصابة 25 آخرين خلال النصف الأول من العام الجاري، بزيادة بلغت 61% مقارنة بالفترة نفسها من العام الماضي.


وتؤكد تقارير أممية وحقوقية أن اليمن لا يزال من بين أكثر دول العالم تضرراً بالألغام والمتفجرات من مخلفات الحرب، حيث تتسبب هذه الآفة في سقوط ضحايا مدنيين بصورة مستمرة، وتعرقل عودة النازحين واستغلال الأراضي الزراعية والوصول إلى مصادر الدخل والخدمات الأساسية، فضلاً عن آثارها الاجتماعية والاقتصادية طويلة الأمد على الأسر والمجتمعات المحلية.


وفي مقابل هذه المخاطر، تتواصل عمليات نزع الألغام وتطهير المناطق الملوثة. فقد أعلن مشروع "مسام" في يونيو الماضي أنه تمكن منذ بدء عمله عام 2018 وحتى منتصف يوليو 2026 من نزع أكثر من 573 ألف لغم وذخيرة غير منفجرة وعبوة ناسفة، وتأمين ما يزيد على 82 مليون متر مربع من الأراضي في عدد من المحافظات اليمنية.


ورغم هذه الجهود، تؤكد المنظمات الدولية أن حجم التلوث بالألغام لا يزال واسعاً، ما يستدعي تعزيز عمليات المسح والتطهير والتوعية المجتمعية، وتوفير الدعم اللازم للضحايا، خصوصاً الأطفال الذين يظلون الفئة الأكثر عرضة لمخاطر الألغام ومخلفات الحرب في اليمن.


مساعدات شحيحة وفجوة تمويلية

على الرغم من التراجع الحاد في تمويل العمليات الإنسانية، واصلت المنظمات الدولية وشركاؤها تنفيذ تدخلات إغاثية وتنموية استهدفت الفئات الأكثر هشاشة في مختلف أنحاء اليمن. وتشير بيانات الأمم المتحدة إلى أن أكثر من 7.3 ملايين شخص تلقوا مساعدات إنسانية منقذة للحياة خلال الأشهر الخمسة الأولى من عام 2026، عبر 123 منظمة وشريكاً إنسانياً، بمتوسط يقارب 1.5 مليون مستفيد شهرياً.


وتوزعت هذه المساعدات على قطاعات متعددة، حيث استفاد نحو 3.45 ملايين شخص من برامج الأمن الغذائي وسبل العيش، فيما حصل 2.26 مليون شخص على خدمات المياه والإصحاح البيئي والنظافة، بينما تلقى أكثر من 848 ألف شخص خدمات صحية أساسية. كما وصلت التدخلات التغذوية إلى أكثر من مليوني شخص، في حين استفاد نحو 400 ألف شخص من خدمات الحماية والدعم الاجتماعي.


غير أن الأمم المتحدة تؤكد أن حجم الاستجابة لا يزال دون مستوى الاحتياجات الفعلية بسبب النقص الحاد في التمويل، الأمر الذي يحد من قدرة المنظمات الإنسانية على توسيع نطاق تدخلاتها في ظل اتساع رقعة الاحتياجات الإنسانية في البلاد.


دعم دولي لمواجهة الجوع  

بالتزامن مع التحذيرات الأممية من اتساع رقعة الجوع، شهد النصف الأول من يوليو الجاري الإعلان عن حزم دعم جديدة لتعزيز الأمن الغذائي والخدمات الأساسية في اليمن. فقد وقعت اليابان وبرنامج الأغذية العالمي اتفاقية بقيمة 1.9 مليون دولار لتوفير مساعدات غذائية لنحو 700 ألف شخص من الفئات الأشد احتياجاً، كما أعلن البرنامج عن مساهمة مشتركة من السعودية والمملكة المتحدة بقيمة 10 ملايين دولار لدعم سبل العيش الزراعية وتقديم مساعدات نقدية للأسر المتضررة من انعدام الأمن الغذائي.


وفي السياق ذاته، تواصلت التدخلات التنموية والإنسانية في قطاعات الكهرباء والمياه والصحة والتعليم، حيث أعلن البرنامج السعودي لتنمية وإعمار اليمن تنفيذ مشاريع جديدة ودعم الموازنة العامة، فيما أطلقت المنظمة الدولية للهجرة مشروعاً بقيمة 5.3 ملايين دولار لتحسين أوضاع النازحين في مأرب. كما نفذت اليونيسف وبرامج أممية أخرى مشاريع لدعم التعليم وتحسين خدمات المياه والإصحاح البيئي في المرافق الصحية، في مساعٍ لتعزيز صمود المجتمعات المحلية والحد من تداعيات الأزمة الإنسانية المتفاقمة، وغيرها من المبادرات.

 

دعوات لتعزيز التنسيق والشراكة

في المقابل، دعت الحكومة المعترف بها دولياً، المنظمات الدولية ووكالات الأمم المتحدة إلى تعزيز التنسيق مع مؤسسات الدولة ومشاركة بيانات المشاريع والتدخلات الإنسانية والتنموية ضمن نظام وطني موحد، بما يضمن رفع كفاءة الاستجابة وتوجيه الموارد نحو الأولويات الأكثر إلحاحاً.


كما جددت الحكومة دعوتها للمنظمات الدولية إلى نقل مقارها الرئيسية إلى العاصمة المؤقتة عدن، في إطار مساعيها لتعزيز الشراكة المباشرة مع الجهات المانحة وتحسين آليات التخطيط والتنفيذ والرقابة على المشاريع الإنسانية والتنموية.


الحاجة تتفاقم والاستجابة تتراجع

رغم استمرار تدفق المساعدات الدولية وإطلاق مشاريع إنسانية وتنموية جديدة، تؤكد المؤشرات الأممية أن حجم الاحتياجات في اليمن لا يزال يفوق بكثير الموارد المتاحة، في ظل اتساع الفجوة التمويلية وتزايد أعداد المحتاجين. 


ويجمع مراقبون على أن الحفاظ على مستويات الاستجابة الحالية، فضلاً عن توسيعها، يتطلب دعماً دولياً أكبر لتجنب انزلاق ملايين اليمنيين إلى أوضاع إنسانية أكثر صعوبة خلال الأشهر المقبلة.


وتتزايد المخاوف من دخول اليمن مرحلة أكثر تعقيداً على الصعيدين الإنساني والاقتصادي، في ظل تداعيات المواجهة العسكرية بين إيران وإسرائيل، وما نتج عنها من اضطرابات في حركة الملاحة والتجارة الإقليمية. 


وتفيد مصادر حكومية وتجارية بأن موردي السلع يواجهون صعوبات متزايدة في إيصال الشحنات إلى اليمن، في ظل تعطل بعض خطوط الشحن وارتفاع تكاليف النقل والتأمين، الأمر الذي يهدد بموجة جديدة من ارتفاع الأسعار في بلد يعتمد على الاستيراد لتأمين نحو 90 % من احتياجاته الغذائية.


وأشارت المصادر إلى أن أسعار عدد من السلع الأساسية ارتفعت خلال فترات التوتر الأخيرة بأكثر من 20%، بينما كانت الزيادات أكبر في مناطق سيطرة الحوثيين نتيجة الرسوم والقيود المفروضة على بعض الواردات، ما زاد من الأعباء المعيشية على السكان الذين يعانون أصلاً من تراجع القدرة الشرائية وارتفاع معدلات الفقر.


وفي سياق التداعيات الاقتصادية المتزايدة للأزمة الإقليمية، كشفت تقارير اقتصادية مطلع يوليو الجاري أن اليمن يتحمل أعباء إضافية في تكاليف الشحن البحري تُقدَّر بما بين مليار ومليار ونصف مليار دولار سنوياً، نتيجة الحرب وعدم الاستقرار وارتفاع أقساط التأمين واضطراب حركة الملاحة في البحر الأحمر ومضيق هرمز. وأشارت التقديرات إلى أن المستورد اليمني يدفع في المتوسط نحو 3 آلاف دولار إضافية للحاوية الواحدة مقارنة بالموانئ الإقليمية المجاورة، فيما ترتفع الكلفة في بعض الحالات إلى أكثر من 5 آلاف دولار للحاوية بسبب إعادة الشحن عبر موانئ وسيطة.


ويرى خبراء اقتصاديون أن هذه التكاليف الإضافية تنعكس مباشرة على أسعار الغذاء والدواء والسلع الأساسية، ما يزيد الضغوط المعيشية على السكان. كما حذروا من أن استمرار التوترات الإقليمية واضطراب سلاسل الإمداد قد يؤدي إلى مزيد من الارتفاع في أسعار السلع، وتأخير وصول الشحنات، وتفاقم الأزمة الإنسانية والاقتصادية التي تواجهها البلاد.

 

أسوأ الأزمات الإنسانية

وتحذر الأمم المتحدة من أن اليمن ما يزال يواجه واحدة من أسوأ الأزمات الإنسانية في العالم، حيث يعاني أكثر من 18 مليون شخص من انعدام الأمن الغذائي، بينما يحتاج 22.3 مليون شخص إلى المساعدات الإنسانية والحماية خلال عام 2026. كما يواجه ملايين الأطفال والنساء مخاطر متزايدة من سوء التغذية والأمراض، في ظل تراجع التمويل الإنساني واستمرار تدهور الخدمات الأساسية.


وفي جلسة لمجلس الأمن الدولي منتصف الأسبوع، جددت الأمم المتحدة تحذيرها من أي تصعيد جديد في اليمن، مؤكدة أن البلاد والمنطقة لا تحتملان جولة أخرى من المواجهات. 


وشدد مساعد الأمين العام للأمم المتحدة خالد خياري على أن الحل السياسي الشامل القائم على الحوار والتفاوض برعاية أممية يظل الطريق الوحيد لتحقيق سلام مستدام، محذراً من أن الإجراءات الأحادية والتوترات المرتبطة بأزمة الرحلات الإيرانية إلى اليمن قد تعمق الانقسامات وتزيد احتمالات العودة إلى المواجهة العسكرية.


كما حذر نائب منسق الإغاثة في حالات الطوارئ بالأمم المتحدة، إندريكا راتواتي، من أن أي تصعيد جديد ستكون له تداعيات إنسانية مباشرة، تشمل ارتفاع أسعار الغذاء والوقود، وزيادة أعداد النازحين، وتعقيد وصول المساعدات إلى ملايين المحتاجين. 


وبين ضغوط الجوع وتراجع التمويل واستمرار التوترات السياسية والعسكرية، يبقى اليمن أمام تحديات متشابكة تهدد بتوسيع دائرة المعاناة الإنسانية ما لم تُدعم جهود السلام والاستجابة الإنسانية بصورة أكثر فاعلية واستدامة.