أكد المبعوث الأممي الخاص إلى اليمن، هانس غروندبرغ، أن سرعة التطورات الأخيرة في جنوب اليمن تعكس مدى السرعة التي يمكن أن يختل بها هذا التوازن الهش، محذراً من أن غياب نهج متكامل لمعالجة التحديات اليمنية سيبقي البلاد عرضة لتكرار دورات عدم الاستقرار.
جاء ذلك خلال إحاطته أمام مجلس الأمن الدولي، حيث استعرض أبرز المستجدات السياسية والأمنية في اليمن، مشيراً إلى أن خفض التصعيد النسبي الذي تحقق منذ عام 2022 لم يكن سوى نافذة مؤقتة تتطلب توجيهاً سياسياً مستداماً لتحويله إلى سلام دائم.
وأوضح غروندبرغ أن الأوضاع في جنوب اليمن شهدت خلال الأسابيع الماضية توترات عسكرية، لا سيما في محافظتي حضرموت والمهرة، على خلفية تحركات قوات تابعة للمجلس الانتقالي الجنوبي للتوسع في حضرموت والمهرة في ديسمبر الماضي، وتحرك قوات موالية للحكومة اليمنية في مطلع يناير الجاري، بدعم من المملكة العربية السعودية، لإعادة بسط السيطرة على المحافظتين، ثم انتشرت لاحقًا في عدن ومناطق حكومية أخرى لتأمين البنية التحتية الإدارية والاقتصادية والعسكرية الرئيسية، والتي رافقها تعديلات في التعيينات السياسية الرئيسية وقرارات قيادية على المستوى الوطني.. مبيناً أن الأيام الأخيرة شهدت خفضاً للتصعيد العسكري واستقراراً عاماً إلا أن الوضع الأمني في أجزاء من الجنوب لا يزال هشاً.
وأشار إلى أنه أجرى مشاورات مكثفة مع أطراف يمنية وشركاء إقليميين ودوليين في القاهرة ومسقط والرياض، بهدف احتواء التوترات ودعم مسار سياسي يضمن حلولاً مستدامة، مؤكداً أن نجاح أي تسوية يتطلب إرادة يمنية فاعلة ودعماً إقليمياً موحداً ومنسقاً.
وشدد المبعوث الأممي على أن مستقبل جنوب اليمن لا يمكن أن يُحدد من قبل طرف واحد أو يُفرض بالقوة، مؤكداً أن معالجة هذه القضية المعقدة مسؤولية اليمنيين أنفسهم، بما في ذلك كامل تنوع الرؤى الجنوبية.
وفي هذا السياق، رحّب بمبادرة رئيس مجلس القيادة الرئاسي، الدكتور رشاد العليمي، لعقد حوار جنوبي تستضيفه المملكة العربية السعودية، معتبراً أنها تمثل فرصة مهمة لبدء معالجة قضية الجنوب عبر المشاركة السياسية وبناء توافق داخلي يمهّد لعملية سياسية شاملة على مستوى اليمن، برعاية الأمم المتحدة.
وأكد غروندبرغ أن الأولويات التي يعبّر عنها اليمنيون في مختلف المناطق متشابهة، وفي مقدمتها تحسين الخدمات الأساسية، وصرف الرواتب، وحرية التنقل، وبناء مؤسسات تعمل لصالح المواطنين بعيداً عن المصالح الفئوية. وحذّر من أن أي اضطراب سياسي أو أمني، ولو كان محدوداً، قد يفاقم التدهور الاقتصادي، ويضغط على العملة الوطنية، ويعرقل جهود الإصلاح.
وفي هذا الإطار، رحّب بتصريحات الحكومة اليمنية بشأن تحييد المؤسسات الاقتصادية، بما فيها البنك المركزي، عن الصراعات السياسية، داعياً إلى الحفاظ على زخم الإصلاحات الاقتصادية باعتبارها مدخلاً أساسياً لاستعادة الاستقرار والثقة.
وأشار المبعوث الأممي إلى أن التحديات السياسية والأمنية والاقتصادية في اليمن مترابطة ولا يمكن معالجتها بشكل منفصل، وأي تقدم في أحدها لن يصمد دون التقدم في البقية، مشدداً على أن قضية الجنوب ترتبط ارتباطاً وثيقاً بمستقبل الدولة والترتيبات الأمنية والحوكمة الاقتصادية، ما يستدعي إطلاق عملية سياسية وطنية جامعة تعالج هذه الملفات مجتمعة.. مؤكداً في ذات الوقت على أن هذه العملية وحدها كفيلة بتحقيق التطلعات المشتركة لليمنيين، وهي وحدها القادرة على إنهاء الصراع على نحو مستدام.
وقال:" ولذلك، أواصل تركيزي الدؤوب على تأمين عملية سياسية، والتي كانت ولا تزال الهدف المحوري لخارطة طريق الأمم المتحدة".
وأكد المبعوث الأممي، أن التطورات في جنوب اليمن تعكس تحديات تمتد إلى عموم البلاد، مشدداً على أن إحراز تقدم يتطلب التزام جميع الأطراف، بما فيها جماعة أنصار الله، بتجنب التصعيد والانخراط الإيجابي في مسار سياسي شامل برعاية الأمم المتحدة، يتضمن إجراءات لبناء الثقة.
وفيما يتعلق بملف المحتجزين، أشار غروندبرغ إلى أن الاجتماع الذي عُقد في مسقط الشهر الماضي برعاية الأمم المتحدة، وبمشاركة الحكومة اليمنية والتحالف والحوثيين، أسفر عن اتفاق مبدئي للإفراج عن دفعة جديدة من المحتجزين، في خطوة تعيد الأمل لعائلاتهم وتمهّد لتنفيذ مبدأ «الكل مقابل الكل»، مثمناً دور سلطنة عُمان واللجنة الدولية للصليب الأحمر في هذا الملف.
وفي المقابل، أعرب المبعوث الأممي عن قلقه البالغ إزاء استمرار احتجاز موظفي الأمم المتحدة والعاملين الإنسانيين في صنعاء، وإحالة بعضهم إلى المحكمة الجنائية الخاصة التابعة للحوثيين، مطالباً بالإفراج الفوري عنهم، ومعتبراً أن هذه الممارسات تقوض العمل الإنساني وتلحق ضرراً مباشراً بالشعب اليمني.
وأكد غروندبرغ على أن المرحلة الراهنة تتطلب من القيادات اليمنية الاستثمار في السياسة لا في القوة، وفي المؤسسات لا في التفكك، داعياً مجلس الأمن إلى مواصلة دعمه الموحد للعملية السياسية التي تقودها الأمم المتحدة، محذراً من أن انزلاق اليمن إلى صراعات داخلية جديدة سيقوض فرص السلام، في وقت لا تزال فيه الفرصة قائمة للانتقال نحو استقرار شامل ومستدام.