Home News Locally

خبير آثار يحذر: مجموعة ذهبية نادرة من ظفار والجوف تواجه خطر التهريب والضياع

خبير آثار يحذر: مجموعة ذهبية نادرة من ظفار والجوف تواجه خطر التهريب والضياع


حذر خبير الآثار اليمني عبدالله محسن من استمرار عمليات العبث بالمواقع الأثرية ونهب كنوز اليمن التاريخية، كاشفاً عن ظهور مجموعة ذهبية نادرة يُعتقد أنها استُخرجت من مواقع أثرية في ظفار والجوف، في واقعة جديدة تعكس حجم التهديد الذي يواجه التراث اليمني في ظل ضعف إجراءات الحماية واستمرار أعمال النبش غير القانونية.


وقال محسن إن عمليات التنقيب العشوائي والاتجار بالآثار باتت تتواصل بشكل يومي وفي وضح النهار، مشيراً إلى أن الوثائق والمراسلات الرسمية الصادرة عن السلطات في كل من عدن وصنعاء تعكس عجزاً واضحاً عن التصدي لهذه الظاهرة التي تسببت في استنزاف جزء مهم من الذاكرة الحضارية لليمن.


وأوضح أن المجموعة الذهبية التي ظهرت مؤخراً، ويجري عرضها للبيع في محافظة إب، تمثل نموذجاً صارخاً لاستنزاف الإرث الحضاري اليمني، محذراً من احتمال انتقال هذه القطع مستقبلاً إلى مزادات دولية أو مجموعات خاصة ومتاحف خارجية، مرفقة بوثائق مزورة تدّعي خروجها من اليمن في فترات تاريخية سابقة أو تنسبها إلى مناطق أخرى خارج البلاد.


وتضم المجموعة صفائح ذهبية وأقراطاً وخواتم وسواراً، تكشف مجتمعة عن تداخل واضح بين الوظائف الزخرفية والدينية والاجتماعية للحُلي في المجتمع اليمني القديم، كما توثق مستوى متقدماً من المهارات التقنية التي امتلكها الحرفيون اليمنيون، بما في ذلك تقنيات الطبع على القوالب، والتحبيب، واستخدام الأسلاك الذهبية الدقيقة.


ووفقاً للباحث محسن، فإن خطورة القضية لا تكمن في القيمة المادية للقطع فحسب، بل في فقدانها لسياقها الأثري والعلمي، الأمر الذي يحرم الباحثين من دراسة الظروف التاريخية التي اكتُشفت فيها، كونها شاهداً نادراً على تقاليد الصياغة الذهبية في اليمن القديم، وما تعكسه من تطور فني وثقافي ضمن شبكة واسعة من التبادل الحضاري والتجاري مع العالم القديم، فضلاً عن خطورة إمكانية تسهيل تهريبها لاحقاً إلى الأسواق والمتاحف الخارجية عبر وثائق مزورة تدّعي خروجها من اليمن في فترات سابقة.


وفي تعليق على هذه المجموعة الذهبية، دعا أستاذ التاريخ البروفيسور عارف أحمد المخلافي إلى التعامل مع ما يجري باعتباره كارثة وطنية تمس هوية اليمن الحضارية، متسائلاً عما إذا كانت هناك جهات داخلية وخارجية تتقاطع مصالحها في تخريب الحضارة اليمنية وطمس معالمها وسرقة كنوزها.


وأكد المخلافي أن المشاهد المتداولة للقطع المنهوبة تستدعي فتح تحقيق رسمي على أعلى المستويات، مطالباً مجلس القيادة الرئاسي والحكومة بسرعة تشكيل لجنة مختصة للوقوف على ملابسات هذه القضية وملاحقة المتورطين فيها، مشدداً على أن الآثار تمثل سجلاً لا يتكرر لحياة الإنسان اليمني ومنجزاته التاريخية.


وأكد أن ما تتعرض له الآثار اليمنية لا يقل خطورة عن التحديات السياسية والاقتصادية والأمنية التي تواجه البلاد.. مشيراً إلى أن الآثار تمثل ذاكرة الشعب اليمني وسجل إنجازاته الحضارية عبر آلاف السنين، وأن فقدانها يعني ضياع جزء لا يمكن تعويضه من الهوية الوطنية والتاريخ الإنساني.


من جانبه، أوضح الباحث المهتم بالتراث محمد عطبوش أن القطع المكتشفة تنتمي إلى نماذج أثرية معروفة وموثقة في المتاحف اليمنية، وأن ظهورها خارج سياقها الأثري الأصلي يؤكد استمرار نزيف الآثار اليمنية نحو المجموعات الخاصة والمزادات الدولية، ويعيق إمكانية إثبات مصدرها ويحرم الباحثين من دراسة ظروف اكتشافها وموقعها الزمني والحضاري بدقة.


ولفت إلى أن الخاتمين الذهبيين يشبهان خاتماً منقوشاً باسم "أبيكرب" ضمن مجموعة فيرنر داوم، ويُعرض حالياً في متحف فينكلمان، وتوجد صورته في كتالوج ميونخ، ص 146، مشيراً إلى أن أسلوب الكتابة بتقنية التحبيب يظهر كذلك في قطع ذهبية أخرى منشورة في الكتالوج نفسه، ص 148، ما يعزز فرضية ارتباط هذه القطع بالتراث اليمني القديم.


وفي قراءة علمية لأهمية المجموعة، أوضحت عالمة الآثار المتخصصة في الحلي والمجوهرات اليمنية القديمة الدكتورة ليلى عقيل أن الصفائح الذهبية المعروضة تحمل زخارف وموضوعات محلية واضحة، من أبرزها رؤوس الثيران والرموز النباتية، وربما كانت جزءاً من أساور أو زينات تُخاط على الملابس، وهي عناصر ارتبطت بالمعتقدات والرموز الدينية في اليمن القديم.


وأضافت أن هذه القطع صُنعت بتقنيات متقدمة تشمل الطبع على القوالب بدامغات قليلة العمق، وهي من التقنيات التي اشتهرت بها صناعة الحلي اليمنية القديمة. كما يُعد رأس الثور من الرموز المعروفة التي تظهر على الكثير من التمائم اليمنية القديمة، ويمثل بقرنيه رمزاً لإلهٍ مرتبط بالقمر. كذلك تتضمن القطع زخارف نباتية تُعرف بـ"الورديات"، عُثر على نماذج عديدة منها ضمن القطع المحفوظة في المتاحف اليمنية، ومنها نماذج منفردة مثقوبة يُرجح أنها كانت تُثبت على الملابس، ومن بينها قطع محفوظة في متحف عدن الوطني NAM 659 وNAM 690، وتتماثل هذه الزخارف مع نماذج من الحلي الساسانية، كما تظهر على العديد من المنحوتات الحجرية، ومنها تيجان الأعمدة في ظفار، التي تعود إلى القرنين الرابع والخامس الميلاديين.


وفيما يتعلق بالأقراط الذهبية، أوضحت عقيل أنها تمثل نمطاً محلياً خالصاً لم يُعرف خارج اليمن القديم، وتكتسب أهميتها من ارتباطها بالذوق الفني المحلي وبصيغ دينية وسحرية مرتبطة بالحماية. وأضافت أن هذه الأقراط صُنعت بتقنيات متطورة تعتمد على الحبيبات الذهبية والأسلاك الدقيقة، ويرجح تأريخها إلى القرنين الأول والثاني الميلاديين.


وأشارت إلى أنها تتماثل مع نماذج عديدة محفوظة في متحفي عدن وصنعاء، إضافة إلى نماذج برونزية من جبل العود، وقد صُنعت بتقنيات الحبيبات والزخارف الهرمية، وتحمل صيغة سحرية دينية خاصة بالحماية "ود أب"، وهو ما يمثل بصمة محلية مميزة. كما زُيّن طرفا الحلق بأطواق محببة، وهي سمة أخرى يلتزم بها الصائغ اليمني وتُعد من المؤشرات المعتمدة للتعرف على الأقراط المحلية.


وأضافت أن القرط نصف الدائري معروف في اليمن القديم، إلا أن النموذج الحالي صُنع بتقنيات أكثر تعقيداً، تجمع بين الحبيبات والأسلاك الذهبية، وتُعد هذه المرة الأولى التي يتم فيها التعرف على قرط تميمة يحمل نقشاً منفذاً بتقنية التحبيب. كما أشارت إلى أن هذا النوع من الأقراط يتشابه مع الأقراط السورية النبطية.


وفيما يخص الخواتم الذهبية، أوضحت أن متاحف اليمن تضم نماذج مماثلة لها، وتحمل فصوصها، التي غالباً ما تكون من العقيق، موضوعات إغريقية ورومانية انتشرت في أنحاء شبه الجزيرة العربية عبر طرق التجارة القديمة. وقد عُثر على نماذج مشابهة في جبل العود والعصيبية وموقع ثاج في السعودية.


أما السوار المبروم برأس حيوان، يُرجح أنه كبش، فيُعد من الأساور الشهيرة في العالم القديم، خصوصاً خلال الفترة الإغريقية الكلاسيكية، وتوجد نماذج مماثلة له في مجموعة دار الآثار الإسلامية في الكويت، وكذلك في موقع العصيبية وقرية الفاو، ويعود تأريخ بعضها إلى الفترة الممتدة بين القرنين الأول والثالث الميلاديين.


واختتم الخبير محسن حديثه بالتأكيد على أن هذه المجموعة الذهبية المنهوبة تضع اليمنيين أمام حقيقة لا يمكن تجاهلها، وهي أن تاريخهم يضيع تدريجياً، وأن أقصى ما يمكن فعله في ظل العجز والتخاذل الرسمي هو توثيق هذه الحوادث والاحتفاظ بصورها وتفاصيلها الفنية كشواهد على ما يجري.


وأضاف أن الأمل يبقى معقوداً على أجيال قادمة قد تنجح في إنقاذ ما تبقى من التراث اليمني، مهما كانت الظروف التي تنشأ فيها، لتكون شاهدة على مرحلة لم تُصن فيها الآثار كما ينبغي، ولم تُوفر فيها للشعب أبسط مقومات الحياة الكريمة.