تخوض إسبانيا وفرنسا معركة مفتوحة ضد موجة من أعنف حرائق الغابات التي تشهدها القارة الأوروبية منذ عقود، وسط انتشار بؤر نارية واسعة أجبرت مئات الآلاف على مغادرة منازلهم، ودفعت السلطات إلى استنفار واسع لمواجهة ألسنة اللهب التي باتت تهدد مناطق حضرية وسياحية مع اقتراب موجة حر جديدة.
وتتركز أعنف الحرائق في جنوب غرب فرنسا، خصوصاً قرب مدينة بوردو، وفي مناطق عدة وسط إسبانيا، لا سيما محيط العاصمة مدريد، حيث تسببت النيران في تدمير مساحات شاسعة من الغابات والمنازل، وسط ظروف مناخية قاسية فرضها الجفاف وارتفاع درجات الحرارة وتراجع معدلات الأمطار.
وأعلنت السلطات الفرنسية إجلاء نحو ربع مليون شخص مع استمرار انتشار الحرائق التي التهمت عشرات الآلاف من الهكتارات، فيما وصفت وزارة الداخلية الوضع بأنه من بين الأخطر خلال السنوات الأخيرة، بعد تسجيل خسائر كبيرة في الممتلكات ومقتل عناصر من فرق الإطفاء أثناء عمليات المكافحة.
وتواجه فرق الإطفاء الفرنسية ظاهرة غير مسبوقة تعرف بـ"السحب الرعدية النارية"، وهي ظاهرة مناخية تنشأ نتيجة ارتفاع الحرارة الشديدة الناتجة عن الحرائق والتقائها بكتل هوائية باردة، ما يؤدي إلى توليد رياح قوية وبرق وزيادة صعوبة السيطرة على النيران.
وفي إسبانيا، وصف رئيس الوزراء بيدرو سانشيز الحرائق بأنها من تداعيات "الطوارئ المناخية"، مؤكداً أن البلاد تواجه حرائق من "الجيل السادس" تتميز بسرعة انتشارها وقدرتها على تغيير الظروف الجوية المحيطة بها.
وأجبرت الحرائق الإسبانية عشرات الآلاف على إخلاء مناطقهم، بعدما التهمت النيران مساحات واسعة في أقاليم أفيلا ومدريد وطليطلة وكاستيلون، فيما حذرت هيئة الأرصاد الجوية من أن موجة الحر الرابعة المرتقبة هذا الأسبوع قد تزيد من تعقيد جهود الإخماد بسبب ارتفاع الحرارة وانخفاض الرطوبة ونشاط الرياح.
وامتدت موجة الحرائق إلى البرتغال، التي بدأت تواجه تصاعداً في عدد من البؤر شمال ووسط البلاد، حيث دفعت السلطات بأكثر من ألف عنصر إطفاء مدعومين بطائرات ومروحيات لمكافحة النيران وسط تحذيرات من ارتفاع مخاطر اندلاع حرائق جديدة.
وفي مواجهة حجم الكارثة، لجأت دول أوروبية عدة إلى دعم فرنسا وإسبانيا عبر إرسال طائرات ومروحيات وفرق إطفاء ضمن آلية الحماية المدنية التابعة للاتحاد الأوروبي، في مؤشر على اتساع التحدي الذي باتت تمثله حرائق الغابات المرتبطة بالتغيرات المناخية.
وتؤكد السلطات الأوروبية أن صيف هذا العام يمثل اختباراً صعباً لقدرات القارة على التعامل مع ظواهر مناخية متطرفة، في وقت يحذر فيه العلماء من أن ارتفاع درجات الحرارة وتكرار موجات الجفاف يرفعان احتمالات اندلاع حرائق أكثر شدة واتساعاً خلال السنوات المقبلة.