صباح الاثنين الماضي، غادر الدكتور حمود العودي منزله في صنعاء متوجهاً إلى جهاز الأمن والمخابرات التابع للحوثيين استجابةً لاستدعائه ورفيقيه المهندس عبدالرحمن العلفي والباحث أنور خالد شعب.
لم يمضِ وقت طويل حتى انقطعت أخبار الثلاثة، وبقيت هواتفهم صامتة، وأبواب الجهاز القمعي مغلقة أمام أسرهم وزملائهم، في خطوة أثارت غضبًا واسعًا في الأوساط الأكاديمية والمدنية.
لم تتلقَّ أسرهم أو منظمات حقوقية أي توضيح حول مكان احتجازهم أو وضعهم الصحي، وسط مؤشرات على أن الأمر يتعلق بعملية اختفاء قسري في ظل غياب أي مسوّغ قانوني.
هذا الغياب المفاجئ لرجل في الثمانين، يعاني من مشاكل صحية ويُعرف عنه نشاطه المدني السلمي، أثار مخاوف واسعة. وتحدث مقربون من العودي عن أن الأسرة لم تحصل على أي معلومة رسمية، وأن كل الأبواب التي طرقتها بحثًا عن جواب قوبلت بعبارة واحدة: "لا يوجد لدينا معلومات".
من هو د. حمود العودي؟
طوال نصف قرن، كان الدكتور حمود العودي جزءاً من الذاكرة الأكاديمية والسياسية اليمنية. وُلد في إب عام 1946، وعاش المراحل الأكثر حساسية في اليمن الحديث، من ثورة 1962 مروراً بالتحولات اليسارية، وصولاً إلى مشاريعه الأكاديمية حول البنية القبلية والمجتمع.
وهو أستاذ جامعي أسّس قسم الاجتماع في صنعاء وعدن، وباحث ومفكر أنتج دراسات محورية حول القبيلة والتحولات الاجتماعية. كما أنه صوت مدني لم ينخرط في العنف، وظل داعماً للحوار حتى في أكثر المراحل تعقيداً، وهو قبل ذلك وبعده شاهد على التاريخ؛ مرّت من أمامه أزمات وانقلابات وتيارات تكفير وملاحقات أمنية.
في منتصف الثمانينيات، تعرّض الدكتور العودي لحملة تكفير كادت تودي بحياته. وفي التسعينيات، واجه مضايقات سياسية. وفي العقد الأخير، أصبح أحد الوجوه التي تلجأ إليها شبكات المجتمع المدني لبلورة مبادرات سلمية وسط الحرب.
اليوم، وبعد ثمانين عاماً من العمر، يجد نفسه داخل معتقل غير معلن، بلا ضمانات قانونية أو معلومات دقيقة عن وضعه الصحي.
العلفي وشعب.. شريكان في العمل المدني
يُنظر إلى المهندس عبدالرحمن العلفي كشخصية محورية في العمل التعاوني المجتمعي. عمل في مشاريع تنموية وإنسانية، وشارك في مبادرات وساطة محلية امتدت لسنوات. وكان يُلقَّب في بعض الأوساط بـ"مهندس الحلول" لجمعه أطرافاً متباعدة وتمكنه من بناء توافقات صغيرة لكن مؤثرة على مستوى المجتمع.
يعاني العلفي وضعاً صحياً حساساً؛ خضع لعملية قلب مفتوح، ويعاني ضعف الرؤية في إحدى عينيه، ومُنع من السفر للعلاج في السابق.
بينما يمثل خالد شعب الجيل الشاب من الفاعلين المدنيين. وهو مدير مركز "دال" للبحوث، وسكرتير التحالف المدني للسلم، وكان ينسّق مبادرات حوار تجمع شخصيات من تيارات متناقضة.
طوال سنوات الحرب، لعب شعب دور "همزة وصل" بين شخصيات سياسية ونقابات ووجهاء قبائل ومنظمات مجتمع مدني.
هؤلاء الثلاثة شكّلوا خلال السنوات الماضية نواة لتحالف مدني عمل على الحد من التوترات وفتح قنوات تواصل بين أطراف متعددة. ولذلك، يرى مراقبون أن اعتقالهم يمثل رسالة سياسية مباشرة من جماعة الحوثي مفادها أن العمل المدني المستقل - حتى حين يكون سلميًا بالكامل - بات هدفًا قابلاً للإسكات.
غضب شعبي وتضامن واسع
أثار اختفاء العودي ورفاقه ردود فعل غير مسبوقة على مواقع التواصل الاجتماعي، حيث توحّدت كتابات يمنيين من مختلف الاتجاهات حول مطلب واحد: الإفراج الفوري.
وامتلأت المنصات بشهادات عن دور العودي في خدمة المعرفة، وعن مبادرات العلفي في حل النزاعات، وعن الجهود اليومية التي بذلها شعب في تقريب وجهات النظر.
هذا التضامن الواسع عكس - وفق مراقبين - حجم الخوف الذي يشعر به اليمنيون من تآكل ما تبقى من مساحة العمل المدني، وقلقاً من أن تتحول عمليات الاحتجاز إلى سياسة منهجية تستهدف العقول والفاعلين الإنسانيين.
وفي بيانات رسمية، أدانت أحزاب سياسية ومنظمات مدنية عملية الاعتقال، معتبرة ما حدث "استهدافاً خطيراً للحريات العامة" و"اعتداءً مباشراً على أبرز الدعاة للحوار والسلم الأهلي".
كما وصف حقوقيون الحادثة بأنها "إمعان في قمع المجتمع المدني"، مشيرين إلى أنها تأتي ضمن حملة أوسع طالت أكاديميين وناشطين خلال الأسابيع الماضية في مناطق سيطرة الجماعة.
قراءة في الرسائل السياسية
يقول خبراء إن اعتقال شخصيات بهذا الوزن الفكري والإنساني يكشف عن توجّه متصاعد لدى سلطة الحوثيين في صنعاء نحو إحكام السيطرة على الفضاء العام ومنع أي مبادرات مستقلة تعمل خارج خطاب التعبئة.
ويرى آخرون أن الخشية من الأصوات التي تدعو للحوار ليست جديدة لدى الجماعة؛ إذ اعتادت التعامل مع الفاعلين المدنيين باعتبارهم تهديدًا لأدوات الضبط الأمني.
ويشير محللون إلى أن احتجاز ثلاثة رجال لا يحملون سوى أفكار ومبادرات سلمية، ولا يمارسون أي نشاط سياسي مسلح، يعبّر عن نزعة سلطوية تفضّل إسكات العقل بدلاً من التعامل معه بوصفه شريكاً في بناء الاستقرار.
كما أن اعتقال شخصية تجاوزت الثمانين يعطي صورة قاتمة عن مستوى القسوة الميليشياوية، وينسف سرديات الجماعة عن "الحفاظ على المجتمع" أو "احترام الشخصيات الوطنية". على اعتبار أن يُحتجز رجل بهذا التاريخ، دون إعلان رسمي أو ضمانات لسلامته، هو في حد ذاته تعبير صارخ عن انعدام الثقة بالقانون، وتعامل الجماعة الحوثية مع النقد الفكري باعتباره خصومة يجب قمعها.
إن استمرار احتجاز هؤلاء دون إعلان رسمي يكشف عمق المأزق الإنساني الذي وصلت إليه المناطق الخاضعة لسلطة الحوثيين، التي لا ترى في العقل النقدي إلا تهديداً، ولا في العمل المدني إلا ساحة يجب السيطرة عليها.