نصب تذكاري بلا سيرة.. جدل حول طريقة تخليد افتهان المشهري في تعز

  • الوحدوي نت - خاص
  • منذ 5 أشهر - Monday 16 February 2026
نصب تذكاري بلا سيرة.. جدل حول طريقة تخليد افتهان المشهري في تعز


في مدينة اعتادت أن تُعرِّف نفسها بـ«عاصمة الثقافة»، لم تمضِ دقائق على إزاحة الستار عن النصب التذكاري للشهيدة افتهان محمد المشهري حتى تحوّلت لحظة الوفاء المنتظرة إلى جدل واسع، امتد من محيط الفعالية الرسمية إلى فضاءات الشارع ومنصات التواصل.


إزاحة الستار كان مكتمل الطقوس؛ كلمات منمّقة، عبارات تمجيد، وتصفيق يليق بالمناسبة. لكن ما إن انفضّ الجمع حتى برز سؤال واحد، مكثف وبسيط: أين افتهان في النصب؟


لم تتأخر الانتقادات. صحفيون وكتّاب وناشطون رأوا أن العمل المنفّذ لا يرقى إلى تخليد امرأة اغتيلت في 18 سبتمبر 2025 أثناء أدائها مهامها مديرةً لصندوق النظافة والتحسين في تعز. بعضهم وصف الفكرة بأنها «ممتازة والتنفيذ سيئ»، فيما ذهب آخرون أبعد من ذلك، معتبرين أن ما أُنجز أقرب إلى كتلة خرسانية صامتة، بلا روح ولا رسالة.


اللافت أن النصب - بحسب المنتقدين - خلا من عناصر بديهية في أي عمل توثيقي: اسمها كاملاً، صفتها الوظيفية، تاريخ ميلادها واستشهادها، وحتى كلمة «شهيدة». وهنا تسللت السخرية إلى النقاش: هل المقصود تخليد التضحية أم الاكتفاء بإجراء بروتوكولي؟ ولماذا تزاحم أسماء المسؤولين اسم امرأة سال دمها في المكان ذاته؟


ذاكرة مدينة.. أم لوحة عابرة؟

يرى منتقدو التصميم أن النصب في المدن التي تحترم ذاكرتها ليس فقط مجسّم، بل خطاب بصري يختصر الحكاية للأجيال. هو سردٌ بالحجر، وشهادة تُقاوم النسيان. أما هنا، فيخشى كثيرون أن يُختزل الأمر إلى مجرد تسمية مرورية: «جولة افتهان»، اسم قد يبقى بينما تتآكل التفاصيل.


«حتى لا يأتي يوم يبقى فيه الاسم ويغيب الإنسان»، كتب أحد السياسيين، ملخّصاً هاجس شريحة واسعة من أبناء المدينة: الخوف من أن تتحول القصة إلى لافتة، وأن تُختصر السيرة إلى إشارة طريق.


بين الوفاء والعدالة

في المقابل، اعتبر مؤيدون أن الخطوة - رغم ما شابها من قصور - تمثل اعترافاً رمزياً بمكانة افتهان المشهري، وأن النصب قابل للتطوير والتعديل ليحمل دلالة أعمق. طُرحت أفكار لرمزية أكثر تعبيراً، كـ«شمعة مثقوبة بالرصاص» تجسد نوراً لم يطفئه العنف.


غير أن هؤلاء أنفسهم أقرّوا بأن التخليد الرمزي لا يغني عن العدالة. فبالنسبة لكثيرين، «النصب الحقيقي» هو القصاص، أما الحجر فمجرد تذكير مؤقت بجرح لم يندمل.


تعز.. والمرآة القاسية

المفارقة أن الجريمة التي هزّت المدينة في سبتمبر من العام الماضي لم تعد محور النقاش اليوم، بقدر ما أصبحت طريقة تخليدها هي القضية الأبرز. وكأن الزمن مضى بالجراح، لكنه أعاد فتحها على هيئة كتلة خرسانية أثارت أسئلة أكثر مما قدمت إجابات.


فالجدل الدائر لا يعكس فقط اختلافًا حول تصميمٍ أو لوحة، بل يكشف حساسية الذاكرة في مدينة تتباهى برمزيتها الثقافية، فيما تتعثر إدارتها بين النوايا الحسنة وسوء التنفيذ. هنا، لا يُقاس التخليد بعدد الكلمات المنقوشة، بل بقدرة الرمز على أن يحفظ الحكاية من النسيان.


تكررت الأسئلة

ألم يكن بالإمكان طرح التصميم في مسابقة فنية مفتوحة؟

ألم يكن من الأجدى إشراك فنانين تشكيليين ومعماريين من أبناء تعز؟

وهل كان عسيراً أن يُكتب بوضوح: الشهيدة افتهان محمد المشهري (18 سبتمبر 2025)؟


أسئلة طُرحت بمرارة حيناً وبسخرية حيناً آخر، لكنها تلتقي عند رغبة واحدة: أن لا تتحول التضحية إلى لوحة باهتة، ولا تتحول الذاكرة إلى إجراء عابر.


قد يبقى النصب كما هو، وقد يُعاد النظر فيه. لكن المؤكد أن الجدل الذي أثاره كشف حقيقة أعمق: أن أبناء تعز - ومعهم كثير من اليمنيين - لا يريدون اسماً محفوراً في الإسمنت فحسب، بل قصة مكتوبة بوضوح وكرامة.. حتى لا تُغتال افتهان مرةً ثانية، هذه المرة بصمتٍ إسمنتي.