تشهد منطقة الخليج تصعيدًا متسارعًا على المستويات الأمنية والسياسية والاقتصادية، في ظل تزايد الهجمات المسلحة، وتحركات دبلوماسية متباينة، وانعكاسات مباشرة على أسواق الطاقة والاقتصاد العالمي.
في هذا السياق، أدانت ست دول عربية – هي السعودية والإمارات والكويت والبحرين وقطر والأردن – الهجمات التي تنفذها فصائل مسلحة موالية لإيران انطلاقًا من الأراضي العراقية، معتبرة أنها تمثل خرقًا للقانون الدولي وتهديدًا مباشرًا لأمن واستقرار المنطقة.
وأكد بيان مشترك أن هذه الهجمات تشكل انتهاكًا صارخًا لسيادة الدول، وتتعارض مع قرار مجلس الأمن رقم 2817 لعام 2026، الذي يدعو إيران إلى وقف أي تهديدات أو أعمال عدائية ضد الدول المجاورة، سواء بشكل مباشر أو عبر جماعات مرتبطة بها.
ودعت الدول الست الحكومة العراقية إلى تحمّل مسؤولياتها واتخاذ إجراءات فورية لوقف هذه الهجمات، محذّرة من أن استمرارها سيؤدي إلى مزيد من التوترات الإقليمية ويؤثر سلبًا على الأمن والاستقرار والعلاقات الثنائية. كما شدد البيان على حق الدول في الدفاع عن نفسها وفق المادة (51) من ميثاق الأمم المتحدة، مع التأكيد على اتخاذ ما يلزم من تدابير لحماية أمنها.
بالتوازي، برز موقف عراقي حاد عقب استهداف مستوصف الحبانية العسكري في محافظة الأنبار، حيث وجّه رئيس الوزراء محمد شياع السوداني وزارة الخارجية باستدعاء القائم بأعمال السفارة الأمريكية وتسليمه مذكرة احتجاج رسمية.
وأدانت الحكومة العراقية الهجوم، واعتبرته “جريمة مكتملة الأركان” وانتهاكًا للقانون الدولي، مؤكدة احتفاظها بحق الرد، مع التوجه لتقديم شكوى رسمية إلى مجلس الأمن والأمم المتحدة لتثبيت حقوقها السيادية.
في المقابل، أعربت روسيا عن قلقها من احتمالات تصعيد أمريكي، خاصة ما يتردد حول عملية برية محتملة في جزيرة خارك الإيرانية، معتبرة أن الوجود العسكري الأمريكي في المنطقة يفاقم التوترات بدلًا من احتوائها.
ميدانيًا، تصاعدت الهجمات الصاروخية والطائرات المسيّرة خلال الساعات الماضية، حيث أعلنت دول خليجية والأردن اعتراض عدد منها، وسط أضرار مادية محدودة طالت بعض المنشآت الحيوية، بينها مرافق في مطار الكويت الدولي، دون تسجيل خسائر بشرية كبيرة.
سياسيًا، تتواصل الإشارات المتضاربة بشأن مسار التهدئة، إذ تؤكد واشنطن استمرار المحادثات مع طهران، في حين تطرح إيران شروطًا لوقف التصعيد تشمل إنهاء العمليات العسكرية ودفع تعويضات. وفي الوقت ذاته، تتزايد التقديرات بشأن إمكانية التوصل إلى اتفاق إطاري محدود، مقابل صعوبة الوصول إلى تسوية شاملة.
اقتصاديًا، ألقت التطورات بظلالها الثقيلة على الأسواق العالمية، التي تعيش حالة من التذبذب الحاد بين التفاؤل الحذر والمخاوف الجيوسياسية. فقد تراجعت أسعار النفط بأكثر من 5% مع الحديث عن مبادرات تهدئة، رغم بقاء المخاطر قائمة في حال فشل المفاوضات أو توسع الهجمات على منشآت الطاقة.
كما سجل الدولار الأمريكي ارتفاعًا مقابل العملات الرئيسية، مدفوعًا باتجاه المستثمرين نحو الأصول الآمنة، فيما صعدت أسعار الذهب والمعادن الثمينة، في مؤشر على تنامي القلق من تداعيات الصراع.
في المقابل، حذّرت شركات الطيران العالمية من ارتفاع محتمل في أسعار التذاكر نتيجة زيادة تكاليف الوقود، خاصة في حال استمرار اضطراب الملاحة في مضيق هرمز، الذي يُعد شريانًا حيويًا لتجارة الطاقة العالمية.
وتشير التقديرات إلى أن أي تعطّل طويل في المضيق قد يؤثر بشكل مباشر على إمدادات النفط والغاز وسلاسل الغذاء العالمية، مع اعتماد دول الخليج على الاستيراد لتأمين معظم احتياجاتها الغذائية، ما يهدد بارتفاع أسعار السلع الأساسية عالميًا.
كما تكبدت شركات الشحن تكاليف إضافية كبيرة نتيجة ارتفاع التأمين وأسعار الوقود، في وقت بدأت فيه بعض الدول إعادة توجيه وارداتها النفطية عبر مسارات بديلة، في مؤشر على إعادة تشكيل خريطة الطاقة العالمية تحت ضغط الأزمة.
وفي ظل هذه المعطيات، تبقى المنطقة أمام مرحلة شديدة التعقيد، حيث يتقاطع التصعيد العسكري مع الحسابات السياسية والاقتصادية، فيما تظل الأسواق العالمية رهينة لأي تحول مفاجئ في مسار الصراع أو فرص التهدئة.