تتواصل التحذيرات الدولية من تفاقم الأوضاع الإنسانية والصحية في اليمن، في وقتٍ تكثّف فيه المنظمات الأممية تدخلاتها لمواجهة انتشار الأوبئة واتساع رقعة الجوع، وسط فجوة تمويلية كبيرة تهدد استمرارية الخدمات الأساسية لملايين السكان.
وفي هذا السياق، حذّرت لجنة الإنقاذ الدولية من تسارع وتيرة الجوع في اليمن، مشيرةً إلى أن أكثر من 18 مليون شخص، أي ما يزيد على نصف السكان، قد يواجهون مستويات حادة من انعدام الأمن الغذائي خلال العام الجاري، مع دخول البلاد عامها الثاني عشر من النزاع. وأكدت أن مليون شخص إضافي انزلقوا إلى مستويات تهدد حياتهم منذ سبتمبر الماضي.
وأوضحت اللجنة أنها قدّمت، خلال العام الماضي، خدمات صحية وتغذوية وحماية لأكثر من 300 ألف شخص، إلى جانب برامج دعم مكّنت نحو 195 ألفاً من التكيّف مع النزوح والصدمات. فيما أجرت المرافق المدعومة أكثر من 128 ألف استشارة طبية، وفحصت عشرات الآلاف من الأطفال والنساء للكشف المبكر عن سوء التغذية. كما قُدِّمت مساعدات طارئة لأكثر من 83 ألف شخص جراء الفيضانات وتفشي الأمراض.
فجوة تمويلية
وعلى صعيد التمويل، كشفت الأمم المتحدة أن خطة الاستجابة الإنسانية في اليمن لعام 2026 لم تتلقَّ سوى 202.6 مليون دولار حتى أواخر مارس، أي ما يعادل 9.4% فقط من إجمالي الاحتياجات المقدّرة بـ2.16 مليار دولار، ما يترك فجوة تمويلية ضخمة تتجاوز 1.9 مليار دولار، وسط دعوات عاجلة للمانحين لزيادة الدعم.
وأظهرت البيانات أن إجمالي التمويل المستلم لليمن، خلال أول ثلاثة أشهر من هذا العام، بلغ 221.2 مليون دولار، 91.6% منه كان عبر خطة الاستجابة، و8.4% خارج الخطة، أي ما يعادل مبلغ 18.6 مليون دولار.
وأوضح مكتب "أوتشا" أن أغلب التمويلات المخصصة للخطة هذا العام جاءت من السعودية وسويسرا وألمانيا، والمفوضية الأوروبية والبنك الدولي.
وفي السياق ذاته، دعت الأمم المتحدة إلى توفير نحو 2.16 مليار دولار لتغطية الاحتياجات الإنسانية المتزايدة، مشيرةً إلى أن نحو 22.3 مليون شخص باتوا بحاجة إلى المساعدة والحماية، بزيادة تقارب 3 ملايين شخص مقارنة بالعام الماضي، ما يعكس عمق الأزمة المستمرة منذ سنوات.
وتُظهر التقديرات الأممية أن 18.3 مليون يمني يعانون من انعدام الأمن الغذائي الحاد، فيما يواجه أكثر من 2.2 مليون طفل دون سن الخامسة سوء تغذية حاد، من بينهم أكثر من نصف مليون في وضع حرج يهدد حياتهم، في مؤشر على تحوّل الأزمة إلى حالة ممتدة ومعقدة. كما يحتاج 14.4 مليون شخص إلى خدمات المياه والصرف الصحي، ما يزيد من احتمالات تفشي الأمراض.
كما تواجه جهود الإغاثة تحديات متزايدة في الوصول إلى المحتاجين، نتيجة القيود الأمنية والقيود المفروضة على عمل المنظمات الإنسانية، لا سيما في مناطق سيطرة جماعة الحوثيين. وتشير تقارير إلى تدخلات مستمرة أثّرت سلباً على أداء هذه المنظمات، ما أدى إلى إغلاق بعض مكاتبها وتقليص أنشطة أخرى بشكل ملحوظ. ويأتي ذلك في ظل استمرار احتجاز 73 موظفاً تابعين للأمم المتحدة في اليمن، وهو ما تصفه المنظمة الدولية بـ"الاحتجاز الجائر" منذ سنوات.
وعلى الرغم أن الأمم المتحدة تسعى لتأمين بدائل تضمن استمرار وصول المساعدات الإنسانية، عبر التعاون مع منظمات دولية لا تزال تعمل في تلك المناطق،
إلا أن التهديدات الأمنية التي تواجه العاملين الإنسانيين تبقى عاملاً معرقلاً يحول دون تطبيق هذه الخطط بشكل كامل.
الاستجابة الإنسانية
في إطار الاستجابة الإنسانية، أعلنت منظمة الأمم المتحدة للطفولة (يونيسف) استكمال مشروع صحي وتغذوي واسع النطاق، استهدف أكثر من 670 ألف شخص من المتضررين من تفشي الكوليرا والحصبة، بدعم ياباني بلغت قيمته نحو 6 ملايين دولار. وأوضحت المنظمة أن المشروع، الذي نُفذ على مدى عام كامل، شمل دعم 150 مرفقاً صحياً في تسع محافظات، عبر توفير الأدوية واللقاحات، وتغطية النفقات التشغيلية، وتقديم حوافز للعاملين الصحيين.
وبحسب "يونيسف"، استفاد من المشروع أكثر من 266 ألف امرأة و108 آلاف رجل و304 آلاف طفل، إلى جانب نحو مليون شخص تلقّوا رسائل توعوية حول النظافة والسلوكيات الصحية، فيما جرى تدريب 130 عاملاً صحياً لتعزيز الاستجابة لتفشي الأوبئة، خاصة الكوليرا. وأكد ممثل المنظمة في اليمن، بيتر هوكينز، أن الدعم الياباني أسهم في استمرار عمل المرافق الصحية وتقديم رعاية حيوية، في ظل نظام صحي يعاني من أزمة حادة.
كما أكدت منظمة الصحة العالمية أنها قدّمت أكثر من 60 طناً من الإمدادات الطبية خلال العام الماضي، دعماً للمرافق الصحية التي تمكّنت من تقديم خدمات منقذة للحياة لأكثر من 200 ألف شخص، بما في ذلك إجراء آلاف العمليات الجراحية وتقديم الرعاية للنازحين. كما زوّدت عشرات المرافق بالوقود لضمان استمرار تشغيلها، في ظل نقص حاد في الموارد.
وتشير تقديرات الأمم المتحدة إلى أن نحو 19.3 مليون شخص في اليمن بحاجة إلى خدمات الرعاية الصحية الأساسية خلال 2026، في وقت يعمل فيه نحو 40% من المرافق الصحية بشكل جزئي أو متوقف، مع استمرار تفشي الأمراض وضعف التغطية باللقاحات.
توترات إقليمية
وفي سياق متصل، حذّرت الأمم المتحدة من أن التوترات الإقليمية، خصوصاً الاضطرابات في مضيق هرمز، قد تؤدي إلى تفاقم أزمة الغذاء في اليمن، نتيجة اضطراب سلاسل الإمداد وارتفاع أسعار الطاقة والأسمدة، ما سينعكس مباشرة على أسعار الغذاء والخدمات الأساسية.
ومع تداخل الأزمات الصحية والغذائية والاقتصادية، تؤكد المنظمات الدولية أن اليمن يقف أمام مرحلة حرجة، تتطلب استجابة إنسانية عاجلة وتمويلاً مستداماً لتفادي انزلاق الملايين إلى مستويات أكثر خطورة من الجوع والمرض.
وفي ظل هذه المعطيات، يحذّر خبراء من أن أي تصعيد عسكري جديد قد يفاقم الكارثة الإنسانية بشكل غير مسبوق، مشيرين إلى أن انخراط جماعة الحوثي في صراعات إقليمية قد يترتب عليه تداعيات اقتصادية وإنسانية قاسية على اليمنيين.
ويستند هؤلاء إلى تجارب سابقة شهدت استهداف موانئ ومنشآت حيوية، بما في ذلك موانئ الحديدة والصليف ورأس عيسى، إضافة إلى بنى تحتية كهربائية واقتصادية، ما ألحق أضراراً كبيرة بالاقتصاد الوطني وزاد من معاناة السكان في بلد يعاني أصلاً من هشاشة شديدة.
ويؤكد الخبراء أن استمرار التصعيد قد يضاعف الضغوط على النظام الصحي والاقتصادي، ويقوّض الجهود الإنسانية الجارية، في وقت يحتاج فيه اليمن إلى التهدئة وتكثيف الدعم الدولي لتجنّب مزيد من التدهور في الأوضاع المعيشية والإنسانية.