اليوم الـ38 للحرب: تصعيد متعدد الجبهات ومفاوضات متعثرة

  • الوحدوي نت - متابعة خاصة
  • منذ 3 أشهر - Tuesday 07 April 2026
اليوم الـ38 للحرب: تصعيد متعدد الجبهات ومفاوضات متعثرة


في اليوم الثامن والثلاثين من الحرب الأمريكية الإسرائيلية على إيران، تواصل التصعيد العسكري بوتيرة واسعة عبر عدة جبهات، في ظل تبادل مكثف للهجمات الصاروخية والجوية، إلى جانب استمرار عمليات الطائرات المسيّرة والهجمات المتزامنة من لبنان واليمن. وبالتوازي مع هذا التصعيد، تتكثف التحركات الدبلوماسية في محاولة للتوصل إلى وقف مؤقت لإطلاق النار يمهّد لاتفاق أشمل، فيما تتزايد المخاوف من انزلاق المنطقة نحو مواجهة إقليمية واسعة.


وفي سياق التحركات الدبلوماسية، كشف مصدر مطلع لوكالة "رويترز" أن إيران والولايات المتحدة تلقتا خطة إنهاء الأعمال القتالية، أعدتها باكستان، وتتضمن مرحلتين: تبدأ بوقف فوري لإطلاق النار، يليه التوصل إلى اتفاق شامل خلال فترة تتراوح بين 15 و20 يوماً، مع إعادة فتح مضيق هرمز أمام الملاحة الدولية.


ويتضمن المقترح النهائي تخلي إيران عن برنامجها النووي مقابل رفع العقوبات والإفراج عن أصولها المجمدة، بهدف تثبيت وقف إطلاق النار ثم الانتقال إلى تسوية دائمة. وفي السياق ذاته، نقل موقع "أكسيوس" عن مصادر أمريكية وإسرائيلية أن واشنطن وطهران ووسطاء إقليميون يناقشون إمكانية هدنة مؤقتة لمدة 45 يوماً، تمثل فرصة لتقريب وجهات النظر، رغم أن فرص التوصل لاتفاق خلال الساعات الـ48 المقبلة ما زالت ضئيلة.


على الصعيد الأمريكي، صعّد الرئيس دونالد ترمب لهجته -في ظهور إعلامي متعدد، مهدداً بشن هجمات واسعة تستهدف البنية التحتية الإيرانية الحيوية، بما في ذلك محطات الكهرباء والجسور، إذا استمر إغلاق مضيق هرمز، مؤكداً أن الرد الأمريكي "لن يكون له مثيل". وأوضح ترمب أن إيران كانت قوية قبل شهر لكنها لم تعد كذلك، مشيراً إلى نجاح عملية إنقاذ طيارين أمريكيين سقطت طائراتهم داخل إيران، والتي شملت نشر القوات في سبعة مواقع مختلفة واستخدام 155 طائرة مقاتلة بينها 4 قاذفات و64 مقاتلة و48 طائرة للتزويد بالوقود، مع نجاح العملية دون وقوع إصابات. واعتبر أن الولايات المتحدة قادرة على القضاء على إيران في ليلة واحدة إذا اقتضت الضرورة، وأن الضربات الأمريكية أضعفت النظام الإيراني رغم امتلاك طهران صواريخ وطائرات مسيّرة.


وأوضح ترمب أن يوم الثلاثاء يمثل "الموعد النهائي" لإيران، مشيراً إلى أن طهران بدأت التفاوض بنية حسنة وأن المفاوضين باتوا أكثر عقلانية، إلا أنه أكد أن المقترح المقدم لوقف إطلاق النار "ليس جيدًا بما يكفي". وشدد على أن الولايات المتحدة لن تسمح لإيران بامتلاك سلاح نووي، وأن الضربات الأمريكية أضعفت البنية التحتية بشكل كامل، محذراً من أن رفض إيران الاستسلام قد يؤدي إلى تدمير محطات الطاقة والجسور وحرمانها من حرية مرور النفط عبر مضيق هرمز. وأضاف أن القوات الأمريكية نفذت أكثر من 10 آلاف طلعة قتالية خلال 37 يوماً، واستهدفت أكثر من 13 ألف هدف.


في المقابل، رفضت إيران وقف إطلاق النار المؤقت، مشددة على أن أي تسوية يجب أن تكون دائمة مع احترام مطالبها الأساسية، بما في ذلك إعادة الإعمار ورفع العقوبات وإنهاء النزاعات الإقليمية، ووضع بروتوكول مرور آمن لمضيق هرمز. وأكد الحرس الثوري الإيراني استمرار العمليات ضد الولايات المتحدة وإسرائيل، وأن أهداف الحرب هي "إيصال العدو إلى نقطة يشعر فيها بندم حقيقي". وتشير التقييمات إلى أن قائد الحرس الثوري أحمد وحيدي يتخذ القرارات الفعلية، مع امتلاك إيران نحو 15 ألف صاروخ باليستي و45 ألف طائرة مسيّرة.

وفي ذات السياق، قال المتحدث باسم وزارة الخارجية الإيرانية إن ما تقوم به الحكومة الأمريكية في غرب آسيا ضد إيران يشكل ظلما كبيرا وحربا غير عادلة وعدوانية، وأضاف "على الشعب الأمريكي محاسبة حكومته على الأفعال والجرائم التي تُرتكب باسمه".



على الصعيد السياسي أيضاً، أثارت تصريحات ترمب بشأن ضرب البنية التحتية الإيرانية صدمة واسعة في الكونغرس الأمريكي، حيث انتقد الديمقراطيون والجمهوريون تهديداته، فيما حذر بعض النواب من المخاطر الاقتصادية والسياسية للحرب، خصوصاً ارتفاع أسعار الطاقة والدين الأمريكي، فيما شدد السناتور الديمقراطي آدم سميث على أن الحرب تزيد من الدين العام الذي وصل نحو 39 تريليون دولار. وأثارت تصريحات ترمب وتهديداته الانتقادات من النائبة السابقة مارجوري تايلور غرين والنائب مايك لولر، واعتبرها بعض السياسيين بأنها "غير مسؤولة ومجنونة".


على الصعيد الميداني، شنت إيران خمس دفعات صاروخية استهدفت مناطق واسعة داخل إسرائيل، بما فيها تل أبيب الكبرى والقدس وإيلات، ما أدى إلى إصابة سبعة أشخاص، أحدهم في حالة حرجة، مع سقوط شظايا في نحو 15 موقعاً، بما في ذلك المباني المدنية. وأفادت تقارير عن هجمات متزامنة من لبنان واليمن بطائرات مسيّرة وصواريخ، بينما أعلنت الدفاعات الجوية الإسرائيلية اعتراض عدد من هذه التهديدات. وفي الوقت نفسه، شنت الولايات المتحدة وإسرائيل غارات على مواقع متعددة في إيران، بما في ذلك جامعة شريف للتكنولوجيا في طهران ومنشآت بتروكيماوية في عسلوية، وأفادت السلطات الإيرانية بمقتل 13 شخصاً في طهران و9 في قم و7 أطفال في غارات على العاصمة، مع تدمير بنى تحتية ومرافق صناعية، وإسقاط صاروخ كروز أمريكي تم اعتراضه.


وحول التصعيد في لبنان، تتواصل المواجهات بين الجيش الإسرائيلي وحزب الله، مع تنفيذ هجمات مسيّرات وصواريخ على دبابات ميركافا وتجمعات عسكرية، بينما واصل الجيش الإسرائيلي غاراته الجوية وقصفه المدفعي، مستهدفاً بلدات جنوب لبنان ومحيط صور والمنصوري، وأعلنت وزارة الصحة اللبنانية سقوط 4 قتلى في كفررمان ومسعف آخر في صديقين، ليصل إجمالي الضحايا منذ بداية التصعيد إلى 1497 قتيلًا و4639 مصابًا. كما استهدف الحرس الثوري مواقع عسكرية أمريكية في الكويت والعراق، مع دوي انفجارات في أربيل، وتفعيل صفارات الإنذار شمالي إسرائيل إثر إطلاق صواريخ من لبنان.


وأفادت تقارير إسرائيلية بأن قوة عسكرية حاولت عبور نهر في منطقة البوفور جنوب لبنان تعرضت لنيران كثيفة، ما يعكس استمرار حدة الاشتباكات في تلك الجبهة. 


وفي اليمن، أعلن الحوثيون استهداف مدينة إيلات بصواريخ ومسيّرات بالتعاون مع الحرس الثوري الإيراني وحزب الله، فيما تمكنت القوات القطرية والكويتية من التصدي لهجمات الصواريخ والمسيرات المعادية، مع تسجيل بعض الإصابات جراء سقوط شظايا في مناطق سكنية. وفي العراق، تواصلت الهجمات المتبادلة بين القوات الأمريكية والفصائل الموالية لإيران، شملت ضرب معسكرات ومنازل مدنية، دون تسجيل خسائر بشرية، في ظل عجز الحكومة العراقية عن ضبط التصعيد.


في إيران، تداولت منصات التواصل الاجتماعي فيديو يُزعم أنه للمرشد الأعلى الجديد مجتبى خامنئي في غرفة عمليات عسكرية، إلا أن فريق المصادر المفتوحة في شبكة الجزيرة كشف أن الفيديو مفبرك باستخدام تقنيات الذكاء الاصطناعي، ولم يصدر أي تأكيد رسمي من إيران. ويعتبر مجتبى خامنئي، الابن الثاني للمرشد السابق، من الشخصيات المؤثرة داخل مركز القرار الإيراني، ويأتي ظهوره وسط تصاعد الغارات الأمريكية والإسرائيلية على بلاده.


في الجانب الإيراني أيضاً، أعلنت وكالة "فارس" مقتل أربعة ضباط من القوات البرية خلال عملية تصدٍ لطائرات أمريكية في مدينة أصفهان، فيما أفادت السلطات المحلية في محافظة هرمزغان بمقتل شخصين إثر استهداف قارب صيد في ميناء جاسك جنوب البلاد. وفي سياق متصل، توعّد قائد بحرية الحرس الثوري الإيراني برد قاسٍ على اغتيال رئيس جهاز الاستخبارات التابع للحرس، في مؤشر على استمرار التصعيد وردود الفعل الانتقامية. كما شدد وزير الخارجية الإيراني عباس عراقجي على أن عمليات الاغتيال التي تنفذها إسرائيل والولايات المتحدة لن تؤثر على إرادة الشعب الإيراني، بل ستزيد من عزيمته على مواصلة ما وصفه بطريق المقاومة.  


من الجانب الإسرائيلي، أعلن رئيس الوزراء بنيامين نتنياهو ووزير الدفاع يسرائيل كاتس عن اغتيال قائد استخبارات الحرس الثوري وغيره من القادة، وتدمير أكبر مجمع للبتروكيماويات في إيران، مؤكدين استمرار استهداف القيادات والمرافق الاستراتيجية الإيرانية. كما وجه الجيش الإسرائيلي تحذيراً عاجلاً لسكان 41 بلدة في جنوب لبنان لإخلائها فوراً، مع استمرار الغارات الجوية وقصف البلدات المستهدفة من قبل حزب الله، في محاولة لتوسيع "منطقة التأمين". وفي الداخل الإسرائيلي، أعلنت وسائل إعلام عن اعتقال أربعة جنود من وحدات قتالية بتهمة التجسس لصالح إيران، في تطور أمني لافت يعكس امتداد الصراع إلى مستويات استخباراتية حساسة.


في السياق ذاته، أفادت وسائل إعلام إسرائيلية، نقلاً عن مصادر مطلعة، أن التقديرات داخل إسرائيل تشير إلى أن الوقت قد يعمل لصالح إيران في المرحلة الحالية، خاصة في ظل سيطرتها على مضيق هرمز وتأثير ذلك على حركة الملاحة العالمية وأسواق الطاقة. ووفق هذه التقديرات، ترى طهران أن قدرتها على التأثير في الاقتصاد العالمي تمنحها ورقة ضغط استراتيجية قد تدفع الولايات المتحدة إلى إبداء قدر أكبر من المرونة في المفاوضات، خصوصاً مع تزايد المخاوف من تداعيات اضطراب إمدادات النفط عالمياً. كما تعتقد إيران أن الرئيس الأمريكي دونالد ترمب قد يتجنب تنفيذ هجوم واسع يستهدف البنية التحتية الإيرانية، خشية التصعيد الكبير وما قد يترتب عليه من كلفة اقتصادية وأمنية مرتفعة. وفي هذا الإطار، تشير المصادر إلى أن طهران ترسل رسائل غير مباشرة مفادها أن إعادة فتح مضيق هرمز مرهونة بإبداء واشنطن مرونة سياسية، في وقت تتمسك فيه إيران بمواصلة تخصيب اليورانيوم داخل أراضيها، وترفض بشكل قاطع إدراج برنامجها الصاروخي الباليستي ضمن أي مفاوضات، باعتباره أحد أبرز أدوات الردع الاستراتيجية لديها.


في المقابل، كشفت هيئة البث الإسرائيلية أن التقديرات العسكرية في إسرائيل تشير إلى احتمال تصعيد كبير عقب انتهاء المهلة التي حددها الرئيس الأمريكي، حيث تستعد تل أبيب لشن هجمات مشتركة وواسعة مع الولايات المتحدة تستهدف البنية التحتية الحيوية داخل إيران. وأوضحت المصادر أن الجيش الإسرائيلي في حالة جاهزية عالية لتنفيذ هذا التصعيد فور صدور الضوء الأخضر من واشنطن، رغم وجود مخاوف داخل إسرائيل من احتمال تراجع الإدارة الأمريكية في اللحظات الأخيرة لصالح اتفاق أو وقف إطلاق نار مفاجئ.


في الجانب الإقليمي، واصلت قطر تحركاتها الدبلوماسية لاحتواء التصعيد، حيث حذر رئيس الوزراء ووزير الخارجية الشيخ محمد بن عبد الرحمن آل ثاني من استهداف منشآت المياه والطاقة، مؤكداً ضرورة حماية البنية التحتية الحيوية وتعزيز أمن الطاقة العالمي وحرية الملاحة. كما بحث مع نظيره الأردني أيمن الصفدي تداعيات التصعيد على الأمن والاستقرار في المنطقة، مشدداً على أهمية العودة إلى المسار الدبلوماسي. 

وفي اتصال منفصل مع وزير الخارجية الإيراني، أدان الوزير القطري استهداف البنية التحتية في دول المنطقة، مؤكداً أن الحل الدبلوماسي الشامل والدائم يظل الخيار الوحيد، ومحذراً من أن استمرار التصعيد يمثل تهديداً مباشراً لأمن واستقرار المنطقة، خاصة بالنسبة للدول التي لم تنخرط في النزاع.

بينما عبر الرئيس التركي رجب طيب أردوغان عن قلقه من استمرار الحرب، محذراً من أن الحكومة الإسرائيلية تقوض الجهود الدبلوماسية. كما أعلنت هيئة العمليات في الجيش السوري توسيع انتشار وحداتها على طول الحدود مع لبنان لمراقبة الأنشطة الحدودية ومنع أي تهديد أمني، مع استعداد للتعامل مع أي تهديد محتمل دون الانخراط في أعمال عدائية مباشرة.


على الصعيد العسكري التقني، أعلنت شركة أنظمة إلبيت الإسرائيلية أنها ستبدأ تسليم طائرات مسيرة من طراز ووتش كيبر إكس إلى رومانيا، بعد تأجيل العمليات بسبب الوضع الأمني في إسرائيل، في ظل توتر مستمر على حدود رومانيا الشرقية المجاورة لأوكرانيا، فيما أوقفت الولايات المتحدة القصف الإسرائيلي لمعلم معبر "المصنع" الحدودي بين سوريا ولبنان لمنع انخراط سوريا في الحرب ضد حزب الله، وتولت دمشق مسؤولية مراقبة الطريق بشكل محدود.


وبناء على هذه الأحداث، يستمر التصعيد العسكري والتهديدات المتبادلة بين الولايات المتحدة وإسرائيل من جهة، وإيران وفصائلها وحلفائها من جهة أخرى، وسط تدهور متواصل للبنى التحتية المدنية، مع تزايد الخسائر البشرية والمادية، فيما تظل المساعي الدبلوماسية هشّة، مع استمرار رفض إيران لأي وقف مؤقت للحرب، مؤكدة على ضرورة الوصول إلى تسوية دائمة تشمل رفع العقوبات وإعادة الإعمار، في وقت تتجه الأنظار إلى نهاية "المهلة النهائية" التي أعلنها الرئيس الأمريكي الثلاثاء كموعد حاسم لرد إيران.


اقتصادياً، حذرت مديرة صندوق النقد الدولي من أن الحرب الدائرة في الشرق الأوسط ستؤدي إلى ارتفاع التضخم وتباطؤ النمو العالمي، مشيرة إلى أن توقعات النمو التي كانت تشير إلى 3.3% في 2026 قد تم تعديلها نتيجة هذه الأحداث. وأكدت لـ "رويترز" أن جميع المسارات الاقتصادية أصبحت تشير إلى زيادة الأسعار وتباطؤ النشاط الاقتصادي. وأوضحت أنه حتى في حال انتهاء الأعمال القتالية بسرعة وتحقيق تعاف نسبي، فإن توقعات النمو ستخضع للخفض وتوقعات التضخم للرفع، بينما يبقى طول أمد الحرب عاملاً حاسماً في تحديد مدى تأثيرها على الاقتصاد العالمي. وأضافت أن الصندوق تلقى طلبات للحصول على مساعدات تمويلية من بعض الدول، وقد يعزز بعض البرامج القائمة، كما يتواصل مع برنامج الأغذية العالمي ومنظمة الأغذية والزراعة لتقييم تأثير الحرب على الأمن الغذائي، مشيرة إلى أنه لا توجد أزمة غذاء حالياً، لكن ذلك قد يحدث إذا تأثر توصيل الأسمدة.


في خضم هذه التحولات الجيوسياسية، أعلنت سوريا عن رؤية اقتصادية طموحة تتقاطع مع مستهدفات "رؤية السعودية 2030" بهدف إنهاء الاعتماد على مضيق هرمز. وكشف مستشار وزارة الاقتصاد والصناعة السورية أسامة قاضي عن مبادرة (4+1) التي تقدم خريطة طريق لإنشاء شبكة قطارات سريعة حديثة وإعادة إحياء أنابيب النفط التاريخية، بهدف تحويل الجغرافيا السورية والسعودية إلى منصة لوجيستية تربط ثلاث قارات. وتهدف هذه المبادرة إلى تأمين تدفق نحو سبعة ملايين برميل نفط يومياً بعيداً عن التهديدات الإيرانية وضمان استقرار أسواق الغذاء والطاقة عالمياً، مع كسر حلقة الابتزاز الجيوسياسي المرتبطة بمضيق هرمز عبر إيجاد ممرات برية آمنة ومستقرة تقلل تكاليف النقل وتعزز أمن الإمدادات.


ويعد مشروع إنشاء خط قطار سريع يربط المملكة بسوريا مروراً بالأردن من أبرز عناصر هذه المبادرة، حيث تتراوح سرعته بين 200 و300 كيلومتر في الساعة، مع الاستفادة من امتداد شبكة السكك الحديدية السعودية إلى منفذ الحديثة. وأوضح قاضي أن المشروع يترجم عملياً مستهدفات "رؤية السعودية" من حيث تنويع الاقتصاد وتعظيم دور المملكة كمركز لوجيستي عالمي، ورفع كفاءة سلاسل الإمداد، والمساهمة في إعمار سوريا والنهوض الاقتصادي العربي. وأشار إلى أن أكثر من 70% من البنية التحتية داخل السعودية قائمة حتى منفذ الحديثة، مما يقلل تكاليف المشروع ويعزز جدواه الاقتصادية، حيث يولد كل دولار مستثمر عائداً مركباً عبر رسوم عبور وخدمات لوجيستية ومناطق صناعية وتوسيع الصادرات، بالإضافة إلى الحد من اختناقات الممرات البحرية وتعزيز استقرار تدفقات النفط والغاز.


ومن بين المشاريع الأخرى، إعادة إحياء خط أنابيب النفط "التابلاين" الذي يمتد من مدينة بقيق السعودية إلى ميناء بانياس السوري، لضخ خمسة إلى سبعة ملايين برميل يومياً عبر أربعة خطوط متوازية. ويعتبر هذا المشروع صمام أمان لاستقرار أسواق الطاقة العالمية، لأنه يخلق ممراً برياً آمناً للنفط والغاز من الخليج إلى البحر المتوسط، ويحد من المخاطر الجيوسياسية المرتبطة بمضيق هرمز. كما يشمل برنامج المبادرة إعادة تأهيل خط كركوك–بانياس لنقل النفط، واستبداله بخطوط متوازية تضخ من مليون إلى ثلاثة ملايين برميل يومياً من العراق إلى سوريا، بالإضافة إلى مد خط لنقل الغاز القطري مروراً بالأردن وسوريا وصولاً إلى تركيا وأوروبا، مع وصلة إضافية إلى بانياس، وفقاً لـ "الشرق الأوسط".


وفي الوقت نفسه، اتخذ اتحاد غرف دول مجلس التعاون الخليجي خطوات عملية لمعالجة معوقات سلاسل الإمداد وتعزيز انسيابية التجارة البينية في ظل التحديات الجيوسياسية الراهنة. وشمل ذلك إنشاء منصة رقمية متخصصة باسم "تيسير" لخدمة المصدرين والمستوردين ورفع كفاءة المنافذ الجمركية، فضلاً عن متابعة حركة الشاحنات والمنافذ البرية لتعويض اضطرابات الملاحة البحرية. وأكد المسؤولون أن هذه التحركات تهدف إلى تعزيز مرونة الاقتصادات الخليجية وقدرتها على امتصاص الصدمات العالمية، مع ترسيخ دور القطاع الخاص كشريك استراتيجي في حماية سلاسل الإمداد الحيوية.


على صعيد الاحتياطيات، حقق مصرف فرنسا المركزي مكاسب رأسمالية استثنائية بلغت 12.8 مليار يورو بعد تحديث احتياطياته من الذهب المخزنة في الولايات المتحدة وشراء سبائك حديثة لتخزينها في باريس، وهو ما حول ميزانية المصرف من خسارة صافية بلغت 7.7 مليار يورو في العام السابق إلى ربح صافٍ قدره 8.1 مليار يورو لعام 2025. وأثار هذا التحرك قلقاً في ألمانيا التي تمتلك ثاني أكبر احتياطي ذهب في العالم، ودفع الاقتصاديين هناك للضغط على الحكومة لاستعادة ما تبقى من ذهبها المخزن في الولايات المتحدة.


أما في قطاع الطاقة، فقد شهدت إنتاجات النفط في العراق تراجعاً حاداً نتيجة إغلاق مضيق هرمز والهجمات على المنشآت، حيث انخفض الإنتاج الكلي من 4.3 مليون برميل يومياً قبل الحرب إلى نحو 900 ألف برميل حالياً. وتكبد العراق أكبر الخسائر من حيث الإيرادات النفطية، حيث سجلت نحو 1.73 مليار دولار في مارس بانخفاض 76% عن العام السابق، في المقابل، استفادت السعودية من ارتفاع أسعار النفط، إذ بلغ متوسط صادرات الخام نحو 4.39 مليون برميل يومياً، مما رفع القيمة المالية للصادرات بنحو 558 مليون دولار، رغم انخفاض الكميات. وتواصل المملكة تعزيز خط أنابيب شرق-غرب بطاقة 7 ملايين برميل يومياً لتجاوز تهديدات مضيق هرمز، بينما تكبدت الإمارات والكويت خسائر جزئية نتيجة انخفاض قيمة صادراتها النفطية وتعرض بعض الموانئ للهجمات.


وشهدت أسواق النفط والغاز تقلبات كبيرة، حيث سجلت العقود الآجلة لخام برنت 108.79 دولار للبرميل، وسط ترقب نتائج المفاوضات غير المباشرة بين الولايات المتحدة وإيران بشأن فتح مضيق هرمز. وارتفعت العقود الآجلة للغاز الطبيعي في الولايات المتحدة بنسبة 1.6% لتصل إلى 2.851 دولار لكل مليون وحدة حرارية بريطانية، مدفوعة بزيادة الطلب وتدفقات قياسية من محطات التصدير، في حين سجلت أسواق العملات انخفاضاً في الدولار واقتراب الين من مستوى 160 مقابل الدولار، مع تسجيل اليورو 1.1563 دولار والجنيه الإسترليني 1.326 دولار، فيما تظل التقلبات حادة بسبب استمرار الحرب والاضطرابات الجيوسياسية في المنطقة.


كما أدت الحرب الأمريكية الإسرائيلية على إيران إلى موجة صعود جديدة في أسعار النفط، حيث قفز خام برنت بنسبة 7.8% ليصل إلى نحو 109 دولارات للبرميل، بينما صعد الخام الأمريكي بنسبة 11.3% إلى 111.54 دولارًا. ولاحقاً ارتفعت العقود الآجلة لخام برنت 74 سنتا أو 0.68% لتبلغ عند التسوية 109.77 د/ب، كما انتقلت تأثيرات الحرب بسرعة من سوق الخام إلى أسعار الوقود للمستهلكين، حيث تجاوز متوسط سعر البنزين في الولايات المتحدة 4 دولارات للغالون لأول مرة منذ 2022. وبحسب موقع غلوبال بترول برايسز، بلغ متوسط سعر البنزين عالميًا 1.44 دولارًا للتر ومتوسط سعر الديزل 1.51 دولارًا للتر حتى نهاية مارس 2026.


وفي قراءات اقتصادية، أظهرت البيانات أن أسعار البنزين والديزل تختلف بشكل كبير بين الدول، إذ تتصدر هونغ كونغ وشمال غرب أوروبا قائمة أعلى الأسعار عالميًا، بينما تحتل الدول النفطية والداعمة للسعر المرتبة الأدنى. وفي الدول العربية، تصدرت الأردن قائمة أعلى أسعار البنزين بـ1.693 دولارًا للتر، بينما المغرب يتصدر أسعار الديزل بـ1.548 دولارًا للتر. في المقابل، تتمتع دول الخليج بأسعار منخفضة نسبيًا مثل قطر والكويت والسعودية، فيما تحتل ليبيا وإيران وفنزويلا المراتب الأدنى عالميًا.

وتعكس هذه التغيرات تأثير الحرب على الأسعار العالمية والقدرة الشرائية للمستهلكين، مع اختلاف سرعة تمرير الصدمة النفطية بحسب مدى تحرير السوق أو سيطرة الحكومة على الأسعار.


في سياق تداعيات الحرب أيضاً، حذر مسؤولون في الاتحاد الأوروبي حكومات الدول الأعضاء من التوسع في برامج الدعم لمواجهة ارتفاع أسعار الطاقة بعد الحرب الأمريكية الإسرائيلية على إيران، مشددين على أن تكون أي تخفيضات أو دعم للأسر محددة زمنياً وقطاعياً لتجنب تحول معضلة الطاقة إلى أزمة مالية شاملة. ويأتي هذا التحذير بعد تجربة أزمة الطاقة عام 2022، التي أدت إلى توسع الحكومات في دعم الوقود وزيادة العجز في الموازنات العامة، وسط ارتفاع أسعار الغاز في أوروبا بأكثر من 60% وسعر النفط الخام بأكثر من 50%، ما انعكس على تكاليف الكهرباء والديزل ووقود السيارات، وأدى لموجة تضخم.


في الكويت، يواصل قطاع الصيد عمله لضمان وفرة الأسماك في الأسواق رغم اضطرابات المنطقة، مع التركيز على رحلات دورية تمتد لعدة أيام لتأمين الكميات المحلية. وقد ساهمت متابعة خفر السواحل وتحديد مناطق آمنة للمراكب في استمرار الإمدادات، فيما ارتفعت أسعار بعض الأنواع المستوردة مؤقتًا بسبب توقف بعض القوارب، لتعود لاحقاً إلى مستوياتها الطبيعية مع انتظام الشحنات. ويؤكد المسؤولون أن الأمن الغذائي للكويت خط أحمر، والأسواق المحلية ما تزال تشهد توفرًا جيدًا من الأسماك والسلع الغذائية الأساسية.


على صعيد الطاقة العالمية، تواصلت الهجمات الأوكرانية على موانئ تصدير النفط الروسي، ما أدى إلى خسائر كبيرة في الإيرادات وتأخر عمليات التصدير، في حين سجلت ناقلات الغاز عبورًا محدودًا عبر مضيق هرمز إلى الهند وتركيا، في ظل استمرار القيود الإيرانية على الملاحة. وقد اتخذ العراق خطوات عاجلة لضمان استمرارية تصدير النفط، بما في ذلك طلب تقديم جداول تحميل عاجلة من عملائه، مع استعداد كامل لموانئه لضمان تدفق الشحنات رغم الاضطرابات الإقليمية. 

وتبقى المخاطر قائمة، إذ يراقب المتعاملون الأسواق بحذر، بينما تحاول الدول المستوردة مثل كوريا الجنوبية موازنة الحاجة لاستيراد النفط مع مستوى المخاطر المحتمل في المضيق.