إلى أبانا العظيم إبراهيم الحمدي
سليمان عبدالسلام
سليمان عبدالسلام


إلى الأب الشهيد القائد الرئيس إبراهيم محمد الحمدي، السلام عليك يوم وُلدت حرًّا، ويوم عشت نزيهًا، ويوم ارتقيت شهيدًا مهيبًا. إلى ثراك الطاهر أبعث خطابي هذا، لا من باب الرثاء، بل من نافذة الوفاء، ومن قلب ابنٍ يمنيٍّ وُلِد بعد رحيلك بعقدين ونيف، لكنه نشأ على اسمك، وتربّى على حلمك، وتعلّم من سيرتك معنى أن يكون للوطن قائدٌ لا سيِّد، وللشعب خادمٌ لا متسلّط. 


أبانا العظيم، صحيح أنني لم أُحظَ بشرف العيش في ظلال عهدك القصير - ثلاث سنوات وأربعة أشهر ينقصها يومان - لكنه كان زمنًا بحجم قرن، وعمرًا من النور في ليلٍ طويلٍ من العتمة؛ قدت فيه البلاد بثبات القائد ونقاء الإنسان، وصنعت تنمية، وغرست كرامة، وبنيت دولة، وأعدت للمواطن قيمته، وحققت من الإنجازات ما عجزت عن تحقيقه أنظمةٌ تعاقبت بعدك لعقود، فتاهت في دهاليز الفساد والتبعية. أخاطبك اليوم لا كمتفرجٍ على الماضي، بل كابنٍ لهذا الوطن الذي عرفك أكثر ممن جاؤوا بعدك، وتنفّس حبَّ اليمن من عبق ذكراك، وارتوى من نُبل فكرك، حتى سكِنت في وجدان كل يمنيٍّ حرٍّ كما لم يسكن أحدٌ سواك، وصرت في ضمير الشعب أبًا ورمزًا وعنوانًا لكرامة الإنسان اليمني.


 أبانا، يقول الحاقدون إننا نقدّسك، وحاشا لله أن نقدّس بشرًا، لكن من يخبرهم أن الكبار لا يُقاسون بالمناصب، بل بالمواقف؟ ومن يعلّمهم أن مَن تُلهب ذكراه القلوب بعد قرابة نصف قرن من الغياب، وتقلق الفاسدين، وتوقظ المقهورين، لا يمكن أن يكون عابرًا؟ بل كنت الطاهر في زمن القذارة، والشريف في زمن الخيانة، والصادق في زمن الزيف. 


نحن لا نقدّسك، يا أبانا، بل نجلّك ونعظّم فيك ما غرسته فينا من ضميرٍ حي، ويدٍ نظيفة، وموقفٍ لا يساوم، ولسانٍ لا يكذب، وعدلٍ لا يحابي، ووجدانٍ لا يخون. كنت مشروع وطن لا مشروع حكم، وقائد نهضة لا تاجر سلطة، وحلمًا يستحيل على الخونة فهمه، ونورًا أرعب الظلام فاجتمعوا عليك واغتالوك، لأنك كنت الحقيقة وسط الزيف، والنقاء وسط التلوث. ولهذا نحبك ونشتاق إليك ونتمسك بطريقك؛ لا لأنك كنت رئيسًا، بل لأنك كنت أبًا حقيقيًا لهذا الشعب، رجل دولة من طرازٍ وطني أصيل. 


لم نرفع لك تمثالًا، بل رفعناك في قلوبنا، وحملناك في ضمائرنا منارةً في زمن السقوط، وصوتًا في صمت الرعب، ورجاءً في ليل الانهيار. في زمن العفن نحتاج إلى عطرك، وفي زمن الكذب نشتاق إلى صدقك، وفي زمن الانحلال نفتقد صلابتك ومبادئك، وفي زمن العبث نبحث عن ظلال مشروعك كما تبحث الأرض الجرداء عن غيمةٍ لم تعد تمطر. أبانا العزيز، مَن كان مثلك لا يُنسى، ولا يُعوّض، ويُفتقد كما تُفتقد العدالة في مواسم الظلم، وكما يُفتقد المطر في مواسم القحط، وكما يُفتقد الأب حين يتّسع اليُتم في البلاد. من قلب جيلٍ لم يرك لكنه يراك كلما بحث عن وطن، ومن ابنٍ لم يسمع صوتك لكنه يحفظ نبرتك في ذاكرة الأرض، ومن شعبٍ يكتب اسمك على جبين الشمس ويتلو عليك السلام كل صباح ومساء.


 لك المجد، ولك الخلود، ولك الوفاء، ولك العهد بأن نظل على طريقك، وأن نظل أوفياء لحلمك، أوفياء لليمن الذي أحببته وافتديته بروحك.


إقراء أيضا