تظل تجربة الرئيس الشهيد القائد إبراهيم محمد الحمدي (1974–1977) في الوجدان اليمني أشبه ببرق خاطف أضاء عتمة ليل طويل، ثم انطفأ تاركًا وراءه حسرة أبدية على «فردوس مفقود».
لم تكن حركة 13 يونيو التصحيحية مجرد انقلاب عسكري أبيض، بل كانت وثبة حضارية ومحاولة جريئة لانتشال اليمن من درك التخلف والتبعية، والتخلص من سلطة مراكز القوى التقليدية، وبناء دولة النظام والقانون التي يتساوى تحت سقفها الشيخ والرعية.
في قلب هذا المشروع الاستثنائي نبتت فكرة «هيئة التعاون الأهلي للتطوير»، وهي تجربة فريدة نبعت من عبقرية الإنسان اليمني وارتباطه بالأرض.
لم ينتظر الحمدي تدفق الثروات من جوف الأرض، بل راهن على ثروة الإنسان، فتحولت القرى والعزل إلى خلايا نحل تضج بالحياة.
وبجهد شعبي مستقل ونزاهة مالية صارمة، شُقَّت الطرقات الصخرية، وبُنيت المدارس والمستشفيات، وحُفرت آبار المياه، في ملحمة تنموية فريدة سجلت معها خزينة الدولة فائضًا نقديًا تاريخيًا بالعملة الصعبة.
لكن هذا الحلم الإنتاجي لم يدم، فما إن غابت شمس الحمدي حتى امتدت يد البيروقراطية والفساد لتفرغ هذه التعاونيات من جوهرها الشعبي المستقل، وتحولها إلى أدوات تابعة للسلطة المركزية. ومع ظهور النفط في العقود اللاحقة، تحول الاقتصاد من الإنتاج والتكافل إلى «الاقتصاد الريعي» الذي يُقسَّم كغنائم لشراء الولاءات وتثبيت أركان الحكم، مما أدى إلى انهيار الطبقة الوسطى وتعميق الفقر.
وعلى خطى السيادة والاستقلال، امتدت رؤية الحمدي إلى ما وراء الحدود، متسلحة بالندية ورفض التبعية. لقد رفض أن تكون اليمن حديقة خلفية للقوى الإقليمية، فواجه «دبلوماسية الشيكات» بكرامة وطنية صلبة.
وتجلى نضجه الاستراتيجي في «مؤتمر تعز التاريخي» عام 1977، عندما أراد تحويل البحر الأحمر وباب المندب إلى «بحيرة سلام عربية» خالصة، بعيدًا عن أطماع الدول الكبرى وصراعات الحرب الباردة.
هذا الطموح السيادي، بالتوازي مع تقاربه الأخوي والشجاع مع رئيس الشطر الجنوبي سالم ربيع علي لتحقيق وحدة وطنية حقيقية، شكّل تهديدًا مباشرًا لمصالح القوى الإقليمية والدولية وأدواتها في الداخل.
وفي 11 أكتوبر 1977، قبل يومين فقط من رحلته الموعودة إلى عدن لزف بشرى الوحدة، أُجهض الحلم برصاص الغدر والخيانة.
لم تكن الرصاصات التي اغتالت الحمدي تستهدف جسده فحسب، بل كانت تستهدف فكرة «الدولة» ذاتها.
وبمقتله ارتدت اليمن إلى مربع التبعية والمحاور الخارجية، وعاد النفوذ القبلي والعسكري ليحتل عمق القرار السياسي، وتأسست سلطة عائلية قائمة على شبكات المحسوبية وإدارة الأزمات بدلًا من حلها.
بين عهد الحمدي وما تلاه يتكشف الفارق الجوهري بين قائد أراد بناء وطن يتسع للجميع، ونظام أراد تطويع الوطن لخدمة بقائه.
ولذلك يبقى الحمدي في الذاكرة اليمنية ليس مجرد رئيس عابر، بل هو «نبوءة دولة» لم تكتمل، ونشيد وطني ما زال اليمنيون يترنمون به كلما اشتدت بهم جراحات الحاضر.
اليوم، وبعد مرور عقود على ذلك الخريف الدامي، لم يمت إبراهيم الحمدي في قلوب اليمنيين، بل تحول إرثه إلى «أيقونة حية» يتوارثها جيل الشباب الذي لم يعاصر عهده، لكنه يتنفس حلمه.
في زمن التشظي والحروب والشتات، يرى شباب اليمن في صورة الحمدي، وفي ملامح مشروعه، ترياقًا لملامح الدولة التي ينشدونها... دولة النظام والقانون والعدالة الاجتماعية والكرامة الإنسانية التي دُفنت مع جسده الطاهر.
لم يعد الحمدي مجرد صفحة مطوية في كتب التاريخ، بل صار معيارًا وطنيًا يقيس به جيل اليوم كفاءة القادة ونزاهة الحكام.
إن شغف الشباب بإعادة قراءة تجربة «التعاونيات الأهلية» وبث خطاباته عبر منصات التواصل الاجتماعي، ليس مجرد بكاء على الأطلال أو حنين رومانسي إلى الماضي، بل هو فعل ممانعة ورفض للواقع المرير، ومحاولة واعية لاستلهام خارطة طريق لبناء «اليمن القادم».
لقد غرس الحمدي في الوعي اليمني بذرة عصية على الموت؛ بذرة تقول إن اليمن قادر على النهوض والسيادة والاعتماد على الذات متى ما وجدت القيادة المخلصة.
وسيبقى هذا الإرث الملهم بمثابة البوصلة التي تهدي عقول الشباب وسواعدهم، ريثما تولد من رحم المعاناة حركة تصحيحية جديدة تعيد للوطن فردوسه المفقود، وتكمل النشيد الذي انقطع ذات أكتوبر...
موسكو 2026