حاتم أبو حاتم.. رفيق الدرب الذي رحل وبقي أثره
محمد مسعد الرداعي
محمد مسعد الرداعي


صدمتني كثيرًا برحيلك المستعجل والمفاجئ، أخي العزيز حاتم علي أبو حاتم. ففي الوقت الذي كنت أنتظر وصولك إلى القاهرة، حسب اتفاقنا قبل مغادرتي صنعاء، إذا بي أُفاجأ أولًا بدخولك المستشفى، وبعدها بالخبر الصادم والمحزن: خبر وفاتك؛ هذه الوفاة المستعجلة.


نعم، أخي، أنا أدرك ما كنت تحمله من همٍّ ومعاناة إزاء ما وصلت إليه الأوضاع على المستوى الوطني والقومي، وما تسببت به من ألم لك ولكل الشرفاء. أخي، لا أحتمل هذا الرحيل، وأن تتركني مع هذه المهام والهموم الكثيرة والكبيرة، التي كنت، بحضورك، تحمل بعضًا منها فتخفف عني.


فأنت دومًا رجل الحضور الإنساني، وصاحب التواصل الدائم؛ حاضر في أفراح الإخوة وأتراحهم، ومجسّد فعلي لقيم الأخوة النضالية، كما أنك من الأوائل في الدفاع عن قيم الحرية والكرامة وحقوق الإنسان.


أيها الغالي، مهما كتبت وتحدثت عنك وعن مناقبك النضالية وتضحياتك، فلن أتمكن من حصرها، وسأكون مقصرًا، ولن أفيك حقك ولو بالحد الأدنى. ومع ذلك، سأُعرِّج على بعض المحطات والمواقف التي جمعتني بك، وكنت على اطلاع بها، وبعضها كفيل بتحديد من هو المناضل حاتم.


البداية الأولى في بنهم


كان أول لقاء جمعنا مع نهاية عام 1979 في قرية ثاجر بمديرية نهم، بعد خروجي من السجن، حيث أُوكلت إليّ مهمة التواصل بين أعضاء القيادة التنفيذية، وتنفيذ مهام التواصل مع الآخرين، وكذلك تنفيذ أي مهام تخص القيادة التنفيذية.


وكان من تلك المهام الجانب الإعلامي، من طباعة المنشورات والبيانات، فقد كانت آلات الطباعة والسحب بالاستنسل موجودة في منزل الشيخ منصور أبو حاتم في منطقة بران بنهم.


أما المهمة الثانية التي جمعتني بك، فكانت نقل أعضاء المؤتمر الوطني العام السابع إلى مكان عقد المؤتمر في مديرية الجوبة بمحافظة مأرب، وكان ذلك في سبتمبر 1981. كانت نهم منطقة تجمع لأعضاء المؤتمر، وكنت قد تحركت صباحًا بمجموعة من الإخوة أعضاء المؤتمر من صنعاء إلى نهم، وكان من هؤلاء الأستاذ عبدالغني ثابت، شفاه الله وعافاه.


تناولنا طعام الغداء في نهم، ثم تحركنا بسيارة كان يقودها الأخ حاتم أبو حاتم، الذي كان أحد أعضاء المؤتمر. وكان مقررًا أن نصل إلى الجوبة، إلى منزل الأخ علي عبدربه القاضي، مع تمام الساعة الثامنة مساءً، بعد أن يكون الظلام قد أرخى سدوله، فلا يستطيع أحد مشاهدة من حضروا أو تحديد عددهم.


ولسوء الحظ، حلّ الغروب والظلام ونحن في منطقة الفلج، وكان سيرنا بعيدًا عن الطريق الرئيسي، إذ كنا نسير في مسار جانبي. وللأسف، فقدنا الطريق، وصرنا ندور في المنطقة نفسها، وهي منطقة صحراوية. أخذ الوقت يمضي ونحن ندور في المكان نفسه لما يقرب من ساعتين، فأصابنا القلق جميعًا خوفًا من نفاد الوقود.


كنا نسأل الأخ حاتم عن دليله، وكيف يستدل على الطريق، فكان يرد ضاحكًا بأنه يستدل على المكان بشجرة. لكنه لم يجد تلك الشجرة رغم دوراننا الطويل، وكان يضحك ويقول: ابحثوا معي عن الشجرة.


وخلال ذلك الدوران، برز لنا ضوء من بعيد، وكان بداية الانفراج وانتهاء التخبط والضياع، إذ أعادنا إلى الطريق الرئيسي لنواصل مسيرنا. وصلنا إلى الجوبة في الساعة العاشرة مساءً، وكان الإخوة في قلق بسبب تأخرنا. تناولنا طعام العشاء، ثم غادرت بعدها، وفي الليلة نفسها، بسيارة أخرى إلى صنعاء؛ لأن هناك مجموعة كانت في الانتظار، وكان يجب أن أرافقها بعد الغداء عن طريق خولان صرواح.


الاعتقال الثاني وما قيل عن حاتم


المحطة الثالثة كانت عند اعتقالي الثاني مع نهاية عام 1983. ذلك الاعتقال لم يكن بسبب كفاءة الأجهزة الأمنية أو رصدها لتحركاتي، وإنما كان نتيجة ظروف الصراعات الداخلية، ودور الأجهزة الأمنية، وسقوط بعض القيادات التي أعلت مصالحها الخاصة على مصلحة التنظيم، وسقطت في أحضان النظام.


وُجهت إليّ أسئلة واتهامات متعددة، بعضها متعلق بالأخ الفقيد حاتم، ومنها السؤال عنه باعتباره مسؤولًا عن منظمة “شروق” الأمنية، التي كانت مهمتها حماية التنظيم وأعضائه. وهذه المنظمة لم تعقد سوى لقاءين في منطقة بران بنهم، ثم توقف المشروع، ولم تكن للأخ حاتم علاقة به. وقد ترأس اجتماعاتها الأخ عبدالغني ثابت.


كذلك اعتبروا أن مخازن أسلحة التنظيم موجودة لديهم في نهم، وأن الأخ حاتم هو من يرتب إدخالها إلى صنعاء عبرَي. وقد وجدت لديهم كثيرًا من الحقد والاستهداف والتآمر عليه بصورة مبالغ فيها، وهو ما لم يكن له أي أساس من الصحة.


بعد خروجي من الاعتقال، أبلغت الأخ حاتم بذلك. وتوقف نشاطي لأسباب أمنية، فقد منعتني الأجهزة الأمنية من العودة إلى الجامعة ومن أداء امتحانات مواد الترم الثاني للسنة النهائية. وظللت عامًا كاملًا أتابع دون نتيجة، حتى عام 1985، عند اختلاف الإخوان والعناصر الأمنية في اتحاد طلاب اليمن.


وعلى العموم، توقف نشاطي، وأكملت الامتحان، وانتقلت للعمل في الحديدة، بسبب عدم منحي شهادة حسن السيرة والسلوك من جهاز الأمن الوطني من أجل التوظيف. وبقيت في الحديدة، وانقطع تواصلي بالأخ حاتم، إلى أن التقينا في عام 1992 خلال فترة الإعداد للمؤتمر الوطني العام الثامن.


دوره في المؤتمر الثامن وما بعده


كانت اللقاءات التي تتم في منزل حاتم ذات دور فاعل وملموس في الإعداد للمؤتمر الثامن للتنظيم، وتُوجت بانتخاب حاتم عضوًا في أمانته العامة. ثم بعد ذلك تواصلت لقاءاتنا، التي كانت تتم دوريًا مع اجتماعات دورات اللجنة المركزية.


وفي المؤتمر العاشر، كنت ممن طلبوا منه أن يرشح نفسه لمنصب الأمين العام، أو النائب، أو الأمين المساعد، لكنه اعتذر، مبررًا ذلك بانشغاله وكثرة المهام الملقاة عليه، ومنها رئاسته للجنة مقاومة التطبيع، وعضويته في لجنة القدس.


كانت دعوته الدائمة هي ضرورة إجراء تغيير شامل، وكان يفضل أن تكون هناك وجوه جديدة لم يسبق لها المشاركة في الفترات السابقة، وهو ما حدث في نتائج الانتخابات. فقد كانت انتخابات النائب والأمينين المساعدين غير متوقعة للبعض ممن رشحوا أنفسهم من أعضاء اللجنة المركزية ومن القيادات السابقة، التي اتخذت موقف عدم الترشح للأمانة العامة مستهدفة إفشالها.


بل إن البعض كان يعتبرها “أمانة الستة الأشهر”، خاصة أنها تسلمت مهامها في ظل مديونية مالية، وعدم وجود أي مبالغ، علاوة على وجود أعباء عديدة أمام نشاطها. ومع كل ذلك، تجاوزت الأمانة العامة كل هذه العقبات والصعوبات.


وكان للفقيد حاتم دور فاعل وداعم من خلال حضوره الدائم في الفعاليات السياسية، وفعاليات المطالب الحقوقية، والوقفات الاحتجاجية التي كان حاضرًا في مقدمتها.


كما كان له دور فاعل في الانتخابات الرئاسية عام 2006 إلى جانب مرشح المعارضة المرحوم فيصل بن شملان. ولم تقتصر جهوده على المستوى الوطني، فقد تولى رئاسة لجنة كسر الحصار على العراق، وكان على رأس الوفد الشعبي الذي ذهب إلى العراق.


وكان أيضًا من العناصر الفاعلة في عام 2009 في ملتقى التشاور للحوار الوطني، حيث انتُخب نائبًا لرئيس لجنة المناضلين القدامى، التي كانت واحدة من تسع لجان في الملتقى التشاوري.


في المؤتمر العام الحادي عشر للتنظيم، طلبت من الأخ حاتم أن يرشح نفسه للأمانة العامة، لكنه رفض بالمبررات السابقة نفسها، مبدياً استعداده لتنفيذ كل ما يطلب منه.


في ساحة التغيير والحوار الوطني


تواصلت جهوده الفعالة مع اندلاع الثورة الشبابية الشعبية السلمية، إذ كان حاضرًا في ساحة التغيير، هو وزميله الأستاذ الدكتور أحمد قائد الصايدي، والأستاذ عبدالله بشر، في رئاسة لجنة التجمع الوطني لمناضلي الثورة.


ورغم موقفه الرافض والمعارض للمبادرة الخليجية التي وافقت عليها الأحزاب والقوى السياسية، في ظل معارضة شباب الثورة لها، فقد كان هناك من القيادات السياسية، وعلى رأسهم حاتم أبو حاتم، من اعتبر المبادرة الخليجية التفافًا على الثورة، علاوة على ما تضمنته من منح الحصانة لعلي عبدالله صالح وأسرته، وكل من عملوا معه خلال فترة حكمه.


لكن موقفه هذا لم يؤثر على جهوده وتفاعله في ساحة التغيير، التي كان دائم الحضور فيها. وامتد هذا التفاعل والجهد إلى مؤتمر الحوار الوطني، الذي كان عضوًا فيه ضمن فريق الجيش والأمن، الذي انتُخب نائبا لرئيس الفريق.


وفي إطار مؤتمر الحوار الوطني، كان حاتم المقرب بين الأطراف والجامع للجميع. وأذكر جيدًا تفاعله والجهود التي بذلها في موضوع ورقة الضمانات، التي تم الالتفاف عليها وعدم الأخذ برؤية أغلبية المكونات المشاركة في مؤتمر الحوار، ومنها التنظيم، الذي كان يطالب بحل مجلس النواب ومجلس الشورى، باعتبارهما جزءًا من منظومة النظام السابق الذي خرج الشعب رافضًا له.


لقد لعب الفقيد حاتم أبو حاتم دورًا كبيرًا، مع بقية أعضاء التنظيم في مؤتمر الحوار، في إسقاط الورقة التي أبقت على مجلس النواب والشورى. وتم تشكيل لجنة من القاعة لإعداد ورقة تتضمن ما قدمته المكونات من رؤى، ومنها رؤية التنظيم. لكن هذه اللجنة تم الالتفاف عليها، لتخرج بصياغة أبقت على مجلس النواب ومجلس الشورى، مع طرح فكرة توسعتهما، وهذا ما أزعج العزيز حاتم، خاصة أن رئاسة هذه اللجنة كانت من التنظيم.


موقفه من مؤتمر الرياض الأول


هناك محطة أتذكرها جيدًا، وستظل في ذهني مدى حياتي، حين قابلته في 20 مايو 2015، وتفاجأت به أمامي، حيث كان ضمن قائمة المطلوبين والمدعوين من قبل التنظيم للمشاركة في مؤتمر الرياض الأول.


بادرني بقوله: “أنا متضامن معك. لقد علمت بأنك أنت ومجموعة من أعضاء الأمانة العامة كنتم ضد مشاركة التنظيم في مؤتمر الرياض، وكنتم من المعارضين لهذا الحضور، وكان موقفكم هذا هو الموقف الصائب. وأنا أستغرب من إخوتنا الذين كانوا مع الحضور لهذا المؤتمر، وكيف لهم أن يتجاهلوا أن ما يحدث في اليمن اليوم، ومن الماضي، وراءه السعودية، وهم من كانوا وراء جريمة مقتل الشهيد القائد إبراهيم الحمدي. وهل ينتظرون خيرًا من أسرة آل سعود؟!”.


ثم أضاف: “نعم، لقد اتصلوا بي يوم 15 مايو، يطلبون مني التجهز للسفر، فاعتذرت لهم”.

فقلت له: هذا ما كنت أتوقعه منك.


نداء السلام وجماعة السلام


في فبراير 2017، أطلق التجمع الوطني لمناضلي الثورة دعوة “نداء السلام”، وهي دعوة لوقف الحرب والعودة إلى طاولة الحوار، أُطلقت من خلال بيان وقعت عليه أكثر من خمسمائة شخصية، ضمت أكاديميين وسياسيين وحقوقيين وصحفيين ومثقفين ومحامين ورجال أعمال.


تم تسليم هذا النداء لممثل الأمين العام للأمم المتحدة، وللدول دائمة العضوية في مجلس الأمن، وللجامعة العربية، ولدول مجلس التعاون الخليجي، ولدول الجوار. وتشكلت لجنة لمتابعة تنفيذ ذلك.


وعلى ضوء ذلك، أُنشئ إطار جديد بديل عن التجمع الوطني لمناضلي الثورة، سُمي “جماعة نداء السلام”، وتوسعت العضوية فيه. وكان انضمامي أنا والدكتور عبدالله الخولاني إضافة إلى الأخوين الفقيد حاتم والأستاذ محمد سيف ناجي، اللذين كانا ضمن الأعضاء المؤسسين.


وعقدت جماعة نداء السلام اجتماعًا انتُخب فيه الدكتور أحمد قائد الصايدي رئيسًا، والفقيد حاتم أبو حاتم نائبًا للرئيس، والأستاذ عبدالله بشر مقررًا.


كانت اجتماعات جماعة نداء السلام دورية، تُعقد أسبوعيًا في مقر التنظيم الوحدوي الشعبي الناصري، ثم انتقلت بعد ذلك إلى مقر الحزب الاشتراكي. وكان الفقيد حاتم هو الأكثر حضورًا والتزامًا وتفاعلًا.


بيان النيابة العامة وتوقيف الراتب


وبهذا التفاعل والحضور والجهد الذي كان يبذله، إذا بي أقرأ بيانًا صادرًا عن النيابة العامة، يضم مجموعة من الأسماء المتهمين بالخيانة والعمالة لمشاركتهم في مؤتمر الرياض الأول.


كان من ضمن هذه الأسماء فقيدنا حاتم، وأسماء آخرين، مع أنهم موجودون في صنعاء وعدن، ولم يشاركوا في مؤتمر الرياض الأول، بل كانوا ضده واعتذروا عن حضوره. ومنهم المرحوم الدكتور صالح باصرة، والأستاذ علي سيف حسن، الذي كان ينظم اجتماعات دورية لفريق الدعم الاستراتيجي للحوار الوطني ضمن نشاطات منتدى التنمية السياسية الذي يترأسه، وكان يضم ممثلين عن جميع الأحزاب السياسية والمكونات الاجتماعية.


بدأت التواصل ببعض قيادات أنصار الله، محتجًا على بيان النيابة العامة، ومعتبرًا ذلك إساءة واستهدافًا لمن لم يحضروا مؤتمر الرياض الأول.


وكان من ضمن من اتصلت بهم المرحوم زكريا الشامي، الذي كان رئيس هيئة الأركان. أخبرته بهذا البيان والتخبط الذي فيه، وما تضمنه من عدم الدقة، وإيراده أسماء لم تشارك في المؤتمر، وطرحت عليه الأسماء الثلاثة، فكان رده لي:


“نعم، فقد رُفع لي كشف بمجموعة أسماء من العسكريين، ومن ضمنهم اسم حاتم، وأنا قد وجهت بتوقيف مرتباتهم، وهذا قبل أربعة أشهر”.


وكان ردي عليه بأن حاتم موجود في صنعاء، في بيته، وهذا رقم هاتفه، وهو لم يغادر صنعاء منذ 2014، ويمكن أن تتصل به الآن لتتأكد أن ما رُفع لك من معلومات غير دقيق.


وعدني بالتحري والتواصل مع حاتم، وهو يعرف حاتم جيدًا منذ مؤتمر الحوار، ومن الوقفات الاحتجاجية التي كان يحضرها أمام مجلس الوزراء.


اتصلت مباشرة بالأخ حاتم، وأبلغته بما تم مع زكريا الشامي، وأنه سيتصل به. وعاتبت الأخ حاتم على عدم إبلاغي بتوقيف راتبه، وسألته عن معرفته بكشف النيابة العامة. وكعادته، بدأ ضاحكًا وقال: “عادي يا أخي، وأنا منتظر أن يبدؤوا إجراءاتهم، وبعدين بيكون لنا خبر”.


وأضاف: “وبالنسبة لعدم إبلاغك، فأنا أعرف أن لديك كثيرًا من المشاغل والهموم، وهي تكفيك. وأنا كنت قد تواصلت مع بعض قيادات أنصار الله بشأن توقيف مرتبي، ووعدوا بالبحث عن الأسباب”.


وبعد ثلاثة أيام، اتصل بي زكريا الشامي ليشكرني على إبلاغه، وقال إنه تواصل بحاتم، وفعلاً أجابه، فتأكد أنه موجود في بيته بصنعاء. وأضاف: “بدوري وجهت بإعادة وصرف رواتبه الموقوفة، ووعدته بزيارته إلى البيت”.


وفعلًا، أبلغني حاتم بعد خمسة أيام بأن زكريا الشامي جاء لزيارته في البيت، واعتذر له عما حدث، وسلم له مرتبات الشهور التي توقفت.


القاهرة وحملات التخوين


بعد عودته من رحلة علاجه في القاهرة عام 2022، زرته في بيته، ودار الحديث بيننا عن فترة وجوده في القاهرة. كان مترددًا في الحديث، ولديه تحفظ، لكنه كعادته لا يستطيع الاستمرار في التحفظ، إذ قال لي إن بعض الإخوة الموجودين في القاهرة متحاملون عليك.


ضحكت وقلت له: ليس بجديد. وليست حملتهم عليّ وحدي، وإن كنت أنا صاحب الجزء الأكبر من هذه الحملة، بل هي على كل من هم في صنعاء، إذ يتهمونهم بأنهم حوثيون طالما أنهم لم يكونوا ضمن المعتقلين.


بل إن أحد الإخوة في الأمانة العامة قال لي مباشرة، في عام 2015، إنني حوثي. وقد لمست هذا الانطباع موجودًا لدى كثيرين، وارتكزت عليه مواقفهم وتحفظاتهم تجاهي في عام 2018، عندما كنت في القاهرة أجري عملية القلب المفتوح.


وعلى العموم، الأيام القادمة كفيلة بكشف الحقيقة، وتوضيح مواقف الجميع، مع أن الأمور أصبحت واضحة.


ضحك حاتم، كما هي عادته، وقال: “نعم يا أخي، والله إني لمست تحفظهم وابتعادهم عني، والوحيد الذي كان قريبًا مني وصاحبني في معظم الوقت هو الأخ هادي محمد عامر. وأنا قد حاولت الرد على حملاتهم والتوضيح، ولكني وجدت أن لا جدوى معهم، خاصة أنه بعد مضي سبع سنوات من الحرب والدمار، وما وصل إليه حال الوطن والشعب، سواء من هم تحت مظلة ما يسمى بالشرعية، أو من هم تحت سلطة الأمر الواقع في صنعاء، فالشعب هو من يدفع الثمن، ولا أمل في أيٍّ من السلطتين”.


وأضاف: “لذلك فقد اتخذت قراري بعد استكمال العلاج، وقررت العودة إلى صنعاء، رغم إلحاح الكثيرين عليّ بالبقاء، إذ اعتبرت أن العودة إلى صنعاء هي أفضل رد على حملاتهم. لذلك علينا أن نُفعِّل نشاط وأداء جماعة نداء السلام الرافضة للحرب والداعية إلى العودة للحوار والسلام”.


وقد كان هذا هو الهم الأكبر لديه، وكانت مطالبته المستمرة لي وللإخوة أعضاء الأمانة العامة في صنعاء بأن نُفعِّل دور التنظيم والحزب الاشتراكي.


فلسطين والهم القومي الأخير


زادت معاناة الأخ المناضل حاتم أكثر بعد الأحداث التي تلت السابع من أكتوبر 2023، وما يمارسه العدو الصهيوني تجاه الشعب العربي الفلسطيني في غزة من حرب إبادة. كما تأكد له وللجميع أن ما يتم في اليمن، وفي كثير من الأقطار العربية، مثل ليبيا والعراق والسودان وسوريا ولبنان، ليس بعيدًا عن مشروع الشرق الأوسط الكبير، ومشاريع التآمر على الأمة العربية، والتمهيد لإقامة دولة إسرائيل الكبرى.


وكان يرى أن حرب الإبادة التي تستهدف الشعب العربي الفلسطيني قد كشفت الوجوه وعرّت الأنظمة العربية.


وفي آخر لقاء قبل سفري، كان حاتم متألمًا من غياب دور القوى القومية عمومًا، والناصرية خصوصًا، تجاه هذه المجازر وحرب الإبادة. ولذلك طرح أن وجودنا في القاهرة فرصة لنلتقي بإخوتنا في مصر، والإخوة من القيادات الناصرية في مصر، ومطالبتهم بالتحرك، فالأمر أصبح واضحًا، والتآمر مكشوفًا، بعد أن عرّى ترامب كل الأنظمة وكشف تآمرها وعمالتها.


وقد اتفقنا بأنني سوف أتقدم بسفري إلى القاهرة، وهو سوف يتبعني. لكن كانت المفاجأة بالخبر الصادم؛ فبدلًا من وصوله إلى القاهرة واستقبالي له، كان وصول خبر وفاته، وهو الخبر الصادم والمحزن لي.


فرحمة الله تغشاك، أخي العزيز الغالي حاتم علي أبو حاتم. لقد رحلت جسدًا، لكنك باقٍ بيننا بما جسدته من سلوك وقيم. وستظل حيًا في قلوبنا، وستنمو أفكارك في قلوب الأجيال القادمة، لتكون نبراسًا يضيء طريقها نحو تحقيق أهداف الأمة في التحرر من الاستعمار والرجعية، وتحقيق مجتمع الكفاية والعدل الاجتماعي، تمهيدًا لتحقيق الوحدة العربية.


إقراء أيضا