أجمع الشعب المصري على حب الزعيم الخالد جمال عبدالناصر، الذي استطاع أن ينال تقدير واحترام المواطنين المصريين، خصوصًا الطبقة الفقيرة، لانحيازه لهم وسعيه الدائم لتحسين أحوالهم المعيشية، فكان المشهد التاريخي، عندما خرج الشعب بالملايين، ليطالب «عبدالناصر» بالبقاء في الحكم، بعد قراره بالتنحي.
عُرف «عبدالناصر»، بعلاقته الحميمة مع المصريين العاديين، وقدرته على تمثيل الأصالة المصرية، في الانتصار أو الهزيمة، وساهمت الصحافة الوطنية في تعزيز شعبيته، خاصة بعد تأميم وسائل الإعلام الرسمية، وعلى الرغم من أن محاولات اغتياله كانت لا مثيل لها بين خلفائه. وقد كان ناصر خطيبًا ماهرًا، حيث ألقى 1359 خطبة بين عامى 1953 و1970، وهو رقم قياسي بالنسبة لأي رئيس مصري.
◄ تجسيد الإرادة الشعبية
وحتى يومنا هذا، يعتبر ناصر شخصية بارزة في جميع أنحاء الوطن العربي، ورمزا للوحدة العربية والكرامة، وشخصية هامة في تاريخ الشرق الأوسط الحديث، ويعتبر أيضا بطل العدالة الاجتماعية في مصر، حيث أضفى شعورا بالقيمة الشخصية والكرامة الوطنية، التي كان المصريون والعرب لا يعرفونها منذ 400 عام ، وخلال الربيع العربي، ظهرت صور جمال عبد الناصر في القاهرة والعواصم العربية خلال المظاهرات المناهضة للحكومات.
ومن خلال تصرفاته وخطبه، كان ناصر قادرا على تجسيد الإرادة الشعبية العربية، واستوحيت العديد من الثورات القومية في الوطن العربي من أفكار ناصر. كانت إنجازات عبد الناصر غير مسبوقة بالنسبة للزعماء العرب الآخرين، ومدى مركزية ناصر في المنطقة جعلت إحدى أولويات الرؤساء القوميين العرب إقامة علاقات جيدة مع مصر، من أجل كسب شعبية بين مواطنيه ٠
◄ كاريزما ناصر
وتمر اليوم السبت الذري الـ 54 على رحيل الزعيم جمال عبد الناصر، الذي توفي في مثل هذا اليوم عام 1970، حيث نالت شخصيته حب الجماهير المصرية والعربية، وبقيت كاريزمته حية رغم مرور كل هذه السنوات، وتزايدت مع ظهوره فى المشهد السياسي المصري، ومع مرور الأحداث السياسية في جميع الفترات العصيبة التى شهدتها مصر، ورفضت الرحيل برحيله.
الزعيم جمال عبد الناصر حسين هو ثاني رؤساء مصر، حيث تم اختياره رئيسا للجمهورية في 25 يونيو عام 1956، طبقا للاستفتاء الذي أجري في 23 يونيو، وبقى فى السلطة حتى وفاته فى عام 1970، وهو أحد قادة ثورة 23 يوليو التي أطاحت بالملك فاروق «آخر حاكم من أسرة محمد علي».
◄ أفكار عبد الناصر
واعتبر المواطن العربي ناصر زعيمه بلا منازع، أرجع المؤرخ عديد دويشا الفضل في ذلك إلى «كاريزما» عبد الناصر، والتي عززها انتصاره في أزمة السويس، واتخاذه من القاهرة مقرا لإذاعة صوت العرب، التي نشرت أفكار عبد الناصر في جميع أنحاء العالم الناطقة باللغة العربية.
وفي عام 1962، بدأ عبد الناصر سلسلة من القرارات الاشتراكية والإصلاحات التحديثية في مصر، وعلى الرغم من النكسات التي تعرضت لها قضيته القومية العربية، بحلول عام 1963، وصل أنصار عبد الناصر للسلطة في عدة دول عربية، وقدم «ناصر» دستورا جديدا للبلاد في عام 1964، وهو العام نفسه الذي أصبح فيه رئيسا لحركة عدم الانحياز الدولية ، وبدأ ناصر ولايته الرئاسية الثانية في مارس عام 1965 بعد انتخابه بدون معارضة. وتبع ذلك هزيمة مصر من إسرائيل في حرب الأيام الستة عام 1967.
◄ شعبية عبد الناصر
واستقال «عبد الناصر» من جميع مناصبه السياسية بسبب هذه الهزيمة، ولكنه تراجع عن استقالته بعد مظاهرات حاشدة طالبت بعودته إلى الرئاسة، وبين عامى 1967 و1968 عين عبد الناصر نفسه رئيسا للوزراء بالإضافة إلى منصبه كرئيس للجمهورية، وشن حرب الاستنزاف لاستعادة الأراضي المفقودة في حرب 1967. وبدأ عملية عدم تسييس الجيش وأصدر مجموعة من الإصلاحات الليبرالية السياسية.
أدت سياسات عبد الناصر المحايدة خلال الحرب الباردة بين الولايات المتحدة والاتحاد السوفيتى إلى توتر العلاقات مع القوى الغربية التي سحبت تمويلها لإقامة السد العالي، الذي كان عبد الناصر يخطط لبنائه، ورد «عبد الناصر» على ذلك بتأميم شركة قناة السويس عام 1956، الأمر الذى استحسنته الشعوب فى مصر والوطن العربي. وبالتالي، قامت بريطانيا، وفرنسا، وإسرائيل باحتلال سيناء لكنهم انسحبوا وسط ضغوط دولية؛ وقد عزز ذلك مكانة عبد الناصر السياسية بشكل ملحوظ. ومنذ ذلك الحين، نمت شعبية عبد الناصر في المنطقة بشكل كبير، وتزايدت الدعوات إلى الوحدة العربية تحت قيادته، وتحقق ذلك بتشكيل الجمهورية العربية المتحدة مع سوريا (1958 - 1961).
◄ حياة قصيرة
ورغم مرور كل هذه الأعوام على رحيل جمال عبدالناصر، وعدم معاصرة الجيل الحالي له، إلا إنه يبدو وكأنه غادرنا بالأمس، فصورته حاضرة في العقل المصري والعربي، ويبدو فيها رمزًا عصيًا على الرحيل والغياب، بشخصيته المتفردة، وكاريزمته الجذابة وحضوره الطاغي، فقد عاش عبدالناصر بمقاييس الزمن حياة قصيرة، إلا أن السنوات الـ 18 من حكمه مثلت فصلا استثنائيا في المشهد المصرى والتاريخ العربي كله.
رسالة «ناصر» باقية حتى الآن، فقد بنى دولة رغم المؤمرات، وأسس فكرا قوامه الإنسان المصري الذي يعي جيدا معنى العزة والكرامة والمواطنة، وما يحدث اليوم لا يختلف كثيرا عن هذا العصر، بل إنه صورة مستحدثة منه، فهنا أيضا رئيس لا يهاب الموت، يفكر بمنطق الدولة، يواجه المؤمرات، يتصدى للفتن، وما بين ناصر والسيسي بلد يحميها الله.
◄ تأميم قناة السويس
كما بقى إرثه بافيا فقد جعل «ناصر» مصر مستقلة تماما عن النفوذ البريطاني، وأصبحت البلاد قوة عظمى في العالم النامي تحت قيادته، وواحدة من جهوده المحلية الرئيسية كانت إقامة العدالة الاجتماعية، والتي تعتبر شرطا أساسيا لتحقيق الديمقراطية الليبرالية، وخلال فترة رئاسته، تمتع المواطنون العاديون بمزايا غير مسبوقة في السكن والتعليم وفرص العمل والخدمات الصحية والتغذية، فضلا عن العديد من أشكال الرعاية الاجتماعية، في حين تراجع نفوذ الإقطاعية وبحلول نهاية رئاسته تحسنت ظروف العمل والعمال بشكل كبير، على الرغم من ذلك، ظل الفقر مرتفعا في البلاد وتم تحويل موارد كبيرة كانت مخصصة للرعاية الاجتماعية.
ونما الاقتصاد الوطني بشكل كبير من خلال الإصلاح الزراعي، ومشاريع التحديث الكبرى مثل صلب حلوان وسد أسوان، وتأميم قناة السويس، ومع ذلك، فإن النمو الاقتصادي الملحوظ في أوائل الستينات أخذ في الانكماش للفترة المتبقية من العقد، متعافيا فقط في سنة 1970، وشهدت مصر "العصر الذهبي" للثقافة خلال رئاسة عبد الناصر، خاصة في السينما والتلفزيون والمسرح والإذاعة، والأدب، والفنون الجميلة، والكوميديا، والشعر، والموسيقى، وساد مصر الوطن العربي في هذه المجالات في عهد ناصر، منتجة العديد من الرموز والشخصيات الثقافية.
◄ شخصية ناصر
مرت أكثر من أربعة عقود على وفاة «عبدالناصر»، ومازالت ذكراه خالدة حتى يومنا هذا، ولايزال يتربع في قلوب الكثيرين، خاصة بسطاء الشعب المصري، وهو ما تعكسه المناسبات السياسية والشعبية والتى غالبا ما تكون فيها صورة عبد الناصر قاسما مشتركا فى المشهد، لم يكن جمال عبدالناصر زعيما ولا رئيسا عاديا فى التاريخ، بل كان ملهما لأمة بأسرها، وعلامة فارقة بين عصر وآخر، بين الاستعباد ومجتمع النصف فى المائة، بين مجتمع التبعية والشخصية المصرية المستقلة، بين الاحتلال والسيادة الوطنية والعروبة.
ملأ «ناصر» قلوب المصريين حماسا وعشقا لبلدهم، وجمع أبناء هذا الوطن تحت رآية وشعار «الأمل فى غد مشرق»، لم ينحن أو ينكسر تحت أى ظرف أو وطأة أى تهديد، تحمل المؤامرات وواجهها بقلب من حديد، واصطبغت حياته بالبساطة وتمتع بشخصية براقة تقترب بسلاسة من كل من يعرفها، صورته فى الخيال وصوته يدوي فى الأذن، احتل بكاريزمته وأفعاله وخطبه القلوب والعقول، فكان رمزا للكرامة والقومية العربية، ودافعًا للجهود المبذولة والضخمة فى محاربة الظلم والاستبداد.
◄ حبيب الملايين
بساطة حديثه وامتلاؤه بالعزة والكرامة رشحه ليحمل لقب «حبيب الملايين» ذلك الوصف الذى اختاره له شعبه والتى طالما تغنى به فى الأغانى الوطنية، فقد قربه صدق خطبه وحميميتها وبساطته من وجدان الشعوب الذى تفاعل معها بقوة وحفظها، وبسبب قدرته على تحفيز المشاعر القومية، "بكى الرجال والنساء، والأطفال، وصرخوا في الشوارع" بعد سماع خبر وفاته.
بعد 18 يومًا مـن رحيل الزعيم والقائد جمال عبد الناصر كتب الأستاذ محمد حسنين هيكل في مقاله «بصراحة» صباح 16 أكتوبر 1970 الساعات الأخيرة التي عاشها يوم رحيل ناصر.
بدأ هيكل مقاله باستعراض الأجواء السياسية المتوترة فى المنطقة العربية، والقتال المحتدم بين الجيش الأردنى وجيوب المـقـاومـة الفلسطينية فـى الأردن، وتناول المخطط الذى أعدته إسرائيل للتدخل فى أزمة الأردن بالاتفاق مع البيت الأبيض الأمريكى، وعلم هيكل أن الرئيس سأل عنه وأنه سوف يعاود الاتـصـال به بعد الظهر، ويقول فى المقال: "بقيت فى الأهـرام قريبا من التليفون الـذى يطلبنى عليه عـادة".
◄ رواية هيكل
وتابع: «علمت أن الرئيس جلس إلـى إفـطـارهوأكـل تفاحة ثم فنجان قهوة مع قرينته التى قالت له قبل أن ينزل إلى أول وداع رسمى ذلك اليوم فى مطار القاهرة «الأولاد سيكونون جميعا على الغداء اليوم» فسأل عن أحفاده وأخبرته أنهم جاءوا، فقال إنه سوف يراهم جميعا على الغداء. وخرج من البيت قبل الساعة التاسعة بدقيقتين.
واسـتكمل هيكل: «في الساعـة الواحدة دق جرس التليفون فى مكتبى وجانى صوته، أحسست به متعبا إلى أقصى حد، وأعدت عليه حديث الإجازة، وقال إنه سوف يستريح بعد وداع أمير الكويت، سألته عما يشعر به فقال: «أجد نفسى غير قادر على الوقـوف»، سألته: «هل رأيت الطبيب؟»، قال: «كان عندى الدكتور الصاوى، وأجرى رسما جديدا للقلب وقال لى إن كل شيءك ما هو».
قلت مستفسرا: «وآلام الساق.. أما من دواء لها؟».. قال: «سوف أضع قدمى فى ماء دافئ به ملح، وأظن أن الألم سوف يتحسن.. هـو طــول الوقـوف فيما أعتقد»!. نقفز بعيدا عن التفاصيل الكثيرة التى رواها الأستاذ هيكل لنصل إلى الفقرة التى يقول فيها: "فـى وداع أمير الكويت، أحس الرئيس فى الدقائق الأخيرة، أنه متعب بأكثر مما يحتمل، لكنه تماسك بجهد لا يصدق.
◄ مرض ناصر
وتابع «هيكل»: وقابل «ناصر» أمير الكويت وهو يتصبب عرقا والدوار يعتريه، صعد أمير الكويت إلى طائرته، والتفت الرئيس يطلب سيارته على غـير المعتاد، كانت العادة أن يذهب ماشيا إلى حيث تـقـف سـيارته وأن يحيى جماهير المودعين، دخل السيارة وهـو يقول للسيد محمد أحمد «أطلب الدكتور الـصاوى يقابلنى الآن فـى البيت»، استقل المصعد من الـدور الأول فى بيته إلى الدور الثانى، وكانت الأسرة كلها فى انتظاره، أحسوا جميعا أنه متعب ولكنه وقـف وسطهم دقيقة يتحدث فيهـا مع حفيديه «هالة وجمال»، ثم توجه إلـى غرفة نومه، وتلحق به السيدة قرينته وهى تسأله متى يريد الغداء، فقال وهـو يخلع ملابسه: «لا أستطيع أن أضع شيئا فى فمى»، وجاء الدكتور الصاوى الذى قال لقرينته مطمئنا «لا تخافى، أظنه نقصا فى السكر».
كان الدكتور الصاوي يشعر من أول لحظة أن هناك طارئا خطيرا فطلب من السيد محمد أحمد استدعاء الدكتور منصور فايز، والدكتور زكى الرملى، كان تشخيص الدكتور الصاوى أن هناك جلطة فى الشريان الأمامى، ولما كانت الجلطة السابقة قد أثرت فى الشريان الخلفي، إذن فإن الموقف دقيق وحرج، وبــوصــول الدكـتور منصور فايز أحست قرينة الرئيس أن هناك شيئا غير عادى اقتربت منه وهى تقول: لا تؤاخذنى يا دكتور، لا أقصد إساءة ولـكـن مجيئك يقلقنى، أنت تجيء عندما يكون هناك شيء غير عادى» فقال لها الدكتور منصور: «أرجوك أن تطمئنى كل شيء بخير إن شاء االله»، وبعد قليل لحق به د. زكى الرملى.
◄ تشخيص الطبيب
كان التشخيص واحدًا، وكانت الإسعافات التى بدأها د.الصاوى قبل مجيئهما مستمرة، كان الرئيس متنبها إلى كل ما يجرى، وحوالى الساعة الخامسة، بدا أن الأمل يقوى، كان النبض قد بدأ ينتظم، وضربات القلب تعود إلى ما هو طبيعى، والتقط الأطباء أنفاسهم وهم بجواره، وهو يراقبهم بابتسامة هادئة على شفتيه، كانت الساعة الخامسة إلا خمس دقائق بالضبط، فتحدث الدكتور منصور فايز مع الرئيس بشأن أن يحصل عـلـى إجازة طويلة، وقال الرئيس إنه كان يريد أن يذهب إلى الجبهة أولا، لكن الدكتور منصور قـال إن هذا صعب، وهم الرئيس من فراشه ليسمع نشرة أخبار الخامسة من إذاعة القاهرة.
وأعلن الرئيس أنه لم يجد الخبر الذى كان يتوقع أن يسمعه، فطلب منه الدكتور الصاوى أن يستريح، وعاد الرئيس يتمدد على فراشه، ود. الصاوي يركز بصره عليه عندما أغمض عينيه ونزلت يده من فوق صدره، بعدها لم يشعر عبد الناصر بشىء.. لم يقل كلمة، جرى الدكتور الصاوى هالعا وهـو ينادى د. منصور فـايـز، ووقف كـل الأطباء حول الفراش، وبأيديهم وعقولهم وكل ما يستطيعه العلم.
◄ نوبة بكاء
علم «هيكل» بكل ما يجرى، وصل إلى بيت الرئيس فرأى السيدة قرينته وهى تمسك برأسها، وليس على لسانها «جمال..جمال»، فذهب بسرعة إلى غرفة نوم الرئيس، كان الأطباء مازالوا حوله، والتفت إلى بقية من فى الغرفة: «شعراوى جمعة، سامى شرف، محمد أحمد»، وتستمر محاولات التدليك الصناعى للقلب والجـسد الطاهـر المسجى يختلج، وأحس «هيكل» أن الأطباء قد فقدوا الأمل، وجاء عـلي صبرى وحسين الشافعى وأنور السادات، والفريق أول محمد فوزى الذى سمع أحد الأطباء يقول: «إن كل شيء قد انتهى»، فقال له: «لا.. لا يمكن.. واصلوا عملكم».
انفجر د. منصور فايز باكيًا، وانفجر معه كل الأطباء باكـين، طوفان من الدموع، ودخلت قرينة الرئيس إلى الغرفة المشحونة بالجلال والحزن، أحزانـهـا المتوهـجـة كانت كالجمر المشتعل، أمسكت يد الرئيس تقبلها وتناديه، وسمعت أحد الباكين يقول: «الرئيس.. الرئيس» فالتفتت تقول «لا تقولوا الرئيس، قولوا إنه جمال عبد الناصر وكفى، سيبقى بالنسبة لى وللناس كلهم جمال عبد الناصر»، ثم انحنت عليه تقبل يده مرة أخرى وهـى تقول: «لم يكن لي في الدنيا سـواه، ولا أريد فى الدنيا غيره، ولا أطلب شيئا إلا أن أذهب إلى جواره»، وأقبل أحد الأطباء يغطى وجهه فنظرت إليه متوسلة بالدموع والنشيج: «اتركوه لى، أنظر إليه، أملأ عينى به».
◄ جنازة مهيبة
واستدار كل من فى الغرفة خارجين، تاركين لها اللحظة الأخيرة، وحدها معه، وعندما جاءت السيارة التى تنقل جثمانه الطاهر إلى قصر القبة، كانت فى وداعه حتى الباب، وكانت كلمتها المشبوبة باللهب الحزين والسيارة تمضى به: «حتى بعد أن مات، أخذوه منى، لم يتركوه لى»، وانطلقت به السيارة فى جوف الليل الحزين، وسرى النبأ كعاصفة برق ورعد، وزلزال يهز البحر الأبيض ـ قلب الدنيا وبؤرة التاريخ ـ من أعماق الأعماق إلى ذرى الأمواج العالية، فى شرق البحر الأبيض ـ فى عمان ـ تسمرت الدبابات فى أماكنها، وخرج رجال المقاومة من خنادقهم يصرخون وينادون عليه، وأجهش حافظ أسد وزير الدفاع السورى بالبكاء وهو يقول: «كنا نتصرف كالأطفال، وكنا نخطئ، وكنا نعرف أنه هناك يصحح ما نفعل ويرد عنا آثاره».
وعقب انتهاء قمة جامعة الدول العربية التى عقدت عام 1970، توفي عبد الناصر إثر تعرضه لنوبة قلبية.
وشيع جنازته في القاهرة أكثر من خمسة ملايين شخص. يعتبره مؤيدوه في الوقت الحاضر رمزا للكرامة والوحدة العربية والجهود المناهضة للإمبريالية؛ بينما يصفه معارضوه بالمستبد، وقد تعرض عبد الناصر لعدة محاولات اغتيال في حياته، وكان من بينها محاولة اغتيال نسبت لأحد أعضاء جماعة الإخوان المسلمين، وقد نفت الجماعة علاقتها بالحادثة ، وحينها أمر ناصر بحملة أمنية ضد جماعة الإخوان المسلمين.
◄ نقلاً عن صحيفة أخبار اليوم المصرية