في الذكرى الرابعة والعشرين لهجمات الحادي عشر من سبتمبر، قاد الرئيس الأميركي دونالد ترمب مراسم إحياء الذكرى من البنتاغون، بعد أيام قليلة من قراره المثير للجدل بتغيير اسم وزارة الدفاع إلى "وزارة الحرب".
خطوة فسّرها مراقبون بأنها تعكس رؤية أكثر صدامية في إدارة الأمن القومي، خاصة في ظل تصاعد التوترات الإقليمية والدولية.
ترمب، الذي لطالما استند في خطابه السياسي إلى هجمات 11 سبتمبر بوصفها مبرراً لتشديد السياسات الأمنية والهجرة، بدا متأثراً وهو يضع إكليلًا من الزهور عند النصب التذكاري للبنتاغون الذي يخلّد أسماء 184 شخصاً قضوا حين اصطدمت الرحلة 77 بمبنى الوزارة عام 2001. وقال في كلمته: "لن ننسى أبداً الأبطال الذين هرعوا إلى الخطر، والعائلات التي تكبدت خسائر لا تُحتمل، والعزيمة التي تميز أمتنا".
في خطابه، ربط ترمب بين تاريخ تشييد البنتاغون في 11 سبتمبر 1941 وبين الهجوم الذي طال جدرانه بعد ستة عقود، معتبراً أن المبنى سيظل رمزاً للقوة الأميركية وذاكرةً لمواجهة "الشر المطلق".
وأعلن عن منحه وسام الحرية الرئاسي للناشط اليميني الراحل تشارلي كيرك، الذي اغتيل في جامعة بولاية يوتا قبل يوم واحد، مؤكداً أن البلاد تمر بلحظة حزن ووحدة وطنية.
وفي وقت واصل فيه ترمب نشاطه الرمزي، إذ من المقرر أن يلقي الكرة الأولى في مباراة بيسبول مسائية بنيويورك، غاب نائبه جي دي فانس عن مراسم "غراوند زيرو" في مانهاتن، حيث تقليد القراءة السنوية لأسماء الضحايا.
فانس فضّل التوجه إلى يوتا للقاء عائلة كيرك، في خطوة وُصفت بأنها إشارة حداد سياسي وأمني في آن واحد. وأكد مكتبه أن "الوقت وقت حزن ودعم"، فيما شددت سلطات نيويورك إجراءاتها الأمنية تحسباً لأي طارئ.
في نيويورك، خيّم الصمت في اللحظات المفصلية للهجمات: 8:46 صباحاً لحظة اصطدام الطائرة الأولى بالبرج الشمالي، تلتها فترات صمت أخرى لتخليد أحداث ذلك اليوم. وحضر الفعالية قادة محليون، بينهم الحاكمة كاثي هوشول والعمدة إريك آدامز، فيما طُرح مجدداً جدل حكومي حول السيطرة الفيدرالية على متحف 11 سبتمبر.
الهجمات التي أودت بحياة نحو 2977 شخصاً لا تزال تلقي بظلالها الثقيلة على الداخل الأميركي وعلى السياسة الخارجية، بعدما فجّرت "الحرب على الإرهاب" وغزو أفغانستان والعراق. وعلى الرغم من مرور أكثر من عقدين، ما زال خالد شيخ محمد، المتهم الرئيسي بتدبير الهجمات، رهن الاحتجاز في غوانتانامو بلا محاكمة.
وتبقى تداعيات 11 سبتمبر حيّة، من مليارات الدولارات التي أُنفقت على الرعاية الصحية لضحايا الغبار السام في مانهاتن، إلى محاولات جديدة لتوثيق اللحظة.
إذ أعلنت مكتبة نيويورك العامة أنها حصلت على أكثر من 700 ساعة من مقاطع الفيديو المصورة للهجمات من سكان المدينة، على أن تُتاح للجمهور تدريجياً حتى عام 2030.
وتزامن إحياء الذكرى هذا العام مع تطور قضائي بارز يعيد ملف السعودية إلى الواجهة. ففي 28 أغسطس الماضي، رفض قاضٍ فيدرالي في نيويورك طلب الرياض إسقاط دعاوى مدنية رفعها أقارب ضحايا الهجمات، مؤكداً أن المدّعين قدموا "أدلة معقولة" تشير إلى أن شخصين سعوديين قدما دعماً لاثنين من الخاطفين عند وصولهما إلى الولايات المتحدة عام 2000. وأوضح القاضي جورج ب. دانيالز أن الحكم لا يمثل إدانة، لكنه يسمح باستمرار نظر الدعوى ضمن ملف "التقاضي الجماعي بشأن الهجمات الإرهابية في 11 سبتمبر".
القضية، التي تستند إلى قانون "جاستا" (العدالة ضد رعاة الإرهاب) الصادر عام 2016، تشمل مئات المدّعين من عائلات الضحايا والناجين وشركات التأمين. وبينما نفت الرياض مراراً أي علاقة لها بالهجمات، يرى محامو العائلات أن القرار الأخير "خطوة جوهرية" قد تمهّد الطريق لمحاسبة محتملة.
ويرى مراقبون أن تزامن قرار القضاء الأميركي مع مراسم الذكرى يعكس كيف أن إرث 11 سبتمبر لا يزال يلقي بظلاله على الداخل الأميركي، ليس فقط كذكرى مأساوية غيّرت السياسة الخارجية وأطلقت "الحرب على الإرهاب"، بل كملف مفتوح يعيد رسم علاقات واشنطن مع حلفائها التقليديين في الشرق الأوسط.