اليمنيون ينحازون لعبد الناصر وعصره وفكره لأنه هو الذي أخرجهم بدون مبالغة من الظلمات إلى النور بفضل عونه السخي والمتعدد الأبعاد للثورة اليمنية . لقدعرفوا التعليم الحديث والإدارة الحديثة على أيدي أساتذة مصريين وخبراء مصريين والتحقت أول دفعة كاملة من خريجي الثانوية العامة في اليمن عام 1966 بالجامعات المصرية وعومل خريجوها كالمصريين و منحوا إعانات مالية وقبل ذلك أرسل بجيشه وفلذات أكباده عام 1962للدفاع عن الثورة اليمنية. وفي ذروة مأساته بعد هزيمة يونيوعام 1967 لم ينس أن يرسل في نهاية 1967 بعض الأسلحة للجيش وللمقاومين في صنعاء لدحر آخر هجمة على الجمهورية بفضل الجيش والشرطة وشباب المدارس والموظفين الذي وفرت لهم الثورة والدعم المصري فرص التعليم والتأهيل والتوظيف وتمكنوا بفضل ذلك من الدفاع عن ثورتهم باعتبارهم أصحاب مصلحة رئيسية في بقائها وفي انتصارها.
اليمنيون جميعا باستثناءات محدودة يعبرون عن وفائهم لمصر ومنهم الذين اختلفوا مع عبد الناصر سياسيا. وأتذكر أني شاهدت عام 1980 في مكتب سفير اليمن لدى الأمم المتحدة الأستاذ محسن العيني صورة لعبدالناصر وهو الذي يجب أن يرفع صورة رئيس دولته فقط وهو الذي رفض عبد الناصروبإصرار أن يتولى أي منصب بسبب انتمائه البعثي . العيني احتفظ بالجميل الكبير لمصر في دعم الثورة اليمنية ونسي خلافاتهما الصغيرة وقال لي أن عبد الناصر عندما ودعه في ديسمبر عام 1962 قبل أن تحتل الجمهورية مقعد اليمن في الأمم المتحدة أعطاه عشرة ألاف دولار لتساعده في حملة العلاقات العامة بعد طرد ممثل الملكيين من الأمم المتحدة . يتفق مع العيني بعض الإسلاميين الذين يعترفون بأن مصر ضاع منها بعد وفاته الدور والريادة والمبادرة والقيادة وأنهم افتقدوا الكرامة والعزة التي كانت رديفة لعصر عبد الناصر.
التوريث بداية النهاية للطغاة العرب ولأولادهم
من مزايا عبد الناصر أنه كان نظيف اليد مخلصا لمبادئ الجمهورية التي تقف على النقيض من مبدأ التوريث. هذه المزايا هي مايحبب الناس فيه وفي أسرته. ولنا أن نلاحظ الأن أن من أسباب الثورات العربية في اليمن وليبيا وسوريا ومصر خلق سلالة حاكمة تتوارث السلطة وتستهين بمبادئ الجمهورية ناهيكم عن الفساد والمحسوبية والعبث بالمال العام وشخصنة السلطة .
وفي جنازة خالد عبد الناصر تعرفت على طبيب ليبي كان من أنصار القذافي. وتغير ولاءه له بعد عام 2005 عندما بدأت المحاولات الجادة للقذافي لتوريث إبنه سيف الإسلام وبدأ سيف الإسلام يمارس سلطات غير قانونية ويتصرف في المال العام وكأنه ماله الخاصمما تسبب في جريان مياه مختلفة مضطربة في نهر الولاء للقذافي .ومنذ ذلك العام تزايد تململ أعضاء اللجان الشعبية من القذافي وأولاده كما قال لي وبدؤا بنزع ثقتهم منه لأنهم آزوره لكي يطبق شعاراته الأثيرة لديهم وهي السلطة،السلاح والمال بيد الشعب والانتماء للأمة العربية.
وعندما انزلقت الأمور إلى مسار التوريث وحكم الأسرة وحانت فرصة الانقلاب على انقلاب القذافي على مبادئه وجماهيريته هبوا جميعا للإطاحة به. وهنا يكمن الفرق الجوهري بين الجمهوريات الوراثية التي يعض الورثة أصابع الندم على مافعله أبائهم بهم وبين جمهورية عبد الناصر غير الوراثية التي خلقت حبا كبيرا لأبنائه وأفكاره وعهدا على السيروفق مبادئه.
عن نيوز يمن