العزلة اليمنية تتجدد
زكريا الحسامي
زكريا الحسامي


في كتاب ملوك العرب، يقدم الكاتب والأديب اللبناني أمين الريحاني وصفًا دقيقًا لبعض المشاهد التي رآها ودونها خلال رحلته من عدن إلى صنعاء في عشرينيات القرن الماضي، من خلال حواراته مع اليمنيين، وكأنها لا تزال قائمة حتى الآن ونعيش تفاصيلها، رغم مرور قرن من الزمن عليها، لتبدو وكأن الزمن قد توقف، باستثناء تغيّر الفاعلين والمؤثرين والأماكن في المشهد الحالي.


من أبرز تلك المشاهد التي لفتت نظر الريحاني حينها، العزلة التي أحاطت باليمن عن العالم الخارجي، واصفًا إياها بأنها "بلاد محاطة بأسوار الظلام"، يسودها الخوف الشديد من كل ما هو جديد، والنظر إلى الأجنبي ككافر لا ينبغي التعامل معه. لقد عززت تلك النظرة المتوجسة، التي زُرعت في أذهان الناس حينها، حالة الانطواء المجتمعي، والقبول بالعيش في ظل ظروف بالغة القسوة.


وفي الوقت الذي كانت فيه دول العالم تسعى لإيجاد موطئ قدم لتطوير نفسها، وتمضي بخطى ثابتة نحو التقدم واكتشاف الثروات وبناء الأوطان، عبر تبادل المعارف والعلوم بين شعوب العالم، كانت اليمن تعيش في عزلة تامة، منغلقة على نفسها، محرومة من أبسط مقومات العصر. فكانت النتيجة بلادًا متخلفة عن ركب التقدم والتحضر، تعيش أسوأ مراحلها على الصعيد المعيشي والتعليمي والاجتماعي.


واليوم، يكرر التاريخ نفسه؛ فاليمن في عزلة تامة، جوًا وبحرًا وبرًا، وتظهر هذه العزلة بوضوح من خلال الصورة المتداولة عبر وسائل التواصل الاجتماعي، حيث تتحول السماء في أنحاء العالم إلى ما يشبه خلية نحل تعج بالطائرات المتجهة من وإلى كل مكان، فيما تبدو سماء اليمن خالية تمامًا، وكأنها "مثلث برمودا" لا يعبرها أحد، منطقة مهجورة يُخشى العبور فوقها.


هذا المشهد الكارثي يختصر حجم المؤامرة التي تُحاك ضد اليمن خارجيًا وداخليًا، ويكشف حجم الكارثة التي تلحق بالبلاد. وإن ظلت اليمن على ما هي عليه من عزلة، فإنها ستجد نفسها بعد عقود تعيش المأساة ذاتها التي نحياها اليوم.


لقد ابتليت هذه البلاد بحكام مستبدين وظالمين، كانوا سببًا فيما آلت إليه أوضاع اليمن واليمنيين من اقتتال وتخلف وانهيارات في كل المجالات، ليحولوا "اليمن السعيدة" إلى بلاد لا تعرف للسعادة معنى، خدمةً لمصالحهم الضيقة وتعزيزًا لنفوذهم، ونهبًا للثروات، وتنفيذًا لأجندات أجنبية لها أطماعها، تسعى لتحويل اليمن إلى ساحة صراع.


من الواضح أن العزلة المفروضة على اليمن قديمًا، والتي يُعاد إنتاجها اليوم، هي نتيجة سياسات متعمدة يرسمها أعداؤها خارجيًا وينفذها حكامها محليًا. فبعد مرور قرن كامل على ما ذكره الريحاني في رحلته، لا تزال العزلة مفروضة، وإن تغيرت بعض المظاهر والفاعلين، بسبب الحروب والتدخلات في السيادة الوطنية، التي حرمت اليمنيين من أبسط حقوقهم في الحياة الكريمة.


ستبقى هذه الصورة المأساوية تعبيرًا صارخًا عن حجم المعاناة، وشاهدًا على هوان حكامها وجبروت أعدائها، وسيأتي اليوم الذي يطلق فيه اليمنيون غضبهم لإيقاف هذا العبث ببلادهم ومقدراتهم، وكسر هذه العزلة التي فُرضت عليهم.



إقراء أيضا