طبعا في تاريخ الصحافة اليمنية الديمقراطية، ثمة أسماءٌ لا يمكن المرور عليها كأنها محطات عابرة.
هي علامات، فوانيس ثقيلة على الجدار، ووشوشة دائمة في الذاكرة.
أحد هؤلاء، بل في طليعتهم، هو الأستاذ حسن العديني، الرجل الذي كلما ابتسم، انقلب العالم تحت وفوق، وكلما دمع، أدمعنا معه.
وحين اتحدث عن حسن العديني الشلفي ، فأنا لا اروي سيرة مهنية فحسب، بل اتلمس ملامح شخصية تتقاطع فيها الفراسة الريفية مع دهاء الأتقياء، ويتجاور فيها المزاج الساخر مع عمق التحليل السياسي.
رجلٌ من طينة نادرة، مزيج من المعلم، والكاتب، والناقد، والجمركي، والضرائبي، والمثقف المشاكس.
رجل تعب، لكن لم يتعب.!
عرفته أول مرة في صحيفة "الأسبوع" مطلع الألفية، وكنت اعمل في الاسبوع.. برئاسة تحريره..رفقة سامي غالب ومحمد الغباري، وجمال حسن ،ومروان دماج وجلال الشرعبي..ونبيل سبيع ونائف حسان، وعبد العالم بجاش وطارق السامعي المخرج المايز .. والاستاذ عادل الأحمدي وفارس غانم رحمة الله عليه.
كان ذلك اللقاء من محطات العمر اللامعة.. وإلى جانبه تعلمت كيف يكون الصحفي خصما شريفا، وكيف يُمكن للدهاء أن يتجاور مع الطهر، وأن يكون للكتابة موقف، لا مجرد رأي.
فالصحافة في حضرته ليست مهنة، بل ساحة نزال.
فيما كانت تحكمنا أخلاقيات المهنة، لكنه كان يضيف إليها بندا خفيا: "لا تكن جبانا".
اطلق عليه "النمس الوفي"، وهو وصف لا تنقصه الطرافة ولا الدقة، ففي وفائه لأصدقائه وأفكاره وذاكرته السياسية نوع من الوفاء الماكر، الصادق بلا سذاجة، الحاد بلا أذى.
و حين كنا نلتقي، كان يمضي الوقت سريعا في أحاديث تمزج المزاح السياسي بالحكمة الشعبية، والشتائم المبطنة بالتعاطف.
أذكر صورة صباحية في قاهرة غير كئيبة، جمعتنا مع الصديق الشاعر الفلسطيني يوسف القدرة، والروائي الكبير علي المقري، وكان بيننا حسن العديني، بهيبته المعهودة، وبسمته التي بدت وكأنها تميمة نجاة من صخب العالم.
كانت روح الراحل الروائى مكاوي سعيد تحرس الجلسة، كبورتريه في مقهى زهرة البستان.
مكاوي الذي سألني قبل يومين من رحيله: "إزاي حال اليمن ياتوحه؟"، فأجبته بصدق جارح: "أسوأ".
لم أكذب عليه، فقد كان صديقا كبيرا لا يليق به إلا الصدق.
قبل يومين في لقاء عيدي بأديس أبابا، جلست مع ابن أخت العديني القادم من الرياض، ودار الحديث عنه وعن "سيرته المجنونة".
كم كان الحديث باعثا للحنين، وكأن الرجل حاضرٌ بضحكته، بلغته، بذكائه الفطري، وبطريقته في تحويل القات إلى جلسة تحليل سياسي عميق.
أما الصورة الأخرى، فكانت مع العديني في حفل توقيع "قصص حنبات" للكاتب الساخر فكري قاسم. كان حسن، كالعادة، كان صوته وتعليقاته قد أعادت للجميع الحضور والوعي والدهشة.
وكنت ارتدي قبعتي وكأنني قادم من مشهد في رواية منسية. هههههههههههه.
حقيقة اشتاق إليه، ليس لأنه غاب تماما، بل لأنه من الذين لا يمكن أن يغيبوا، فحضوره يرتحل مع كل جملة صدق، وكل مقال يقاوم ، وكل موقف لا يخون.
صدقوني حسن العديني ليس فقط "هيكل اليمن"، بل مدرسة قائمة بذاتها، مدرسة لا تعلم فقط الكتابة، بل كيف نكون بشرا في زمن يتآكل فيه الإنسان.
تحية لك يا أستاذ الجميع… أيها الصلب المقاوم.!