بذور الأحلام العظيمة تنمو وتزدهر إذا ظلّ صاحبها يرويها بالإرادة والقوة، وتسقيها جداول من القيم والمبادئ النقية.
سلكنا طريقًا وعرًا محفوفًا بالمخاطر، لكن خطانا لم تكن مهتزّة، بل كانت قوية، لا تهاب العثرات، كل ذلك من أجل حلم ظلّ مؤجلاً في دفتر الأمنيات.
في القرية، تمسك الكتاب لتقرأ، لتسقي شجرة الفكر والروح. كانت القراءة غذاءً، وكان الكتاب صديقًا، تحاول أن تتعلم القيم الفاضلة وتمارسها قولًا وفعلاً، كيف تعيش وكيف تعامل الإنسان كإنسان، نابع من الرحمة وممتلئ بالقيم العظيمة.
لكنّك تجد نفسك غريبًا في مجتمع متوحش لا يرحم، تمضي ساعاته وأيامه دون فائدة، ينظر إليك نظرة مادية بحتة، حيث يرون أن المال وحده يصنع المجد والسعادة.
عشنا في القرية سنوات بلا متر من الأرض، ولا راتب، ومع ذلك لم تكن الهزيمة جزءًا من حياتنا. كنا نقرأ ونكتب ونكافح بصمت، نحلم بوطن مدني كبير، يحكمه خيرة خلق الله وفق دستور وقوانين عادلة، ونموذج يتحدث عنه الجميع بإعجاب.
لكن الصدمة كانت أن الحلم ذاب، وعشنا الشقاء، وتمزق الحلم، لنرى وطنًا يديره إنسان ممزق المبادئ، بلا رؤية أو ضمير.
في الصورة يظهر إنسان، لكن أفعاله لا تختلف عن أفعال الوحش؛ إذ لا رحمة ولا شفقة تسكن قلبه، يتلذذ بعذاب الناس وقهرهم، ويعيش أسيرًا لذاته القبيحة.
تجد نفسك محاصرًا في مجتمع لا يرحم حتى نفسه، وتحاول أن تساعده للخروج من بوابة الشقاء إلى عالم جديد، يصنع من نفسه إنسانًا مختلفًا، لكنه يرفض كل ذلك، ويجبرك أن تسلك طريق الأشقياء.
كان الحلم كبيرًا أن تجد مجتمعًا نبيلاً، وكانت الأحلام واسعة، لكن الواقع قادها إلى التعثر.
واقع لا ترى فيه نور العلم، ولا حضور الخدمات، ولا بناء الإنسان، ولا رقابة الضمير.
واقع يجعلك تتألم بحسرة على بلاد تطرد أبناءها نحو الهجرة والاغتراب، بعد أن فقدوا الأمل في أن تكون هذه البلاد بلاد السعادة التي حلموا بها.
إنها بلاد الأشقياء، الذين يعيشون العذاب، ولم تمنحهم هذه الأرض لقمة عيش كريمة تسد جوعهم، ولا خدمات تحفظ كرامتهم، أو تساعدهم على البقاء.