التحسّن المفاجئ لسعر الصرف: دلالاته وأسبابة
حلمي الحمادي
حلمي الحمادي


التحسّنً المفاجئً للريال أمام العملات الأجنبية، بعد سنوات من التدهور المتواصل، لاقى ارتياحًا شعبيًا وترحيبًا حذرًا من المراقبين، يثير الكثير من الأسئلة: هل نحن أمام بداية لاستقرار اقتصادي فعلي؟ أم أن ما يجري مجرّد هدوء مؤقت بفعل إجراءات آنية؟


ما الذي حدث؟


التحسّن الأخير في سعر الصرف لم يأتِ من فراغ، بل كان نتيجة مزيج من السياسات والقرارات الإدارية الجديدة أمام الضغوط الداخلية والدولية:


🔹 البنك المركزي في عدن غيّر طريقته في إدارة سعر الصرف، متخليًا عن سياسة "التعويم الكامل" التي كانت تترك السوق فريسة للمضاربين، متجهًا نحو "تعويم مدار" يسمح له بتحديد نطاق سعري يومي، والتدخل وضخ الدولار حسب الحاجة.


🔹  نقل إدارة المنظومة المصرفية بالكامل إلى عدن، بما في ذلك الرقابة على البنوك والصرافين، وساهم في إدارة وتوجيه السيولة ويوقف طباعة العملة الجديدة، وهي خطوة قللت من التضخم، وعززت قدرة البنك على التحكم بالسوق.


🔹 تفعيل لجنة لتنظيم الاستيراد ساعدت في تقليل الطلب العشوائي على الدولار، خاصة من قبل التجار الذين كانوا يشترون العملة بغرض المضاربة أو التخزين.


🔹 ربط إلكتروني مباشر بين البنك المركزي وشركات الصرافة، أتاح رقابة لحظية على عمليات بيع وشراء العملات، ومنع التلاعب.


🔹 بدء توجيه التحويلات المالية القادمة من الخارج (لا سيما من السعودية وأمريكا) عبر القنوات الرسمية المرتبطة بالبنك المركزي، ما حدّ من نشاط السوق السوداء، وقلل من تدفق العملة الصعبة إلى أيادٍ غير خاضعة للرقابة.


🔹 الضغوط السياسية والاقتصادية، خاصة بعد الحرب الإيرانية الإسرائيلية، أجبرت جميع الأطراف على تخفيف العبث بالسياسة النقدية، حيث صعدت المؤسسات الدولية من شروط حصول اليمن على دعم خارجي، دون تحقيق استقرار اقتصادي أولي.


🔹 توقعات رفع سعر الدولار الجمركي : أدت الأخبار حول نية الحكومة رفع سعر الدولار الجمركي إلى تقليل الطلب على الدولار من قبل المستوردين الذين آثروا الترقب، ما ساعد مؤقتًا في خفض الطلب على العملة الأجنبية وتوفير قدر من الاستقرار في السوق. 


ماذا يعني ذلك؟


-  رغم أهمية ما تحقق، لا ينبغي الإفراط في التفاؤل.

-  ما حصل هو "تثبيتًا مؤقتًا" أكثر من كونه تحوّلًا جذريًا. 

- التحسّن في سعر الصرف كشف أن 40% من التدهور السابق كان ناتجًا عن سوء إدارة لا عن نقص في الموارد. 

- أثبت أن وجود سلطة نقدية فاعلة وقادرة على فرض الرقابة يمكن أن يغير الكثير حتى في ظل الحرب والانقسام.


 هذا التحسن يبقى هشًا فالعوامل التي أدت إليه ادارية وتقنية، ولم تمسّ جوهر المشكلة: اقتصاد يعاني من الفساد، وانهيار في الإنتاج، وضعف في إدارة الموارد.


هل سيعود الريال إلى التدهور؟


إذا لم يتم استكمال هذه الإجراءات بتدخلات عميقة لمعالجة التشوّهات البنيوية في الاقتصاد، فإن التحسن سيظل قصير الأجل. ومن أبرز التحديات الهيكلية:

1- غياب الشفافية في إدارة الموارد العامة.

2- ضعف منظومة التحصيل والجباية.

3- تفشي الفساد المالي والإداري.

4- انهيار القطاعات الإنتاجية وغياب اقتصاد العمل والإنتاج.


لذلك المعركة الحقيقية ليست في السوق، وإنما في مراكز القرار.


إقراء أيضا